مرثية لربيع ضائع

مقالة بقلم هوازن خداج

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

إن ما نعيشه من فوضى السلاح والأفكار والمفاهيم وحالة الاقتتال الطائفي الديني، وغيرها من مصائبنا السورية الحالية، يتحمل جزءاً كبيراً منها النظام، والجزء الآخر يتحمله شركاء الظل من مثقفين ومن ’أحزاب تقدمية علمانية‘ لم تكن قادرة على إزهار الربيع، لكنها تستطيع أن تنوح على ما تبقى من زهور الأرض السورية التي باتت تداس بكافة أنواع الأسلحة الدينية الطائفية التي لم تأت من المريخ إنما هي جزء من شياطيننا.

لكي لا نظلم الربيع كثيراً ونحمله وزر السقوط والتصدع فيما يجري من العنف والإرهاب ونزيف الدماء على كافة الأراضي العربية، فنقطة الارتكاز الربيعية لما يجري من أهوال لم تكن معلقة في الفضاء، وما قبلها لم يكن سراباً، سنبعثر التراب عن قبر لم يجف بعد ولم يصبح تاريخاً منصرماً، فقد يفيد أحيانا تغيير الاتجاه في قراءة ما يحدث من فوضى السلاح والأفكار والمفاهيم وحتى حالة الاقتتال الطائفي الديني وغيرها من مصائبنا السورية الحالية.

لقد جرت العادة تحميل ما يجري للنظام الديكتاتوري الفاسد الذي ساهم بشكل قطعي بالوصول إلى ما نعيشه من انهيار، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال تبرئة القاتل. فانهيارنا ليس حديثاً إنه جزءٌ من لعبة الفساد وانعدام المساءلة، وناتجٌ طبيعي لما عاشه الشعب السوري بكافة أطيافه من كبت الحريات وغياب الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، وعدم إحياء جميع الثقافات الموجودة في المجتمع، وعدم الاستفادة من المزيج الاجتماعي والثقافي التعددي، بالإضافة إلى جملةٍ من الدساتير والقوانين التي لم يجر عليها أي تعديل منذ الحكم العثماني أو الفرنسي.

لكن هذا النظام لم يكن لاعباً منفرداً، بل هو لاعبٌ أساسي من ضمن مجموعةٍ ضخمةٍ من اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين. وبما أن الحديث هنا يقتصر على الشأن الداخلي، فلا يمكننا عدم الالتفات إلى وضع المجتمع السوري وظروف تكوينه الناتجة عن تقسيمات سايكس بيكو؛ تلك التي لم تتوافق فيها الحدود الجغرافية مع الخريطة الديمغرافية للشعوب والقوميات بكافة خصوصياتها الثقافية الأصيلة التي نشأت وتطورت عبر مراحل تاريخية طويلة. ما أدى إلى ضياع الهوية الثقافية الجامعة تحت سقف الوطن. إذ تكفي حادثةٌ أو إشاعة حتى يهرع الجميع إلى القبيلة أو الطائفة التي نشأ فيها، والتي يعتقد أنها ستحميه، فالمشاعر الفطرية الضيقة والمغلقة المتأصلة بالسواد الأعظم عَبَّدَت الطريق لانتشار ثقافة التعصب والكراهية والخوف من الآخر المختلف.

هذه الحالة يتحمل جزءاً كبيراً منها النظام نتيجة مصادرته وملاحقته للمشاريع الثقافية الساعية إلى تغييرٍ يعتمد التعددية الفكرية دون حجْر على أي فكر واحترام الخصوصية الثقافية لكافة المكونات. أما الجزء الآخر فيتحمله شركاء الظل من مثقفين وأحزاب: المثقفون أصابتهم حالة الاسترخاء فاستكانوا إلى المواجهه الصامتة بينهم وبين مجموعات الحكم المتمسكة بالسلطة والمستأثرة بالثروة الوطنية وبقية أفراد المجتمع الصامت المنبوذ. فمثقفونا لم يتركوا أبراجهم ويتوجهوا نحو الشارع العريض من الجماهير التي تشكو من أمراض الموروث الاجتماعي، وسلاسل الفقر والجوع والمرض وانتشار الأمية والبطالة وغيرها، والمكتفية بعيش حالة القلق اللامجدي في واقع التخلف الحضاري والاستلاب السياسي. فلم يتم إنجاز شيءٍ على صعيد بناء الإنسان الجديد، ولم يتم تثبيت أي رؤية واضحة للمكون المجتمعي وكيفية العمل على تفعيل كافة القوى والقدرات الفكرية والبشرية في المجتمع. أما الأحزاب فقد سقطت في دوامةٍ من المعضلات كمعضلة عدم استطاعتها الخروج من عباءة تعصبها للتكوينة الحزبية، فمارست في معظمها نفس حالات العنف السياسي الداخلي الذي تمارسه السلطة على المجتمعات والأفراد بعدم قبولها الحوار البنّاء واختلاف الرأي بين أفرادها باعتباره علاقة تفاعلية تهدف للتجديد والتطور، وصولاً إلى حد التكفير والإدانة والطرد في حال طرح الفكر والنهج الحزبيين على طاولة الجدل، ويعتبر هذا ’الرأي الآخر‘ معارضةً للنظرية، التي وُضعت على الأقل قبل مئة سنة ولم تعد تتناسب مع التطورات العالمية التي تشكل جزءاً من مقومات الوجود الحزبي، لكنها تستمر كشعارٍ أجوف يُرفع أو يُخفى حسب الضرورة. ومعضلة الانتماء التي أتت إما كبيرة أوسع من حدود الوطن، كأن ينتمي الشخص إلى الأممية العالمية كالأحزاب الشيوعية التي تعتبر أن الوطن هو كيانٌ صغيرٌ ضمن المجموعة العالمية، أو القومية العربية بالنسبة لحزب البعث الذي يعتبر الوطن قطراً قابلاً للانصهار في الكيان القومي العربي، أو السورية بالنسبة للحزب السوري القومي الاجتماعي، أو العالم الإسلامي بالنسبة للتيارات الأصولية الإسلامية التي تعتبر أن الوطن قطرٌ لا يمثل شيئاً في وحدة الأمة الإسلامية. أو صغيرة كالأمة الكردية بالنسبة للقومية الكردية أو الآشورية أو الانتماء الطائفي والقبلي.

أما المعضلة التي شكّلت صدمةً حضارية، والتي يتحمل مسؤوليتها الأحزاب التقدمية العلمانية، أنها لم تستطع خلال وجودها امتلاك أي وسيلةٍ فعالة للانتشار وتكوين قاعدتها الجماهيرية، بل تَبَنَّت بشكلٍ ما حالة التهميش، وغابت عن كل الساحات الهامة وكل القضايا المصيرية، تاركةً الباب مفتوحاً لتحتل الأحزاب والتيارات الدينية والطائفية التي تم دعمها من قبل النظام كأوراق سياسية في وجه التهديد الديمقراطي العالمي، واستطاعت بناء مستنبتاتها في صفوف الشعب لتزيد في المحرمات السياسية والتشظي المجتمعي في البلدان المتعددة الطوائف. إن ضعف الأحزاب العلمانية الناتج عن تعرضها للقمع كان مساهماً جيداً في تدعيم الأفكار الطائفية، وتعزيز الانقسامات في صفوف الشعب، والذهاب بالخطاب السياسي إلى خطابٍ ديني وتحويل العقيدة السياسية إلى عقيدةٍ دينية.

لن نبرئ النظام، لكننا لن نبرئ هذه النسخ المشوهة التي أثبتت فشلها في إحداث أي تغييرٍ بسيطٍ للأفراد المنضوين في صفوفها، والمصابين بنفس أمراض المجتمع من تزلفٍ ووصوليةٍ وجعجعةٍ وبراغماتيةٍ وطائفية، وكانت مجرد تجمعاتٍ إقصائية معزولة تلهث في مكانها لا تقبل الآخر المختلف حزبياً، لا تحاور ولا تناور،  لتسهم بشكلٍ غير مباشر، بوجودها الهش واصطفافاتها غير المحسوبة، في فتح المجال لتمدد أنواع الأصوليات المختلفة بكل مفاعيلها القاتلة.

مهما كانت يد النظام طويلة، وأياً كان ما فعله وما سيفعله، فهو لم يكن وحده، فعجز المعارضة عن امتلاك قوى اجتماعية قادرة على الدخول في سجال سياسي مع السلطة، أو منافسة حقيقية مع النظام، أو طرح نفسها كبديل يتبناه الشعب، لتبقى على حالها أصواتاً معزولةً لا تغير كفة الميزان الجماهيري ولا تقود حتى المنتمين إليها. فالتصحر الذي طال الجغرافيا طال العقول وأحزابنا التقدمية العلمانية لم تكن قادرة على إزهار الربيع، لكنها تستطيع أن تنوح على ما تبقى من زهور الأرض السورية التي باتت تداس بكافة أنواع الأسلحة الدينية الطائفية التي لم تأت من المريخ إنما هي جزء من شياطيننا.

هذه الحالة من الفشل الذريع للأحزاب العقائدية والأيديولوجيات القائمة والأنظمة وقيادات المجتمع على الساحة السورية التي أدت إلى الانهيار التام في البنية المجتمعية والفكرية التي وصلنا إليها، تستوجب من كافة الهيئات الفكرية والثقافية العمل على تأسيس أنواع مختلفة وحديثة من الحراك السياسي والحزبي الذي يعتمد مراجعة العقائد ووضعها على طاولة البحث والنقد من حيث مواكبتها لخصوصية المجتمعات، وإيجاد طريقة مختلفة في التعاطي مع الأفراد. وهذا يعني بناء هيكلية جديدة تعتمد التفاعلية في الأداء والوظيفة الحزبية وفتح المجال لطرح كافة الأفكار للوصول نحو بناء أحزاب سياسية قادرة على خلق كوادر فعالة في المجتمعات، مع تشجيع المبادرات الفردية الثقافية ومساعدتها على إيصال صوتها عبر استخدام كافة الوسائل المتاحة. ومن الأجدى قبل كل ذلك منع استغلال العامل الديني والمذهبي في الحراك السياسي حمايةً للدين وللمواطنة في آنٍ معاً، حيث أثبتت التجارب السابقة والحالية أن دمج الدين بالسياسة أدى إلى تجاوزات أودت بالأوطان إلى حالة من الانهيار والتفتت، خصوصاً في ظل غياب مشروعٍ ثقافي تنموي اجتماعي يشكل بديلاً يتخطى حالة الانتماءات الضيقة والعاجزة عن بناء وطنٍ واحد يضم الجميع. وهذه مسؤولية الهيئات الحزبية والفكرية والثقافية عبر رفضها للواقع الماضي والآني، والتوجه نحو الجماهير ضمن إطار أساسي ينادي بحق وجود الرأي الآخر والعمل على حمايته، وهو ما يعيد الفاعلية للتأثير الشعبي بصفته الأساس الحقيقي في بناء المجتمع الحداثي الذي يلائم الجميع.

أما في وضعنا الحالي الذي تم التأسيس له من قبل الجميع ستبقى الحقيقة المرة، فالانغلاقات الطائفية والإثنية والحزبية لا يمكنها توليد الطمأنينة أيا كانت الحلول المدرجة، فما تمّ تجذيره في هذه المرحلة مكّن الشيطان الذي يسكن في تفاصيلنا ليكون شريكاً في القتل أو الرفض ونفي الآخر أياً كان انتماؤه، ولم يبق للسوريين من حلٍّ سوى ركوب الموجة التي تقودها قطعان الإبل إلى ماشاء الله.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR