الفساد: مقاربة منظومية نحو التحديث

مقالة بقلم مازن علي

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

لا بد من إعادة النظر بظاهرة الفساد ودراستها موضوعياً، وتحديد مصادرها ومسوغات تفاقمها حتى اكتسبت صفة ’الظاهرة‘، بعيداً عن أحكام القيمة التي تدينها. لأنها، ومن وجهة نظر مسؤولة، هي مسؤولية جماعية تطال فلسفة النظام النظام السياسي برمته وآثاره الواقعة على المجتمع المنعكسة في ثقافته وقيمه، التي تجعل من الفساد ظاهرة مبررة أو مدانة اجتماعياً.

تتزاحم الأبحاث والدراسات التي تتناول بشكل دوري القضايا والتحدياتالاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها البلدان النامية، وتعقد من أجلها الندوات والمحاضرات وورش العمل، وعلى رأسها قضايا التنميةوالديمقراطية. حيث بات الربط العضوي بينهما ضرورة يتفق عليها الجميع. لينتقل الحديث بعدها عن معوقات التنمية وكيف يمكن للديمقراطية بتعينها الإجرائي أن تسهم في إزاحة هذه المعوقات المتمظهرة على شكل أمراض مركبة من الهدر والفساد.

لكن بداية، لا بد من إعادة النظر بظاهرة الفساد نفسها ودراستها موضوعياً، وتحديد مصادرها ومسوغات تفاقمها حتى اكتسبت صفة ’الظاهرة‘، بعيداً عن أحكام القيمة التي تدينها. لأنها، ومن وجهة نظر مسؤولة، هي مسؤولية جماعية تطال فلسفة النظام النظام السياسي برمته وآثاره الواقعة على المجتمع المنعكسة في ثقافته وقيمه، التي تجعل من الفساد ظاهرة مبررة أو مدانة اجتماعياً.

وحيث أن ظاهرة الفساد متعددة ومتداخلة المظاهر بدرجة يصعب معها تحديد تعريف يوصِّف حالة الفساد، فإن أول ما يتبادر للذهن تلك المظاهر المالية من اختلاس للأموال العامة أو الرشوة التي يتقاضاها الموظف العام واستغلال المنصب والوساطة نتيجة القرابة أو غيرها. مما يشلّ انسياب الإجراءات القانونية ويفرمل الهياكل الإدارية المصممة لإدارة الشأن العام ويحرفها عن أداء وظيفتها بالفعالية والكفاءة المطلوبة.

إلا أن ظاهرة الفساد حين تفكيكها من ناحية بنيوية، نجدها أعم وأشمل. فهي لا تقتصر على الجانب المالي أو إساءة استخدام المنصب العام فحسب، بل إنه تحويل أو تحوّل عن الإدارة الفعّالة للشأن العام وغياب الشأن العام مقابل الشأن الخاص، بما ينطوي عليه الخاص من أشخاص بعينهم أو أشخاص اعتباريين. فالفساد هو تحوّل المصلحة العامة إلى مصلحة خاصة لأفراد أو لجماعات أضيق.

وهنا تُعد المقاربة الإدارية قاصرة عن فهم وحل ظاهرة الفسادـ بالقدر الذي تنتفي معه إمكانية مقاربتها مقاربة تربوية أو ثقافية، فهي في هذه الحالة استهانة واستكانة لواقع وثقافة مجتمع نسمه بغير صفة؛ بينما يكتنز في حقيقته قيماً حضارية أعلى وأكثر تمدناً. لأن الإدارة نفسها أصبحت موضوعاً وليست حلاً. فما هي المقاربة التي يمكن أن ندخل بها على ظاهرة الفساد بتعينه الذي نلحظه من استغلال نفوذ أو دفع رشوة أوبرطيل؟ لاسيما إذا عرفنا بأن ذلك التعين الأخير يقدّم من قبل المواطن من أجل تسريع وتسيير الماكينة الإدارية بالدرجة الأولى.

المقاربة الإدارية، وإن بدت أنها الأقرب في تشميل ظاهرة الفساد، سرعان ما نجد بأنها شكلية تقتصر على تعديل القوانين والأنظمة الإدارية وسن قوانين جديدة في إطار ما نطلق عليه عملية الإصلاح الإداري، الذي لا ينتج عنه إلا تضخم في القوانين وتشابك النصوص وتعقد الإجراءات، ما يركِّب حالة الفساد ويجعلها أكثر استعصاءاً عن الكشف في ظل كثرة التوقيعات وتبعثر المسؤولية.

وعليه، أين تكمن العلة؟ ومن أين يبدأ الاستطباب لتجاوز تلك المقاربات، أو إيجاد مقاربة تُجمل ما سبقها من إجراءات قانونية وإدارية وتربوية اجتماعية؟

العلّة تكمن تماماً في تلك المقاربة المنظومية الكلية للنظام السياسي ونقاط اتصاله مع الشأن العام وضمان عدم انزياحه إلى نطاقات ضيقة من الشأن الخاص. والمسألة المنظومية يطرحها ’علم السيبرناتيك‘ الذي يعالج المسائل التنظيمية وظيفياً ويربطها مع البنية، بحيث تنطوي كل بنية على وظيفة محددة متخصصة وظيفياً تتكامل مع البنى الأخرى مشكلةً منظومةً تتحرك في ظهرانيها المسألة العامة في ظل إدارة فعّالة للنظام العام.

تستند هذه المقاربة التنظيمية على مجموعة من المبادئ والأصول تهدف إلى إيجاد إدارة فعالة للشأن العام، ورسم الخرائط السلطوية وخطوط الاتصال وقنوات التصريف العملية لتحديث الإدارة، كي تظهر لدينا بنية قادرة على مواكبة ما يستجد من مهام تستطيع التفاعل معها؛ كإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وبعض تعييناتها الإجرائية كالحكومة الإلكترونيةمثلاً، والتي لاتستقيم معها المفاعيل الجانبية للفساد فضلاَ عن تجفيف مصادره. وهذه المبادئ تتلخص بـما يلي:

  • كلية القرارات العامة:أي أن تصدر القرارات عن حصر المشترك العام وتحديده بدقة في الجوانب المختلفة، فكلما زادت وتنوعت التشكيلات الاجتماعية الداخلة في عملية القرار كلما استبعدت الخصوصيات الفردية وتعادلت الآراء الحدية، وانصب الاهتمام نحو الأولويات العامة لهذه التشكيلات، مع مفاضلتها بصورة موضوعية تكفلها الضرورة.
  • تعدد الهيئات: أن يصدر القرار قدر ما أمكن من هيئات متعددة، تضطلع كل منها باختصاصات مختلفة عن الأخرى في شأن الأمر المعني المزمع أخذ القرار بصدده، وتعدد الاختصاصات وزاوية النظر التخصصي منه، وأن تكون كل هيئة مختلفة عن الأخرى من حيث التكوين والتشكيل حتى إسناد الصلاحيات؛ سواء كانت بالتعيين أو بالانتخاب وأن تختلف فيها مستويات التسلسل الهرمي والوظيفي ضماناً لاستكمال النواقص في صنع القرار من خلال تعدد السلطات.
  • الفصل بين الهيئات وتوازنها: بحيث تنتفي إمكانية أي من هذه الهيئات أن ينشئ الأخرى، أو أن يكون له أثر في تشكيلها. وألا يكون في قدرة هذه الهيئات نفيها أو حلها أو إلغاؤها، وإلا كانت تابعة لها، والتبعية هنا حتى إن خالف مرؤوسه مجرد سماح ومحض أريحية، والسماح والأريحية لا تبنى بهما المؤسسات.
  • تقييد النيابة العامة: إذ ما من قائم على شأن عام إلا ويكون ممثلاً عن غيره، حيث أنه يمثل جماعة عامة في التحليل النهائي، بغض النظر عن أسلوب اكتساب الصفة التمثيلية بالانتخاب أو بالتعيين، المهم أنه يأخذ صفة تمثيلية عن جماعة ما. ومبدأ التمثيل هذا يفقد شرعيته بتجاوز شروط النيابة، إذ لا نيابة إلا ومحدودة لا تقبل التجاوز ومقيدة لا تقبل الإطلاق فهي مشروطة لا تقبل الانفلات. وإلا غدت الممارسة عدواناً وسلباً للسلطة العامة.
  • مبدأ التداول: وهو العنصر الأساسي الذي تستقل به الوظيفة العامة عن سواها من الحيز الخاص، فالموقع العام أو المنصب العام هو المستقر والأكثر دواماً بينما شاغله، فهو طارئ عليه تنتهي صلاحيته بعد زمن معين. وبغير هذا التداول والتغيير يصير المنصب ملحقاً بشخص متوليه وتتشخصن الوظيفة العامة، مما يفقد المنصب العام شرعية أداءه للشأن العام.

إن الفساد يعطل النظام الساعي إلى النهوض بالعملية التنموية وينخر المفاصل المبرمجة على أساسها المؤسسات، فيحرفها عن مساراتها دون عملية تصويب وتقويم كان يجب أن تنطوي عليها الهياكل التنظيمية والمؤسسات نفسها. وتقدم لنا المقاربة التنظيمية رؤية أكثر شمولية ومدخلاً لإعادة البنيان الإداري الذي نعكف على تحقيقه في مؤسساتنا وهيئاتنا التي استعصت معها وصفات الخبراء الدوليين (المفتقدين إلى حس المكان).

في النهاية يضع لنا هذا النوع من المقاربات حداً لظاهرة الفساد، ويخضعه لعدسة المراجعة والتحكم بميكانيزماته،خصوصاً الفساد من العيار الثقيل. أما الفساد الصغير، لا يلبث أن يفقد مصادر تبريره،ليصبح حالات فردية وجزراً معزولة تجف مع مرور الوقت دون أن تؤثر في سيرورة النظام، لأن الفساد الكبير هو من يعطل نظاماَ كاملاً، قد تشيع في ثناياه مظاهر القهر والظلم والإثراء الفاحش، واحتكار الثروات وصبها في قنوات خاصة تفيد فئة متنفذة، معطلة بذلك أي سيرورة باتجاه التحديث.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR