الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والنيوميديا

دراسة بقلم حيان الضلع

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

يعتبر مصطلح الـ ’نيوميديا - الإعلام الجديد‘ واحداً من أكثر المصطلحات الجدلية اليوم، فقد تجده باسم ’الإعلام البديل‘ في بعض المراجع أو ’التفاعلي‘ في أماكن أخرى. ولكن أياً تكن التسمية فإن المقصود بها هو عملية نقل رسالة معينة ( نص- صوت- صورة) إلى جمهور واسع باستخدام مزيج مؤلف من الأجهزة الطرفية (الكمبيوتر- الهواتف الذكية- اللوحيات) وشبكة الإنترنت كوسيط، إضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي كبيئة عمل. ولا نبالغ إن قلنا أن هذا النوع من الإعلام تجاوز دوره الذي أنشئ من أجله أساساً ليبدأ بلعب دور فاعل في قضايا الصراع السياسي والثقافي والتاريخي، حيث بدأ بإزاحة الوسائل التقليدية (الفضائيات – الصحف – الإذاعات ..) ليتربع على عرش صناعة وقيادة الرأي العام العالمي. في هذه الدراسة المختصرة، سنعالج معاً كيفية استخدام العدو الإسرائيلي لهذا النوع من الإعلام، انطلاقاً من تحليل خطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن متى بدأ الكيان الإسرائيلي بمخاطبة العرب إعلامياً؟

مجلة دلتا نون – العدد الثاني – تشرين الثاني/نوفمبر 2014

الخطاب الإعلامي الاسرائيلي الموجه للعرب عبر الـ ’نيوميديا‘

أفيخاي أدرعي مثالاً

 

حيان الضلع

 

الخلاصة

يعتبر مصطلح الـ ’نيوميديا - الإعلام الجديد‘ واحداً من أكثر المصطلحات الجدلية اليوم، فقد تجده باسم ’الإعلام البديل‘ في بعض المراجع أو ’التفاعلي‘ في أماكن أخرى. ولكن أياً تكن التسمية فإن المقصود بها هو عملية نقل رسالة معينة ( نص- صوت- صورة) إلى جمهور واسع باستخدام مزيج مؤلف من الأجهزة الطرفية (الكمبيوتر- الهواتف الذكية- اللوحيات) وشبكة الإنترنت كوسيط، إضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي كبيئة عمل. ولا نبالغ إن قلنا أن هذا النوع من الإعلام تجاوز دوره الذي أنشئ من أجله أساساً ليبدأ بلعب دور فاعل في قضايا الصراع السياسي والثقافي والتاريخي، حيث بدأ بإزاحة الوسائل التقليدية (الفضائيات – الصحف – الإذاعات ..) ليتربع على عرش صناعة وقيادة الرأي العام العالمي. في هذه الدراسة المختصرة، سنعالج معاً كيفية استخدام العدو الإسرائيلي لهذا النوع من الإعلام، انطلاقاً من تحليل خطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن متى بدأ الكيان الإسرائيلي بمخاطبة العرب إعلامياً؟

 

مقدمة

تعود جذور الخطاب الإعلامي المباشر بين العرب وعدوهم الإسرائيلي إلى العام 2000 عندما أنشأت وزارة الخارجية الإسرائيلية دائرة خاصة للصحافة العربية، عينت على رأسها ناطقة إعلامية (يهودية من أصل مصري) هي أميرة سلطاني (أميرة أورون). تبعها في العام 2004 استحداث منصب الناطق باسم جيش الدفاع الإسرائيلي باللغة العربية، حيث فسّرت الخارجية حينها هذه الخطوة بأنها "الرغبة الإسرائيلية في التعاطي مع الإنسان العربي من دون وسطاء وبخطاب إسرائيلي مباشر". وكان أول من شغله الضابط برتبة رائد إيتان عروسي، ومن ثم تبعه الرائد أفيخاي أدرعي الذي ما زال يقوم بهذه المهمة حتى اليوم، فمن هو أدرعي؟

 

أفيخاي أدرعي Avichay Adraee

يرد لفظ اسمه بالعربية أحياناً أفيخاي أو أفيحاي، وهو بحسب موسوعة ويكيبيديا إسرائيلي الجنسية ينحدر من أصول يهودية سورية، من مواليد العام 1982، يتقن اللغة العربية بطلاقة. التحق بالجيش الإسرائيلي في العام 2001 وشغل مناصب مختلفة وصولاً إلى رتبة رائد، ليعين في العام 2005 كمتحدث بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي للإعلام العربي.

 

بالأرقام

يستخدم الجيش الإسرائيلي وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة بطريقة فعالة، حيث يبلغ عدد متابعي صفحة أدرعي على موقع فيسبوك أكثر من نصف مليون متابع، بينما لا يتخطى عدد متابعيه على موقع تويتر المئة ألف متابع.

وهي أرقام تتوافق إلى حد بعيد مع الدراسات التي تقول أن استخدام الموقع الأزرق فيسبوك في منطقة الشرق الأوسط يتفوق على باقي مواقع التواصل الأخرى، على عكس منطقة الخليج العربي. وكذلك تعتبر هذه الأرقام كبيرة مقارنة مع المزاج العربي العام الذي يدعو إلى المقاطعة وعدم التطبيع مع العدو الإسرائيلي، فيما لا تشير عملية بحث على موقعي جوجل بلس ويوتيوب إلى وجود صفحات رسمية للمتحدث.

 

المضمون النصي: الأسلوب واللغة

  1. محاباة الثقافة العربية:
  • استخدام أمثال وحكم وعبارات عربية متداولة على نحو واسع سواء في اللغة العربية الفصحى أو الدارجة، فعلى سبيل المثال تتكرر عبارة "ضربني وبكى، سبقني واشتكى" في بداية الكثير من منشورات جيش الدفاع التي عادة ما تكون مخصصة لتبرير عدوان أو استهداف معين.
    أو مثلاً يمكن أن نجد عبارة "حماس مسؤولة عن اختطاف الشبان الثلاثة، عيب عليها". كذلك عبارات التحية اللطيفة والأمنيات الطيبة من قبيل "أسبوعكم ورد".
  • التركيز على استخدام المناسبات و الأعياد المتعلقة بالتراث الإسلامي والعربي (الأعياد الدينية، شهر رمضان، ليلة القدر، إلخ) بشكل يخدم الهدف المتوخى من المنشور كأن يقول مثلاً "عشية عيد الفطر، تطلق حماس صورايخها الإرهابية باتجاه المستوطنات الإسرائيلية". وقد تجد الكثير من المنشورات موسومة بعبارة "جمعة مباركة للجميع"، وهي نابعة من عمق التاريخ الإسلامي الذي يعتبر يوم الجمعة يوماً مباركاً انطلاقاً من تسمية إحدى سور القرآن الكريم بهذا الاسم، ووروده في عدد من نصوص السنة النبوية.
  • يدرك العقل الإسرائيلي الاستخباراتي بشكل جيد أن المدخل إلى صناعة الرأي العام العربي هو الدين، ومن خلاله يمكن النفاذ إلى باقي عوالم شخصية الإنسان العربي و تحوير نظرتها ورؤيتها لقضية الصراع العربي-الإسرائيلي، لذلك يتقصد نشر أدعية إسلامية محكمة الصياغة منسوبة إلى ’أصدقاء‘ مسلمين للمتحدث باسم جيش الدفاع؛ فمثلاً ينشر أدرعي: "دعاء جمعة خاص من صديقي المسلم"، ويفتتحه بـ "اللهم إني أسألك في صلاتي" وصولاً إلى العبارة الختامية "يا أرحم الراحمين".

 

  1. لا يفوت أدرعي أن يقوم بتذكير جمهور متابعيه بإطلالاته الإعلامية قبيل القيام بها، لضمان أوسع شريحة من المشاهدة: "سيكون لي مقابلة على قناة الجزيرة بعد دقائق، تابعوني". ومن ثم يعمد المتحدث إلى نشر روابط لتسجيلات هذه المقابلات للتأكد من الوصول إلى من فاتته المتابعة.
  2. شرعنة ضرب الأهداف المدنية (المدارس، المقابر، المنازل، المشافي، المساجد، إلخ) من خلال التأكيد والتذكير مراراً  على استخدامها من قبل المقاومة الفلسطينية كمقار عمليات أو منصات لإطلاق الصواريخ أو مداخل ومخارج للأنفاق.
  3. استخدام الإحصاءات والأرقام المرتبطة بنتائج وأسباب الاعتداءات العسكرية والطلعات الجوية وتحديثها بشكل مستمر واستباقي، في محاولة إلى قطع الطريق على وسائل الإعلام العربية في إيصال الأرقام الحقيقية، وإيقاع المتلقي العربي في حالة من التشكيك الدائم بصدق معلوماته. مثلاً: "نفذ سلاح الجو في جيش الدفاع الإسرائيلي 15 طلعة جوية، أغار خلالها على 50 هدفاً تخريبياً داخل قطاع غزة". وتندرج هذه التقنية ضمن أكثر وسائل الإقناع نجاحاً وتأثيراً، حيث يحتفظ العقل البشري بالأرقام والنسب بطريقة لا واعية تؤثر على تشكيل قناعاته و بلورتها مع الزمن.
  4. من أكثر التكتيكات -التي يستخدمها أدرعي- ذكاءاً تلك المتعلقة بقلب الأدوار بين المرسل والمتلقي للرسالة الإعلامية، حيث يضع نفسه مكان المواطن الفلسطيني ويلجأ إلى تقديم إجابات وتساؤلات على مقاس الاحتلال الإسرائيلي، هدفها تشويه صورة المقاومة الفلسطينية لدى جمهورها و بيئتها الحاضنة، فعلى سبيل المثال يقول: "المواطن في غزة يتساءل اليوم، لماذا فرضت عليه حماس 3 معارك عسكرية خلال أقل من 3 سنوات ؟".
  5. المواظبة على توجيه رسائل مفادها التذكير بأن الشعب اليهودي هو شعب عريق ذو تاريخ و تقاليد وأعراف إنسانية، حيث تتكرر الإشارة إلى المناسبات التاريخية والعادات والأعياد اليهودية؛ مثل عيد الفصح وعيد الميمونة وعيد الحب العبري، مع التعريج على عبارات المعايدة التقليدية المستخدمة في الثقافة اليهودية من قبيل "تربحوا و تسعدوا".
  6. تلعب المصطلحات المستخدمة في الخطاب الإعلامي دوراً كبيراً في كسب المواقف أو تبديلها، فهي قوة مؤثرة في صلب العملية الإعلامية، وتزداد أهميتها في حالات الصراع وتضارب المصالح، بخاصة في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، حيث تتسابق أطراف النزاع إلى اختيار ونحت المصطلحات الإعلامية  وتسويقها. ومن هنا يتعامل الإعلام الإسرائيلي الناطق بالعربية مع هذه القضية بحساسية ودقة شديدتين، فعادةً ما توصف كوادر المقاومة الفلسطينية وفقا لـ أدرعي بصفات من قبيل "المخربون – الإرهابيون"، بينما يصر على تسمية المستوطنين بأنهم "مواطنو دولة إسرائيل" وذلك كنوع من الرد على أدبيات بعض الدول العربية التي ترفض الإشارة إلى الكيان الإسرائيلي بأنه دولة، حتى بعد مرور عقود على قيامه.
  7. مبدأ ’الحقيقة المبتورة‘: تبدأ جميع الاعتداءات والهجمات العسكرية وخروقات الهدن -وفقاً للخطاب الإعلامي الإسرائيلي- من قبل المقاومة الفلسطينية، ومن ثم يتوجب على ’جيش الدفاع‘ الرد أو صد العدوان تحت ذرائع "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" أو "حماية البيت الإسرائيلي".  هذه الطريقة بالتعاطي مع حقيقة الصراع العربي–الإسرائيلي بشكل مبتور، تشكل  الحامل الأساسي وصلب الخطاب الإعلامي الإسرائيلي اليوم، وكأن الكيان المحتل لم يقم يوماً على أرض فلسطينية، ولم يقتل، ولم يهجر، ولم يستوطن، ولم يعذب، ولم يستعبد، وكأن حركات المقاومة تنشأ من العدم دون فعل عدواني استوجب قيامها أساساً عبر التاريخ، هكذا هي وفقاً للإعلام الإسرائيلي ’حركات إرهابية‘ هدفها التخريب. إذاً ’الحقيقة المبتورة‘ هي اقتطاع وتغييب عامل التاريخ الاستعماري والنشأة الدموية للكيان الإسرائيلي لتبدو القضية بأنها آنية ومعاصرة على شكل (فعل عربي عدواني ورد فعل إسرائيلي مقاوم).
  8. تؤكد معظم النظريات المتعلقة بفن الإقناع والتأثير، وتلك المرتبطة بعلوم البرمجة اللغوية العصبية، على ضرورة استخدام التعابير ذات المعاني المحصورة والمحددة، والابتعاد عن المصطلحات ذات المعاني الفضفاضة، حيث يتلقى العقل الباطن هذه الكلمات بطريقة سريعة تؤثر فيه بشكل مباشر. يدرك أدرعي أهمية هذه القاعدة جيداً في التواصل حيث يعمد إلى نشر عبارات من قبيل "بحزم، بدقة، بدون تردد، بتصميم يواصل جيش الدفاع قيامه بمهامه".
  9. للتأكيد على ما يريد أدرعي إيصاله إلى المتابع العربي ووسمه بالمصداقية، يلجأ إلى نشر مقالات وتقارير وتغريدات واردة على لسان وسائل إعلام غير اسرائيلية أو صحفيين أجانب، كنشره لتقرير أوردته محطة هندية على النحو التالي: "شكراً لمحطة NDTV الهندية التي تمكنت من كشف الأسرار التي كنا نعلمها جميعًا (..) هكذا يتم التجهيز لإطلاق صاروخ على يد عناصر حماس من موقع يسكنه مدنيون"، أو مثلاً "مراسل إيطالي يغرد بكذا".

 

المضمون البصري والسمعي : الصورة والفيديو

يدرك جيش العدو الإسرائيلي جيداً مدى أهمية الصورة في عالم الميديا اليوم، ويستخدمها بحرفيةٍ عاليةٍ لإيصال رسائله بأسرع الطرق. ويدرك المتفحص للمواد الموجهة للعالم العربي سريعاً أن جهداً كبيراً مبنياً على أحدث نظريات علم النفس يبذل في هذا الإطار، ولا يقل عن ذلك الذي يوجه لصياغة النصوص والعبارات والشعارت اللفظية، وفيما يلي أبرز السمات المستخدمة:

  1. الإنفوغرافيك: إن أهم ما يميز الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الموجه للعرب من الناحية البصرية هو تماشيه مع آخر التطورات في هذا المجال، وعلى وجه التحديد استخدامه طريقة الخلاصات البصرية، أو ما يسمى بالرسوم المعلوماتيةinfo graphics  وهو مصطلح يطلق على فن تحويل البيانات والمعلومات والمفاهيم المعقدة إلى صور ورسوم يمكن فهمها واستيعابها بسهولة ووضوح وتشويق. في الواقع، إن استخدام هذا الأسلوب يشير إلى وجود فريق تقني متخصص يساند أدرعي في عمله، حيث يتم اختيار معلومات حساسة تشكل نبض الحدث وحديث الإعلام المقاوم ليتم تحويلها إلى رسوم بسيطة بهدف دحض الاتهامات عن الجيش و الحكومة الإسرائيلية. حيث نجد مثلاً رسوما تحصي عدد الصواريخ التي تدعي إسرائيل قيام المقاومة الفلسطينية بإطلاقها من مراكز مدنية في فترة زمنية معينة (50 صاروخاً من المستشفيات، 260 من المدارس، 160 من المساجد، إلخ) أو مثلاً إحصاءات بصرية لمساعدات إنسانية تدعي إسرائيل القيام بتسهيل دخولها إلى قطاع غزة المحاصر (1000 طن من المواد الطبية، 37 ألف طن من المواد الغذائية، إلخ)، كي يسهل على من يراها استيعابها دون الحاجة إلى قراءة الكثير من النصوص. ويعتبر الإنفوغرافيك أحد الوسائل الهامة والفعالة هذه الأيام وأكثرها جاذبية لعرض المعلومات خصوصاً عبر الشبكات الاجتماعية.
  2. الصورة الذهنية لـ "الجيش الذي لا يقهر": يدأب أدرعي على استغلال كل الإمكانات التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي ومنها (الصورة والفيديو) للتأكيد على خلق صورة ذهنية لدى المتلقي العربي حول جيش العدو الإسرائيلي "الذي لا يقهر"، ومن ذلك نشره لصور تتميز بجودة ودقة عالية وبألوان مميزة لأسلحة متنوعة يستخدمها في عملياته العسكرية، كذلك لمقاطع فيديو لبعض هذه العمليات من مواقع يمكن القول أنه من المستحيل لكاميرات وسائل الإعلام الوصول إليها، كتسجيل لغارة جوية معينة من كاميرا مثبتة على إحدى الطائرات الحربية المشاركة فيها، أو لعملية مداهمة ليلية موثقة بكاميرا قادرة على التصوير في الظلام، أو حتى لتدريبات عسكرية معينة. كذلك نجد صوراً لعناصر جيش الدفاع بهندامهم وعتادهم الكامل، مرفقة بعبارات من قبيل "على أهبة الاستعداد للدفاع عن البيت الإسرائيلي".
  3. صورة "المقاومة الضعيفة": لا يضيع المتحدث باسم جيش العدو فرصة استخدام هذه الميزات البصرية، للقول بأن المقاومة الفلسطينية "ضعيفة وغير قادرة على المواجهة"، من خلال نشر صور للأنفاق المهدمة أو الأسلحة المستولى عليها ، وفيديوهات لمقار تم تدميرها عقب الغارات الجوية.
  4. الخرائط: لا أحد يمكنه التكهن بمدى صحة الخرائط التي يتم نشرها على صفحات أدرعي الاجتماعية، ولكنها تعكس عملاً استخباراتياً دقيقاً، يوحي بعلم اسرائيل لكل ما يدور في قطاع غزة من عمل مقاوم. حيث تُظهر هذه الخرائط مواقع منصات إطلاق الصواريخ ومنازل قادة المقاومة والمخابئ والقواعد القتالية. وتريد إسرائيل من خلال نشرها لهذه لخرائط إضعاف عزيمة المقاومين وحثهم على تغيير تكتيكاتهم العسكرية بغية إرباكهم في المعركة.
  5. التكبير والتظليل: من بين مئات المنشورات التي يراها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي خلال دقائق على صفحاتهم، يعرف جيش الدفاع كيف يلفت انتباههم إلى منشوراته باللجوء إلى صور تحوي نصوصاً قصيرة بخط واضح مع تكبير حجم الكلمات التي يعتقد أنها الأكثر أهمية وجذباً للقارئ العربي المستهدف. كذلك نجد استخداماً لميزة التظليل (باللون الأحمر عادة) لهذه الكلمات، وهي طريقة ترجع أصولها إلى علم الإعلان والتسويق حيث يدرس المصممون الغرافيكيون هذه التقنية البسيطة لخلق إعلانات فعالة تترك أثراً في ذهن المتلقي.

 

كيف يتفاعل العرب؟

يعاني الخطاب الإعلامي العربي من قصور في الرؤية، بشكل عام، و من تصلبٍ في التكتيك فيما يخص قضية الصراع العربي-الإسرائيلي بشكل خاص. ويمكن تقسيم هذا الخطاب تبعا لنوع الوسائل الإعلامية إلى قسمين:

  1. الوسائل التقليدية: فيما خلا استثناءات قليلة جداً، ما يزال يدور في فلك السياسات التقليدية الرامية إلى (تشويه صورة العدو و تشكيل رأي عام  عربي معادي)، وهي أهداف ينبغي أن يكون العرب قد حققوها في خطابهم منذ زمن بعيد، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العمر الزمني للقضية الفلسطينية. إضافةً إلى ذلك، فإن هذا الخطاب متأثر بشكل مباشر بالأنظمة الحاكمة في هذا البلد أو ذاك، حيث تجده مثلاً: خشبياً في سوريا، وموارباً في دول الخليج العربي، ووصولياً في لبنان.
  2. الإعلام الجديد: على الرغم من أن هذا النوع يعطي إمكانية أكبر للمبادرات، بعيداً عن القيود السياسية في البلدان أو حتى القيود المتعلقة بالحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي، فإن التعاطي العربي مع الخطاب الإسرائيلي ما يزال في إطار رد الفعل وليس الفعل، وبطرق يمكن وصفها بالفردية والعشوائية، فلا يوجد مثلاً منصات تخاطب المواطن العبري بلغته. وبالعودة إلى رصد التفاعل العربي مع منشورات جيش الدفاع عبر وسائل هذا النوع من الإعلام، يمكننا القول أنه لا توجد إحصائية ديموغرافية دقيقة لتوزع المتابعين على مواقع التواصل من ناحية الجغرافيا أو الجنسية، حيث تبقى هكذا أرقام في حوزة  مدير الصفحة حصراً، وهي ميزة يوفرها مثلا موقع الـ فيسبوك لأصحاب الصفحات حيث يزودهم بتحليلات وبيانات عن متابعيهم من ناحية الجنس والعمر والتوزع المكاني وغيرها. إلا أن أدرعي يفاخر بتزايد أعداد متابعيه العرب ويصر في إطلالاته الإعلامية أن هذا "دليل مصداقية"، وعلى المقلب الآخر تظهر دعوات عربية بين الحين والآخر لإلغاء الإعجاب أو المتابعة، بهدف سحب البساط من تحت أقدام العدو و عدم فتح نافذة له للوصول إلى العقل العربي.

اللافت، أننا لا نجد صفحات اجتماعية مناهضة ذات وزن تعمل على كشف زيف ادعاءات جيش الدفاع عبر وسائل التواصل، على غرار تلك التي ظهرت إبان الحرب السورية، والتي استخدمتها أطراف النزاع للقول بأنّ الطرف الآخر مضلل، و إنما يتركز تجاوب مستخدمي هذه المواقع على شكل:

  • شتائم للعدو الإسرائيلي (وتشكل النسبة العظمى من التفاعل)
  • تعليقات تكذّب المنشورات
  • دعوات إلى المقاطعة وعدم التطبيع
  • بعض الروابط لتسجيلات تعود لعمليات عسكرية تقوم بها المقاومة الفلسطينية
  • مشاركة لبعض المنشورات مرفقة بتوجيه الاتهام والمسؤولية للعدو الإسرائيلي عن النتائج الكارثية التي يسببها عدوانه المتكرر

أيّاً يكن نوع التفاعل مع هذه الصفحات، فإنها تساهم بشكل مباشر بزيادة عدد المتابعين من خلال رفع تقييمها من قبل الشركات المشغلة لهذه المواقع، إضافة إلى زيادة عدد مرات الظهور وبالتالي مساعدة العدو في الوصول إلى الهدف الذي أنشأها من أجله.

نهايةً يشير كل ما سبق إلى أن مسافاتٍ بعيدة ما تزال تفصل العرب عن اللحاق بالإعلام الإسرائيلي المخاتل الذي انتقل –متكئاً على وسائل الـ نيوميديا- من مرحلة تكوين الرأي العام الإسرائيلي إلى اختراق الرأي العام العربي في عمقه.

 




تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR