تقاطع نيران

مراجعة كتاب بقلم محمد حجو

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

بالشخصنة حيناً والموضوعية أحياناً أخرى، تمسك سمر يزبك بأطراف خيوط باكورة الثورة السورية لتنسج منها بحرفية ثوباً مرقعاً يلبسه القارئ بتمهل عاشقٍ يلثم جسد حبيبته. تمثل كل رقعةٍ فيه مدينةً تذوقت منذ أمدٍ بعيد شهد الحرية الغالي ثمنه والصعب مناله؛ تبدأه من دمشق وشوارعها التي غزاها مجرمون يدعون حب الوطن، إلى درعا وأطفالها وعشائرها، فبانياس والتوتر الطائفي الذي يسكنها. ومن جسر الشغور ومقابرها الجماعية إلى جبلة والقامشلي وحمص. ولا ينساب من بين يديها النقد اللاذع لكل المقصرين والمجرمين فترميهم بسهام غضبها تارةً، وبجمرات خيبة أملها تاراتٍ أخرى، فلا يسلم من تقريعها لا النظام ولا المتواطئون معه أو المتخاذلون في مجابهته. 

مقدمة

تسعى مراجعة كتاب ’تقاطع نيران‘ الحالية إلى تقديم نقد تقريري للمعلومات المعروضة بقلم سمر يزبك، و لن تتوجه –إلا في بعض المواطن التي تنوه إلى جماليات اللغة المستخدمة– إلى سبر بنية النص الأدبية، وذلك كون العمل مما يصعب تصنيفه؛ فهو قد يندرج تحت بند المذكرات الشخصية، لكنه يتسم بتقريرية عرضه لشهادات الأشخاص الذين عاينوا الشارع السوري إبان اندلاع الثورة و أثناءها.

عندما يقوم القارئ بزيارة هذا العمل الفني والشخصي في آنٍ معاً فإن عبارةً توضيحية تقوم مقام موظفة الاستقبال لتزيل لبس الاسم عن الذين يجهلونه: "تقاطع نيران هو الموقع الذي يكون فيه شخص أو مجموعة قتالية أو سياسية في مرمى نيران متعددة، من العدو ومن الصديق". هذه الجملة تتوضح للقارئ أكثر حين يتخذ القرار بالغوص في صفحات هذا العمل المملوء ألماً وأملاً، فراوية حكاياته تقبع في تقاطع نيرانٍ معنويٍ ومادي.

العمل عبارة عن شهادات عيانية لبدايات الثورة (الشهور الأربعة الأولى) منضدة بأسلوب روائي متميز وهواجس امرأة سورية مزقها وما يزال حزنها على بلدها الجريح. بهذه الكلمات يمكننا أن نلخص تجاوزاً بالطبع هذا العمل. يمكننا تصنيف هذا العمل بالـ ’سودوروائي‘ أو شبه الروائي، فهو يقترب من المذكرات لكنه يحمل بين طيات هذه المذكرات أبعاداً لأناسٍ وفضاءات أخرى تعطيه الثقة ليثب إلى عالم الرواية بثقة نفسٍ وعزم. سمر يزبك بعملها هذا تقترب من كتابات إيزابيل الليندي التي لطالما أقحمت حياتها الشخصية في أعمالها الأدبية.

 

انتماءٌ ثوري

سمر يزبك، صاحبة الروايات المثيرة للجدل سياسياً واجتماعياً، تقتحم بشجاعة منقطعة النظير مشاهد الثورة السورية وتؤرخ لها -رغم نفيها لذلك- لا بأسلوب جاف وأكاديمي، بل بروح التعاطف التي تشع من كلماتها.

ينقسم العمل إلى فقرات معنونة تاريخياً، اليوم الفلاني من الشهر الفلاني في السنة الفلانية، تفصل بينها مسافات زمنية متباعدة أو متقاربة هذا الشيء يتفهمه القارئ إذ أنه لا يتاح للكاتبة أن تنزل إلى الشارع أو تستمع إلى شهادات الناشطين متى أرادت، وحتى اﻷخبار عل شبكة الانترنت يعترضها انقطاعه المستمر.

تأخذنا الكاتبة في جولة سندبادية دمشقية، متوقفة عند مناطق التوتر والتظاهر وساردة بأسلوب سلس لا يخلو من المغالطات ما تراه، وهي محاولة منها كما أشارت هي للخروج من تصنيف الشيطان اﻷخرس الذي يرى الظلم واقعاً على أبناء شعبه فلا يحرك ساكناً.

أسلوب الكاتبة المميز يحول أخباراً سمعناها ونسمعها يومياً إلى حدث جديد يثير مشاعرنا ويحضنا على التعاطف مع ما يجري بإنسانية، تفوق بكثير تلك المشاعر التي انتابتنا إثر مشاهداتنا للقنوات اﻹخبارية والتي تنقل المشهد ببرودة كأنها تصور مؤتمراً صحفياً ﻷحد السياسيين. فمن ذلك قولها واصفة حال أهالي درعا بعد الحصار اﻷول للمدينة بين نيسان وأيار من العام اﻷول للثورة: "اﻷخبار عنهم غامضة، لكن رائحة الموت واضحة".

تلخص الكاتبة مأساة السوريين في الحرب الدائرة بالقول: "أنا والقتلة من مدينة واحدة في دمي يجري بعض من دمهم". هذه الجملة تستخدمها الكاتبة للإشارة إلى أنها والقتلة إما ينحدرون من  مدينة واحدة، كحالها وعاطف نجيب، أو للإشارة العامة لارتباطها بعائلة الأسد وبرأس النظام في كونهم ينتمون للطائفة العلوية. هذا التلخيص يمكن للقارئ إسقاطه على حياة السوريين الآن فهم إن حملوا السلاح حملوه ضد إخوتهم، وإن ماتوا فبرصاصهم أو بقذائف أطلقتها ضغطة زناد قد تكون لأبنائهم.

سمر يزبك تقطع شعرة معاوية مع النظام ومع بشار الأسد وتتهمه بتوظيف الطائفية للمحافظة على السلطة. بشار اﻷسد يذكر باسمه الصريح هو ونظامه والاتهام لهم واضح تماماً بالتوغل في الدماء السورية. هذه النقطة تفوقت فيها الكاتبة سمر على نظرائها ممن حاولوا التأريخ لبدايات الثورة من خلال روايات ومقالات، والذين اكتفوا بإشارات غالباً ما تكون مبهمة لشخص بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب بل وحتى رفعت الأسد، ناسجين بفعلهم هذا شبكة أمان تلتقطهم في حال بقي الأسد، ومرسخين في الوقت ذاته قدماً شاحبة تمنعهم من السقوط أخلاقياً إن انتصرت الثورة. تحدد سمر موقفها ممن اختاروا الصمت من المثقفين إزاء نهر الدم الجاري، فتصفهم بالشركاء في القتل.

في الكتاب يستشف القارئ بنعومة هاجساً كبيراً لدى يزبك في تفنيد روايات النظام البعثي التي جاهد ليجعلها مقنعة فخرجت كما هو؛ مليئة بالزيف وسخيفة. وهي توظف لهذا الغرض مناقشاتها مع شهود العيان إن صح التعبير، وتحاول إقناع من صدّق ادعاءات النظام بعكس ذلك. من أجل ذلك تسبر الكاتبة، بخبرة من يعلم دهاليز اﻹعلام السوري، غور السياسات اﻹعلامية التي اتبعها النظام لمجابه الثورة والاحتجاجات، متسلحةً بشهادات إعلاميين مغلوب على أمرهم، وخلاصتها قول المذيعة مجهولة الاسم ليزبك: "نحن موظفون فقط، نتقاضى أجوراً، ولسنا إعلاميين".

تتبدى سمر يزبك من خلال الكتاب مدافعة شرسة عن حرية التعبير، وعن حقها هي أولاً في أن تعرف مجريات ما يحدث من حولها، خاصة وأن سياسة التعتيم التي انتهجها إعلام النظام عند بدء الثورة جاءت بنتائج عكسية ووخيمة عليه، إذ أن أغلب الناس كانوا سيكتفون لو علموا ما يحدث بهز الرأس أو الخوف أو حتى تصديق روايات من النظام يعلمون في صميمهم أنها أساطير فرعونية لم يتم تحنيطها جيداً. سياسة التعتيم هذه دفعت بالكثير من الناس إلى محاولة استقصاء ما يحدث من حولهم في ظل غياب أي توضيح رسمي. هذا الاستقصاء كشف للسواد اﻷعظم منهم أن الذين يتم وصفهم بالعصابات هم في الحقيقة متظاهرون سلميون. وهكذا وكما يحدث مع من ضاق أفقهم السياسي، فقد انقلب سحر النظام عليه وتم تصعيد مطالب المتظاهرين. هذه النقطة جلية جداً في كلمات يزبك التي تحض بشكل مباشر كل من لديه شك في كذب النظام أن ينزل إلى الشارع ويرى بعينيه لا بأعين الفضائيات حقيقة ما يجري على اﻷرض.

تتساءل الكاتبة: "هل كانت أربعون سنة كافية لخلق هذه اﻷجيال الخائفة القاتلة؟" وهي تجيب في جل روايتها عن هذا التساؤل ببلى؛ بلى التي تنطقها كلماتها تأتي مدوية وقوية.

سمر يزبك التي عودت قراءها على شجاعة وصفها لحال سوريا قبل اﻷزمة، لم يتراجع بعد اﻷزمة زخم سبرها ﻷغوار النظام السوري العفن والذي تُحَمِّلُه سمر أكبر الوزر في تشويه المجتمع السوري وتحويله للطائفة العلوية -التي تنتمي إليها الكاتبة- لطائفة يعشش فيها خوف دائم من الطوائف اﻷخرى وباﻷخص السنة، وذلك حتى يخلق نظام الحكم السوري تكتلاً طائفياً يدعمه ويضحي من أجله.

سمر أيضا تنفي صفة الإخلاص للطائفة عن النظام؛ فالعلويون في معظمهم فقراء، إلا من انخرط في نظام الحكم وسوّلت له نفسه سرقة شعبه، وهو في ذلك لا يختلف عن مجرمي وسارقي البلاد من أبناء الطوائف اﻷخرى. كما أن عقاب العلوي الخارج عن طاعة حزب البعث اﻷسدي هو أكبر بكثير مما يتلقاه المنتمون إلى غير طوائف.

كلمات سمر يزبك تقطر بالكره نحو فئة الشبيحة، فهي دائماً ما تتحدث عنهم بكلمات من وصل به النفور منهم حد القرف. هم ليسوا بأمن ولا جيش، شبان مستهترون مفتولو العضلات يحسبون أن حملهم للسلاح وانتماءهم يخولانهم فعل ما يجول في رأسهم. وهم محقون في ذلك إذ أنهم، وكما تصورهم الكاتبة، لا يمكن المساس بهم من قبل الجيش على الحواجز، حيث يتسللون إلى أماكن التظاهرات السلمية ويقمعونها بلا شفقة أو رحمة؛ فيقتلون ويعطبون من أمامهم وكأنهم هم البشر والمتظاهرون ذباب.

تنفي يزبك إمكانية حدوث حوار بين المتظاهرين والأمن والجيش والنظام "ترى ما هو الحوار الذي يمكن افتراضه بين فوهة مدفع وبيت أعزل؟ لنجر حواراً: لا حوار"، هذه الكلمات تعتبرها يزبك من المسلّمات التي لا تحتاج إلى شرحٍ أو تفصيل.

كما توضح يزبك توظيف الطائفية من قبل النظام من أجل جذب أبناء الطائفة إليه، مع أنه هو الذي كان يقتل العلويين ويتهم السنة بقتلهم ليؤجج اﻷحقاد الدفينة ويصور للعلويين جحيمية الحياة دون نظام بشار اﻷسد. اﻷمر ذاته فعله النظام مع الجيش، فأمر قناصته ورجال أمنه بتصفية العديد من المجندين واتهام المتظاهرين بذلك.

الاستنكار والتعجب من أفعال النظام حاضران دائماً في كلمات يزبك: "هل سيهجِّر الشعب كله؟!" "من يفعل هذا بشعبه؟!"  "هل يعقل أن يفعل نظام كل هذا بشعبه؟!" "كيف يقوم الرئيس بإصدار قرارات الموت؟!" إلخ.

بين الإحباط والحيرة

العمل مليء بكم هائل من اﻷسئلة التي يندرج معظمها تحت خانة غير القابل للإجابة، وهي بذلك تجسد حيرة المواطن العادي الذي لا ينتمي إلى أي من أطراف الصراع والغارق في مستنقع الدهشة الذي يزداد قذارة مع كل يوم ينقضي وكل روح تزهق.

يتضح جلياً، بين السطور تارةً، وبشكل مباشر تارات أخرى، حجم التذبذب الذي يعيشه الناشط السياسي في ظل الثورة السورية. فهو/هي ممزقون بين ما يرونه واجبهم في نقل حقيقة ما يحدث على أرض الواقع، وبين عوائلهم التي لن يتوانى النظام عن التنكيل والتشهير بها حتى ولو قرر الناشط الرحيل عن البلاد بمفرده/ها.

تبكي يزبك بحرقة وحيدةً في غرفتها إزاء دموع وصراخ ابنتها الخائفة عليها من الموت، ويغزوها التشوش والارتباك حيال خطوتها اللاحقة؛ هل تكمل مشوارها في البحث عن الحقيقة ونقلها، مخاطرةً بحياتها وحياة ابنتها وعائلتها؟ أم تركن إلى الخوف خائنة لضميرها ككاتبة ومثقفة؟

شعور طفيف باﻹحباط قد يتسلل إلى روح القارئ أثناء مطالعته للصفحات الخمسين اﻷولى، وذلك ﻷن الصورة التي ترسمها يزبك عن الثورة وبداياتها بريشة كلماتها المبدعة هي صورة مثالية للغاية لا أظن أنها تنطبق على أية ثورة أو أي شعب في العالم، وفيها إغفالٌ لكثير من التجاوزات التي كانت تحدث في ذلك الوقت من المتظاهرين. هذه الصورة قد تصب في خانة التمجيد والقداسة التي لا ترضى بإبداء العيوب أو الحديث عنها، ونحن كسوريين يقع على عاتقنا محاولة التخلص منه، إذ أنه من مخلفات اﻷنظمة الشمولية.

 

سمر يزبك في قلب تقاطع نيران

تمتزج الروائية بالصحفية في كتاب يزبك هذا والذي يعد خليطاً متجانساً من طرفي شخصيتها المميزة. كما يحدث وأن تقوم الروائية بالشرود في سردٍ إبداعي لما يحدث، ومن ثم تعيدها الشخصية الصحفية إلى المهنية والموضوعية. هذا الانتقال الذي أخرجته يزبك سلساً على الرغم من صعوبته ساهم في صبغ العمل بحيوية تشد القارئ وتخفف من جفاف المادة الصحفية التوثيقية، وقد لخصت ذلك بقولها: "أنا أكثر رواية حقيقية يمكن أن أكتبها في يوم من اﻷيام".

يتخلل العمل ذكريات منثورة للكاتبة تصور طفولتها التي تتبدى لنا قاسية من خلال كلماتها؛ فعائلتها لم تغفر لها تحررها المبكر وهربها من منزل أهلها، أما موقفها من الثورة السورية فقد أحال الطين إلى وحول سائلة. الذي لا يعرف سيرة حياة يزبك سيصدم عندما يعرف بقرابتها لأسامة بن لادن! فنجوى غانم قريبتها هي الزوجة الأولى لأسامة بن لادن. كما سيصطدم أكثر عندما تخبره يزبك بأنه كانت ﻷسامة فيلا تجاور فيلا فواز اﻷسد. وهكذا أضفى إسقاط ما يحدث في سوريا على حياة الكاتبة الشخصية في بعض الأحيان حميمية على العمل يقربه من قلب القارئ.

 

سمر يزبك تروّج الثورة في الغرب وتنفي عنها الصبغة الإسلامية

يبدو الكتاب وكأنه موجهٌ للغرب، إذ يغلب عليه الخطاب التسويقي للمآسي. حيث تحاول الكاتبة جهدها إظهار الحراك على أنه غير إسلامي، وهذا أمر خاطئ للغاية، فسواء كنا علمانيين أو أصحب فكر إسلامي، متدينين أو ملحدين، فلا بد لنا من أن نكون على اﻷقل منصفين. المتظاهرون في أغلبهم كانوا من الطائفة السنية، وكانوا متدينين، وإلا فكيف نفسر الشعارات المرفوعة؟ "يا الله مالنا غيرك يا الله، الله سوريا حرية وبس، قائدنا للأبد سيدنا محمد، لبيك لبيك لبيك يا الله، عالجنة رايحين شهداء بالملايين، هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه، تكبير، هييي ويالله وما منركع إلا لله، إلخ"، كما أن أغلب الناشطين في التلفاز أو الذين يبثون مقاطع اليوتيوب يغلب على كلامهم الطابع الديني، بل ويمكن اعتبارهم أصحاب فكر ديني بامتياز. أنا لا أنفي أبداً حراك العلمانيين ولا الناشطين من الطوائف اﻷخرى، لكننا لا نستطيع تغليب القليل على الكثير.

قمة الموقف الحاد من إسلاميي الثورة تظهر مركزةً في جملة واحدة تعبر عن دواخل سمر يزبك، حيث تقول: "تصلني معلومات بأن اﻹسلاميين يشتغلون على اﻷرض، وأن قوتهم المالية هائلة، لكن ذلك لا يعني شيئاً".

اﻹسلام عقدة حسب أحد الناشطين اليساريين العلمانيين ممن حاورتهم يزبك. وحسب هذا الناشط فقد اضطروا إلى استخدام المساجد حتى يتمكنوا من التجمع والخروج في المظاهرات. الكاتبة كعادتها في هذا العمل تسعى إلى إيصال فكرة للغرب بأن العلمانيين هم أصحاب الثورة وليس اﻹسلاميون. طبعاً وكما أشرتُ سابقاً فهذا الكلام لا يمت للواقع بصلة، فالشعارات كانت واضحة.

تشوب كلمات سمر بعض السخرية من المظاهر الدينية، وخاصة النقاب، فتذكر وصف الحجاب بالخيشة والذي استخدمه سعد الله الجابري –حسب كلمات سمر دون ذكر المصدر– رئيس الوزراء في عام 1944 لوصف الحجاب بعد حادثة ’نقطة الحليب‘ التي اعترض على إثرها أعضاء ما كان يعرف بالجمعية الغراء على اجتماع نساء سافرات مع أخريات محجبات ليشاركن بفعاليات غير مقبولة من هذه الجمعية. لكن تكرار ذكر أن النساء جميعهن محجبات ينطوي على أمرين في رأيي:

  • إن سمر يزبك تحاول أن تؤكد للعالم العربي والغربي على حد سواء بأن معظم الذين خرجوا سلميين أغلبهم من الطائفة السنية وأنهم متدينون، فمعظم نسائهن يتشحن بالسواد ويتنقبن، اﻷمر الذي يدحض أقولاً كثيرة زعمت أن اﻹسلاميين تطفلوا على الثورة السلمية ليحولوها إلى صدام مسلح.
  • تريد الكاتبة أن تمهد إلى ظهور المتشددين المسلحين بالقول بأن أولئك قد وجدوا في المتظاهرين السلميين المتدينين حاضنةً شعبيةً بنوا أسسهم على أكتافها، مستثمرين تعاطف المتظاهرين المتدينين البسطاء فكرياً مع فكرة الخلافة اﻹسلامية وحكم الدين.

وتظهر الفرقة بين المتظاهرين جليةً وواضحةً في نقل الكاتبة لوقائع المظاهرتين المتتاليتين النسائيتين في دمشق بساحة عرنوس؛ ففي اليوم اﻷول تظاهرت النساء المحجبات، ثم في اليوم الذي يليه خرجت مظاهرة مكونة من ستين امرأة تقريباً ممن وصفتهم الكاتبة بالحاسرات والعلمانيات، وانضمت إليهن الكاتبة. هذه السطور تولد في نفس القارئ تساؤلين: اﻷول، لماذا خرجت النساء على دفعتين، واحدة محجبة والأخرى سافرة؟ أما كان اﻷجدى واﻷجدر أن يخرجن مجتمعات فيكثر عددهن ويعطين صورة راقية عن تلاحم الشعب السوري بمكوناته الغنية التعددية؟ هذا السؤال سهل اﻹجابة في رأيي؛ فالتنسيق هو الفيصل هنا، وللأسف فإن تنسيقيات بداية التظاهرات لم تكن موحدة. إضافة إلى ذلك فعامل التخوف من اﻵخر لعب دوراً أساسياً؛ فغالبية المتدينين كانت لديهم شكوك عظيمة في إخلاص العلمانيين، متصورين أن الأخيرين هم على علاقة وثيقة بالنظام. وعلى الطرف اﻵخر يظن معظم العلمانيين بأن المتدينين منتمون بطبيعة الحال إلى فرق دينية كاﻹخوان المسلمين وغيرهم، وهم لا يريدون أن يتم نسبهم إلى هكذا فرق. أما التساؤل الثاني، فهو لماذا خرجت الكاتبة مع السافرات ولم تخرج مع المتدينات؟ وهنا لا يمكننا أن نجزم؛ فالكاتبة تتابع كثيراً من التنسيقيات، وتنخرط مع الناس وتنقل مظاهرات المتدينين وغيرهم. وقد يعود السبب إلى عدم علم الكاتبة بالمظاهرة اﻷولى، أو لكونها وكما أشرنا سابقاً لا تريد أن يتم احتسابها على جماعات متدينة، أو لموقفها الرافض والمعلن من الدين ككل. هذا الموقف ليس بجديد على كتابات يزبك التي لطالما صورت في كتاباتها تأففاً من تحكم الدين بحياة المواطن السوري، خاصة النساء على حد وصفها.

لكن رغم انتقادها للدين، إلا أن سمر يزبك تتسم بالحيادية والموضوعية في نقل ما يصلها من الناشطين الموثوقين، فهي لم تتوان عن ذكر طل الملوحي ومطالبة أهالي بانياس لإطلاق سراحها. طل الملوحي التي كانت من أوائل من كتبوا ضد النظام في المدونات، وهي من بين الذين ساهموا في إشعال فتيل الثورة السورية، وقد تعرضت للسجن وتشويه السمعة. كثير من المثقفين والكتاب والمنظرين في الثورة السورية تجاهلوا طل وإسهاماتها العظيمة، وخاصة الذين انتموا سابقا إلى الحزب الشيوعي، ومن أبرزهم ياسين الحاج صالح. ففي مقال له في جريدة الحياة تحت عنوان: ’أبطال واضحون في أسطورة‘، أغفل الحاج صالح ذكر طل الملوحي تماماً بينما بالغ في التغزل بإنجاز زوجته سميرة خليل ورزان زيتونة وغيرهم. كثير من المراقبين يرجع هذا التجاهل المتعمد إلى كون طل الملوحي محجبة ومحافظة دينياً، اﻷمر الذي لا ينطبق على من مجدهم ياسين الحاج صالح.

سمر يزبك تعالت عن الطائفية ورفض اﻵخر لمجرد أنه يختلف عنا، وهي نقطة ذهبية تحسب لهذه الكاتبة الفذة. وقد ظهر ذلك جلياً في تركيزها على ضرورة الحفاظ على إنسانيتنا في ظل الحرب الدائرة؛ فالتعاطف اﻹنساني حسب يزبك لا يجب أن يقف في طريقه موقف سياسي ولا انتماء طائفي ولا حتى فكر ثقافي. يأتي تركيزها هذا موسوماً بدهشة عارمة من موقف النظام والتابعين له، ممن رفضوا حتى التعاطف مع أسر الشهداء واعتبروه خيانة عظمى تستوجب العقاب. اﻷمر ذاته انتشر بعد مدة بين صفوف المعارضين وأصبح التعاطف اﻹنساني مع قاعدة النظام ورفض العنف يستوجبان السخط ويشيران إلى عمالة المتعاطف والشك باحتمال كونه جاسوساً للنظام.

 

تحولات واعتراف ببعض أخطاء الثورة

تقارن الكاتبة بين الشباب المتحمس لمساعدة المتظاهرين والمليء بالحيوية والنشاط، وبين شخصيات المعارضة التي يغزوها التلكؤ والخمول وتستبد بأوصالها البيروقراطية. فهناك حالةٌ من تعدد الشخصيات أو النفاق تعيشها شخوص المعارضة التي تروي الشهادات، فمن ناحية يقولون أنهم علمانيون لا انتماءات دينية لهم، بل حتى في بعض الحالات ملحدون، ثم تراهم يهتفون مع المتظاهرين: الله سوريا حرية وبس. هنالك اعتراف بأخطاء قام بها الناشطون وهو أمر إيجابي إذ أن من ضمن أهداف انتفاضة وثورة الشعب السوري كسر أسطورة اﻷلوهية التي نسجها النظام حول عائلة اﻷسد وحزب البعث. كما تشير الكاتبة إلى ازدواجية معايير الغرب تجاه الوضع في سوريا وذلك لقربها من إسرائيل، فالأمريكيون والناتو لم يهرعوا لـ ’إنقاذ الناس‘  كما ادعوا أنهم فعلوا في ليبيا، كما لم يتدخلوا سياسياً بالزخم ذاته الذي أظهروه تجاه ثورة مصر.

 

في النص بعض اﻷخطاء لا بد من التنويه إليها

 قول الكاتبة أنه "في أحد الأيام خرجت دمشق كلها للتظاهر"، وهذا اﻷمر خاطئ للغاية، فحتى حمص ’عاصمة الثورة‘، ودرعا ’مهد الثورة‘، لم تخرج كلها ضد النظام، وقد كان اﻷجدر بالكاتبة أن تبتعد عن التعميم. قد تكون استخدمت هذه الكلمة "كلها" للتعبير عن كبر حجم المظاهرات، ولكن في اﻷمر مبالغة شديدة لا داعي لها في رأي كاتب هذه السطور. كما أن حلب تأخرت في الخروج بمظاهرات والذين بدؤوا يخرجون لم يكن عددهم يتجاوز العشرات في مدينةٍ يسكنها قرابة الخمسة ملايين إنسان، كما أنها أوحت –عن قصد أو غير قصد– بأن مظاهرات حلب سبقت تظاهرات حماة وهذا خاطئ للغاية.

في النص تكرار لبعض الجمل وللكثير من اﻷحداث المتشابهة، وقد صبَّ حيناً في مصلحة النص ولم ينتقص منه؛ فوضح للقارئ، وخاصة ذلك الذي لم يشهد الواقع السوري التظاهري المعاش، أن أفعال النظام كانت هي ذاتها يومياً. وتؤكد سمر ذلك بقولها: "عيون لم أكن ألمحها في دمشق؛ أعرف أني أردد هذه الجملة كثيراً في يومياتي ولكني لا أمل من تردادها". إلا أن هذا لم يمنع أن التكرار ساهم في أحيانٍ أخرى في بث الملل لدى القارئ ومن ذلك تكرار: "مدينة أشباح، القتلة ينبتون من اﻷرض، من أين أتى هؤلاء، تعاطي الحبوب المنومة.. إلخ". كما تغيب بعض الأسماء الهامة عن قلم سمر من أهمها: حمزة الخطيب، ورزان زيتونة.

 

في الختام

لا يسع القارئ لسطور تقاطع نيران إلا أن يشعر بالأسى والأمل معاً؛ الأسى لما حل ببلدٍ، تعتبر مدنه كحلب ودمشق من أقدم المدن المأهولة في العالم، من خرابٍ ودمارٍ وتشتتٍ أصاب أهلها فأحالهم إما لاجئين أو نازحين أو محاصرين ينتظرون لقمةً تقيهم خطر الموت جوعاً، أو شربة ماءٍ تروي ظماً قد يطول. وعلى الطرف المقابل يبرز الأمل فارساً على صهوة حصانٍ أسود صعب الترويض؛ متمثلاً بشبابٍ كرسوا أنفسهم وخاطروا بأرواحهم في سبيل معنوياتٍ لم تكن تعني لهم الكثير قبلاً، وجاءت انتفاضتهم لتقلب معايير أولوياتهم؛ فنراهم منخرطين في تنسيقيات قد تودي بهم إلى موتٍ أسود داخل سجون الاستبداد: هذا الشباب الذي أقام أفراحاً مبكرة للاحتفال بحريةٍ طالت سرقتها.

 


 



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR