افتتاحية العدد

العدد الأول - الجمعة 25 / تموز / يوليو / 2014


Replacement_Image

شرق المتوسط وملامح الانهيار

هذه مرحلةٌ عصيبةٌ، تتآكل فيها الكيانات السياسية في العراق وسوريا، وتنهار معها التوافقات الاجتماعية الشكلية التي جمعت، ظاهرياً على الأقل، المكونات السكانية في عموم المنطقة. فبعد سنواتٍ من الصراع العنفي العبثي والمستمر يأتي ’الحدث الداعشي‘، حسب تسمية أحد الأصدقاء، تتويجاً لقتامة المشهد، ليقذف بالمنطقة في عتم المجهول، ويخلط الأوراق، ويزيد من تعقيد الصورة. تتزامن هذه المرحلة مع مأساةٍ إنسانيةٍ كبرى أجبرت شرائح واسعة على النزوح والهجرة، أو القبول بالأمر الواقع، مع شللٍ مَهُولٍ في عجلة التنمية والاقتصاد والصحة والتعليم.

ينفجر، في هذه المرحلة العصيبة، ما كان يتراكم مضطرماً تحت الرماد؛ ليعربدَ التصريحُ بما كان مخبوءاً، والنطقُ بما كان عنه مسكوتاً، فتسقط كل الأقنعة، وتقف المنطقةُ عاريةً قبالة قباحتها وتوحشها، دون تجميلٍ أو مساحيق، تاركةً إرثها الحضاري والثقافي الثري في عهدة الماضي والذكريات. وبهذا يتحول شرق المتوسط إلى ساحةٍ تضم مزيجاً من القتلة والمقتولين، إلى حلبةٍ تشهد تسابقاً محموماً على سفك الدم، وإلى بيئةٍ لتفريخ الكراهية والحقد والعَدَميّة، والسقوط في براثن الغرائزية الأولى.

لكن كيف أمكن لما حدث أن يحدث أصلاً؟ كيف سار الوضع إلى هذا الدرك من الانحطاط؟ وكيف تسنّى لهذا الكابوس أن يكون؟ أين تبخّرت أحلام النهضة والحداثة؟ وأين اختفت طموحات التغيير والتقدم؟ تكثر أمثال هذه التساؤلات في أزمنة العنف؛ فقد عرفتها أوروبا إبان وبعيد الحروب العالمية على سبيل المثال، ما أفرز العديد من التيارات النقدية التي كان لها عميق الأثر على سيرورة المعرفة والاشتغال الفكري. هذا ما نشهده أيضاً في عموم المنطقة هذه الأيام؛ إذ نلحظ تلك التساؤلات في العيون المصدومة بواقعٍ مرير، نسمعها من الألسنة المتسائلة عن مستقبلٍ مجهول، ونقرؤها في كتابات ’المثقفين‘ على اختلاف أصنافهم ومواقعهم. لكن نادراً ما ترقى الإجابات إلى كارثية الحدث، ونادراً ما تنجح في الفكاك من نظريات المؤامرة، لتدور غالباً في حلقةٍ مفرغةٍ من ’لَوْم الآخر‘ بعد صناعة هذا ’الآخر‘، ويغيب البحث الصادق والجاد عن الحلول والمخارج. فالخطاب والاشتغال الفكري مهووسٌ، في الغالب الأعم، بإثبات أنهم ’هم‘ أساس المشكلة، وبأننا ’نحن‘ بريئون من أي مسؤوليةٍ فيما حدث ويحدث (بغض النظر عن انتماءات الـ ’هم‘ والـ ’نحن‘)، وفي خِضَمِّ هذا الهوس تغرق المنطقة أكثر وأكثر في وَحْلِ صراعاتها. هذه الاستماتة المازوخية في أخذ دور ’الضحية‘ والتنصُّل من دور ’الجلاد‘، هذه الرغبة العميقة في إعلان ’براءتنا‘، وإخفاء ’أيدينا‘ المغموسة بالدماء حتى المرافق، ليست سوى هروبٍ سافرٍ ويائسٍ من مواجهة الواقع الأليم - صفةٌ تلازم العقلية السائدة الغارقة في غيبيّتها وجنون عظمتها، الغارقة في نرجسيّتها وإقصائيتها واستعلائها، صفةٌ تكرِّسُ المأساة، وتعيد إنتاج ما هو قائم.

وبعد كل هذا، فهل ما زلنا في حاجةٍ إلى مزيدٍ من الدلائل كي نُقِرَّ بضرورة التغيير الجذري في المنطقة؟ سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؟ تغيير لا يقف عند حدود التشذيب السياسي، بل ينفذ إلى آليات المعرفة والاشتغال الفكري، وإلى عمق المواقف تجاه الحياة والأشياء والمفاهيم، وإلى مناهج وأسس العقلية السائدة وإدراكها للدنيوي والمقدس.

هذه مرحلةٌ عصيبة، أزمةٌ عميقةٌ ومركبةٌ تبحث عن حلول، تطرحُ تساؤلاتٍ كبرى وتنتظر إجاباتٍ مختلفة؛ إجاباتٍ شجاعة، إجاباتٍ قادرةٍ على اقتحام أيديولوجيات الخوف والصمت، وعلى الخروج من أسر النماذج الجاهزة والمعلّبة، إجاباتٍ تتحرر من حُمّى التماثل والتقليد، وتعيد الاعتبار إلى عقل الإنسان في عصرٍ بات فيه شتم العقل فضيلة. ولعلّه من النافل القول بأن كل ما سبق سيلقي بمسؤولياتٍ جِسَامٍ على عاتق كل المهتمين، وبخاصة أولئك المشتغلين في قضايا الفكر والحقل العام، آملين أن تكون مجلة ’دلتا نون‘ صوتاً فاعلاً، ومنبراً مفتوحاً لكافة الأقلام الشابة والجادة، لكافة الأفكار الخلاقة، لكافة الطروحات الجريئة التي تناقش ما تعيشه منطقتنا، علّنا نسهم، مع غيرنا، في عملية التغيير المنشودة.

طلال الميهني

رئيس التحرير، مجلة دلتا نون

شرق المتوسط وملامح الانهيار

هذه مرحلةٌ عصيبةٌ، تتآكل فيها الكيانات السياسية في العراق وسوريا، وتنهار معها التوافقات الاجتماعية الشكلية التي جمعت، ظاهرياً على الأقل، المكونات السكانية في عموم المنطقة. فبعد سنواتٍ من الصراع العنفي العبثي والمستمر يأتي ’الحدث الداعشي‘، حسب تسمية أحد الأصدقاء، تتويجاً لقتامة المشهد، ليقذف بالمنطقة في عتم المجهول، ويخلط الأوراق، ويزيد من تعقيد الصورة. تتزامن هذه المرحلة مع مأساةٍ إنسانيةٍ كبرى أجبرت شرائح واسعة على النزوح والهجرة، أو القبول بالأمر الواقع، مع شللٍ مَهُولٍ في عجلة التنمية والاقتصاد والصحة والتعليم.

ينفجر، في هذه المرحلة العصيبة، ما كان يتراكم مضطرماً تحت الرماد؛ ليعربدَ التصريحُ بما كان مخبوءاً، والنطقُ بما كان عنه مسكوتاً، فتسقط كل الأقنعة، وتقف المنطقةُ عاريةً قبالة قباحتها وتوحشها، دون تجميلٍ أو مساحيق، تاركةً إرثها الحضاري والثقافي الثري في عهدة الماضي والذكريات. وبهذا يتحول شرق المتوسط إلى ساحةٍ تضم مزيجاً من القتلة والمقتولين، إلى حلبةٍ تشهد تسابقاً محموماً على سفك الدم، وإلى بيئةٍ لتفريخ الكراهية والحقد والعَدَميّة، والسقوط في براثن الغرائزية الأولى.

لكن كيف أمكن لما حدث أن يحدث أصلاً؟ كيف سار الوضع إلى هذا الدرك من الانحطاط؟ وكيف تسنّى لهذا الكابوس أن يكون؟ أين تبخّرت أحلام النهضة والحداثة؟ وأين اختفت طموحات التغيير والتقدم؟ تكثر أمثال هذه التساؤلات في أزمنة العنف؛ فقد عرفتها أوروبا إبان وبعيد الحروب العالمية على سبيل المثال، ما أفرز العديد من التيارات النقدية التي كان لها عميق الأثر على سيرورة المعرفة والاشتغال الفكري. هذا ما نشهده أيضاً في عموم المنطقة هذه الأيام؛ إذ نلحظ تلك التساؤلات في العيون المصدومة بواقعٍ مرير، نسمعها من الألسنة المتسائلة عن مستقبلٍ مجهول، ونقرؤها في كتابات ’المثقفين‘ على اختلاف أصنافهم ومواقعهم. لكن نادراً ما ترقى الإجابات إلى كارثية الحدث، ونادراً ما تنجح في الفكاك من نظريات المؤامرة، لتدور غالباً في حلقةٍ مفرغةٍ من ’لَوْم الآخر‘ بعد صناعة هذا ’الآخر‘، ويغيب البحث الصادق والجاد عن الحلول والمخارج. فالخطاب والاشتغال الفكري مهووسٌ، في الغالب الأعم، بإثبات أنهم ’هم‘ أساس المشكلة، وبأننا ’نحن‘ بريئون من أي مسؤوليةٍ فيما حدث ويحدث (بغض النظر عن انتماءات الـ ’هم‘ والـ ’نحن‘)، وفي خِضَمِّ هذا الهوس تغرق المنطقة أكثر وأكثر في وَحْلِ صراعاتها. هذه الاستماتة المازوخية في أخذ دور ’الضحية‘ والتنصُّل من دور ’الجلاد‘، هذه الرغبة العميقة في إعلان ’براءتنا‘، وإخفاء ’أيدينا‘ المغموسة بالدماء حتى المرافق، ليست سوى هروبٍ سافرٍ ويائسٍ من مواجهة الواقع الأليم - صفةٌ تلازم العقلية السائدة الغارقة في غيبيّتها وجنون عظمتها، الغارقة في نرجسيّتها وإقصائيتها واستعلائها، صفةٌ تكرِّسُ المأساة، وتعيد إنتاج ما هو قائم.

وبعد كل هذا، فهل ما زلنا في حاجةٍ إلى مزيدٍ من الدلائل كي نُقِرَّ بضرورة التغيير الجذري في المنطقة؟ سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؟ تغيير لا يقف عند حدود التشذيب السياسي، بل ينفذ إلى آليات المعرفة والاشتغال الفكري، وإلى عمق المواقف تجاه الحياة والأشياء والمفاهيم، وإلى مناهج وأسس العقلية السائدة وإدراكها للدنيوي والمقدس.

هذه مرحلةٌ عصيبة، أزمةٌ عميقةٌ ومركبةٌ تبحث عن حلول، تطرحُ تساؤلاتٍ كبرى وتنتظر إجاباتٍ مختلفة؛ إجاباتٍ شجاعة، إجاباتٍ قادرةٍ على اقتحام أيديولوجيات الخوف والصمت، وعلى الخروج من أسر النماذج الجاهزة والمعلّبة، إجاباتٍ تتحرر من حُمّى التماثل والتقليد، وتعيد الاعتبار إلى عقل الإنسان في عصرٍ بات فيه شتم العقل فضيلة. ولعلّه من النافل القول بأن كل ما سبق سيلقي بمسؤولياتٍ جِسَامٍ على عاتق كل المهتمين، وبخاصة أولئك المشتغلين في قضايا الفكر والحقل العام، آملين أن تكون مجلة ’دلتا نون‘ صوتاً فاعلاً، ومنبراً مفتوحاً لكافة الأقلام الشابة والجادة، لكافة الأفكار الخلاقة، لكافة الطروحات الجريئة التي تناقش ما تعيشه منطقتنا، علّنا نسهم، مع غيرنا، في عملية التغيير المنشودة.

طلال الميهني

رئيس التحرير، مجلة دلتا نون





 
 
 
EN
AR