بين ألم المعتقل وتصريح الوزير

ريبورتاج بقلم قصي عمامة

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

لا تكاد أسرة سورية تخلو من قصة مخطوف أو معتقل أو مغيب أو مفقود، سواء كان قريباً من الدرجة الأولى أو ربما العاشرة أو كان جاراً أو صديقاً. سوريون اختفى أثرهم في أتون حرب البلاد أو ثورتها أو صراعها أو المؤامرة عليها؛ بين المعارضة ونظام الحكم اتهاماتٌ متبادلةٌ حول ملفي المختطفين والمعتقلين، فلا أرقام واضحة ولا دلائل ولا تحقيقات. في هذه المادة لا نقارن بين رأي موالي للسلطة ورأي معارض لها بل نجمع بين رأي ’المعني الأول‘ عن ملف المعتقلين وفقاً للقوانين والأنظمة، وبين شهادة معتقلٍ سابقٍ في فرع أمني سوري، علماً بأن هذا المعتقل ما يزال تحت الثامنة عشرة من عمره!

الوزير: شروط الاعتقال تتحسن لكنه مستمر ... عشرة آلاف معتقل في سوريا ... ونعم هناك من يموت منهم.

حين تسلم الدكتور علي حيدر حقيبة وزارة الدولة لشؤون المصالحة الوطنية في الحكومة السورية عام 2012، قال إن الوزارة كانت اقتراحه الشخصي ضمن برنامج ’الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير‘ التي حلت مؤخراً. حيدر هو رئيس ’الحزب القومي السوري ‘، والذي لا يمت بصلة هيكلية بالحزب الذي يحمل ذات الاسم في ’الجبهة الوطنية التقدمية‘، ولا يزال يصنف نفسه وحزبه ضمن صفوف ’معارضة الداخل‘ التي شاركت في الحكومة السورية ضمن بيان حكومي يحتوي برنامج حل سياسي في البلاد.

يميز علي حيدر، وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية، بين ملف المختطفين والمعتقلين، ويقول إن عدد المعتقلين يقدر بالآلاف وإن كان ليس هناك رقم واضح ومحدد لعددهم، فيقول "أقدر العدد بأكثر من عشرة آلاف معتقل، وإن كان هذا الرقم متحولاً وليس ثابتاً لأن هناك عمليات اعتقال بشكل دائم وهناك من يخلى سبيلهم كذلك. أنا أعرف أن هناك أرقاماً كبيرة لمعتقلين في السجون، ونحن ننتظر أن تنتهي مفاعيل مرسوم العفو الأخير كي نحدد أرقاماً ثابتة. الأهم من الأرقام هو طريقة التعاطي الرسمية مع هذا الملف. لدينا ملاحظات حول ذلك ابتداءً من طريقة التوقيف وأسبابه مروراً بظروف اعتقاله ثم بإحالته إلى القضاء والجهات المختصة. نحن في الوزارة حاولنا دائماً تحسين ظروف الاعتقال، وقد قلتُ سابقاً وتحدثتُ عن ضرورة إدراج عملية الاعتقال في إطار مؤسساتي".

حين التقت دلتا نون بالوزير حيدر كان مرسوم  العفو الذي أصدره الأسد قد مرّ عليه شهرٌ فقط، وحتى اليوم لم تأتي المفاعيل التي تحدث عنها الوزير بأي أرقام جديدة لعدد المفرج عنهم. يتابع حيدر  إنه لا يزال يوجه ملاحظات على عمليات الاعتقال، ومع ذلك يشير إلى أن هناك تحسناً لجهة استطاعة الوزارة الحصول على معلومات حول المعتقلين، ولجهة الحصول على تفاصيل أكثر عنهم، ويعتبر أن هذا التحسن ’جيد‘ لكنه احتاج لوقتٍ للوصول إليه.

ونحن ندخل وزارة المصالحة الوطنية، صدفنا سيدةً تقول إن ابنها اعتقل في الخامس عشر من شباط من هذا العام حين مرّ على حاجز أمني في قلب دمشق. سألنا الوزير عن هذا، وكيف أن الاعتقال لا يزال يسجل في دمشق، بعد ثلاث سنوات من الحرب التي اندلعت أساساً لأسبابٍ مماثلة؟ وافقنا الوزير بأن هذا يحدث وقال: "صحيح إن الحواجز تعتقل لكن هذا من مفاعيل قانون الطوارئ الذي أوقف العمل به، وهناك تعميم للنشرات الشرطية لأسماء المطلوبين، وهناك عمل بنظام الأتمتة في بعض  الحواجز. لكن بواقع الحال لا يزال ما نطلبه حول شروط الاعتقال غير مطبق في ظل أزمة البلاد". نسأل حيدر إن كنت الوزارة تميز بين السجين السياسي والسجين الجنائي؟ فيقول إن كل من صدر بحقه حكمٌ فهو بذلك بالنسبة إلينا موقوف، ويستطرد أن الوزارة حاولت تحسين الإجراءات الخاصة بالاعتقال.

نعود لنسأل الوزير عن عدد المعتقلين، فيبلغنا أن الرقم غير واضح لأن عدد المعتقلين مرتبط بعدد المفقودين من أبناء البلاد، والتمييز بينهما لا يمكن الآن، فكلما فقد شخص ما تعتبره عائلته معتقلاً "وهناك الآلاف من المفقودين الذين حين نسأل الأجهزة الأمنية عنهم تأتينا الإجابة بأنهم ليسوا موقفين أو معتقلين". ويخبرنا الوزير أن الرقم الذي قدره بعشرة آلاف بُني على أساس ما قدم من طلبات مباشرة للوزارة من قبل المواطنين وليس من تصريح جهات رسمية وأمنية.

يتفق معظم من عرفوا الاعتقال في سوريا، قبل وبعد الحرب في البلاد، على أن التعذيب  الجسدي والانتهاكات التي تصل حد الإعدام في المعتقلات السرية لا تزال ترتكب حتى الساعة، فضلاً عن وجود مئات الروايات عن ممارسات ارتكبت في معتقلات وصلت حد القتل والاعتداء الجنسي بالإضافة لما وثقته منظمات دولية ومحلية. الوزير حيدر يوافق على ما قيل من قبل معتقلين سابقين وإن كان لديه وجهة نظر أقل ألماً: "عندما يُخلى سبيل البعض يتحدثون عن تعذيب تم في الفترة الأولى من التوقيف، لكن بعد الحصول على معلومات أولية من المعتقل يتوقف التعذيب. في الفترة الأخيرة تحدث البعض عن تحسن في ذلك وأن البعض لم يتعرض حتى لضربة كف"، يقول الوزير.

قبل أيام من لقائنا بالوزير حيدر قال المعارض السوري فايز سارة إن ابنه قضى في أحد المعتقلات تحت التعذيب. الموت في المعتقلات أمرٌ يؤكده حيدر لكن لأسباب مختلفة عن تلك التي تنشر أو يتحدث عنها شهود عيان ومعتقلين سابقين، حيث يقول حيدر: "لا شك أن هناك من يموت في المعتقلات والسجون، لكن علينا معرفة الأسباب، فمن طبيعة دور الحياة أن يموت الناس لأسباب صحية. نحن نتحدث عن عشرة آلاف معتقل مثلاً، ومن الطبيعي أن يموت بعضهم. مسألة إطلاق الأحكام تصبغها الخلفية السياسية. فحين يتوفى شخص في السجن يقال إنه قتل تحت التعذيب حين يكون معارضاً. نحن بحاجة لتحقيقات خاصة من جهات قضائية وطبية، تطّلع على الأسماء لمعرفة الحقيقة. هناك اليوم إجراءات رسمية وتقارير طب شرعي تجرى لكل من يقضي في المعتقلات، وحتى هناك صور. لكنني لا أنكر وجود وفيات في السجون، لكن يجب أن نعرف الأسباب. وأنا لا أسميه إلا وفاة، فالقتل هو أمر جرمي يحتاج لأدلة، ليست معنا الآن، وقد اطلعت إلى بعض الملفات ووجدت أن الوفاة طبيعية".

نقاطعه: هل أطلعت على أي ملف تبين فيه أن المعتقل قتل تحت التعذيب؟ "لا أبداً"، يجيب الوزير.

يكثر الحديث عن سرية تامة تحيط بالمعتقلات السورية، حيث يوثق معتقلون سابقون ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان فظائع ترتكب من دون أي رقابة من أي جهة محلية أو دولية، عن هذا يقول حيدر: "الزيارات غير ممكنة للمنظمات الدولية لأننا لم نتحول لدولة مشمولة بالرعاية الدولية. إن كنت تقصد منظمات كالهلال  الأحمر والصليب  الأحمر الدولي، فقد حدثت زيارات من هذا النوع في بعض الأماكن. لكن هل التقييم كاف أم غير كاف فهذا هو السؤال". يقول حيدر إن الوزارة لا تطلع على جميع الحالات بل على تلك التي ترد من قبل الأهالي، والتي تتابعها الوزارة وتحصل على إجابات عليها من الأجهزة الأمنية.

 

مختطفو عدرا، خمسة آلاف مختفي

سيطرت القوات الحكومية على مناطق عدرا العمالية وعدرا البلد في نهاية شهر أيلول 2014، وظهر مع هذه السيطرة ملف مختطفي عدرا، الذين قال لنا حيدر إن رقمهم قد يصل إلى خمسة آلاف مختطف. ورغم المحاولات التفاوضية إلا أن الجهود باءت بالفشل. وككل حرب كالتي تعصف بالبلاد، قد يبقى الملف مفتوحاً لسنوات من دون حل، يقول حيدر: "دون شك هناك قسم من المفقودين والمعتقلين سيظلون كذلك لسنوات طويلة"، ويطرح لنا مثالاً عن "عائلات قدمت أسماء أبنائها على أنهم مفقودين، لنكتشف أن أبنائهم انشقوا عن الدولة، وليسوا بمفقودين، وكذلك الحال بالنسبة لمن قتل في المعارك وأحرقت جثثهم. هنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة الحل السياسي الذي سيبقى بعده ملفات لمفقودين، ولديك مثال الحرب الأهلية اللبنانية التي وحتى اليوم لا يزال هناك ملفات المختفين فيها بلا حل".

يقول حيدر "إن سوريا عرفت عمليات إحراق لجثث أو رميها بالآبار، وحتى هناك مدافن جماعية". وسألنا حيدر هل هذا يرتكب من الطرفين، فقال: "إن الدولة لا تفعل ذلك والجيش السوري لا يفعله"، فسألناه حتى الأمن والمخابرات ألا يفعلان ذلك؟ فقال: "الأمن والمخابرات هم في ساحة القتال يقاتلون وبالتالي هذا كلام لم يسجل على الدولة، حتى حين قلنا أن هناك من يقضي في المعتقلات وأماكن التوقيف، فهؤلاء تصدر بحقهم شهادات وفاة نظامية، ويبلغ الأهل، وإن تأخر تسليم الجثث، تدفن في مدافن جماعية ولهم أرقام".

 

النفق

تركنا الدكتور علي حيدر في مكتبه في مشروع دمر بدمشق، وتوجهنا للقاء وائل الذي يبلغ من العمر سبعة عشرة عاماً في منطقة الشهبندر في قلب العاصمة. وائل الذي يصنف من في سنه كطفل، حتى ضمن القانون السوري، كان قد خرج من أحد الأفرع الأمنية قبل ثمانية وأربعين ساعة فقط! وافق وائل على الحديث معنا عن تجربة شهرين في المعتقل الذي يطلق على القسم الذي كان هو فيه اسم ’النفق‘.

قلّب وائل صوره الشخصية عبر هاتف أخته النقال الذي كان بحوزته، ليرينا كيف كانت هيئته قبل شهرين. وبينما كان يقف أمامنا هزيلاً وحليق الرأس، بعيون متعبة، لاحظنا على رقبته أثر كدمة، فيما كان يتناول الطعام طيلة فتره وجودنا معه، ويسرد لنا ما شاهده وما اختبره في المعتقل. فقد اعتقل حين مرّ من حاجز حي الزاهرة بدمشق، وكانت تهمته على الحاجز أنه فلسطيني سوري كُتب على هويته أنه ولد في مخيم اليرموك المحاصر بجنوب العاصمة. حين اعتقل كان يتقدم لامتحانات الشهادة الثانوية، وكان من الطلاب القلائل الذي غادروا المخيم برعاية الأمم المتحدة (منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) ووزارة الشؤون الاجتماعية السورية وعدد من الفصائل الفلسطينية، لكن لم تشفع له الورقة التي حملها على الحاجز حين اعتقل. أنزله العنصر من سيارة الأجرة وطلب منه التوقف بجانب الجدار قبل أن يُصْحَبَ بسيارة خاصة إلى فرع في أحد شوارع العاصمة، ويصبح نزيلاً في ’النفق‘.

’النفق‘ بحسب وصف وائل لـ دلتا نون، ما هو  إلا ممرٌّ يربط بين مجموعةٍ من القاعات والزنزانات والغرف. العدد الكبير من المعتقلين جعل ضباط الفرع يقررون أن يكون الممر مكاناً للاعتقال! عرض الممر يكفي لكي يجلس وائل القرفصاء وظهره مسنود بشكل كامل إلى الجدار، ويحتضن ركبتيه ملتصقاً بمعتقلين آخرين، قدّر وائل عددهم بـ 50 شخصاً، وهو أصغرهم سناً. لم يستطع وائل أن يتحدث إلا للمعتقل الذي يجلس في ذات الوضعية على يمينه، فمن الممنوع عليه أن يتحدث مع من يجلس إلى يساره، وهذا بالطبع يطبق على جميع المعتقلين في ’النفق‘.

يدخل وائل إلى الحمام مرةً واحدة في الأسبوع، ويدخل معه خمسة معتقلين في ذات اللحظة، الجميع عراة تماماً، وينتهي الحمام بعد خمس دقائق في أحسن الأحوال. نام وائل طوال شهرين في ذات الوضعية التي كان يجلس بها، وحين سألنا وائل عن تلك العلامة في رقبته، فقال وهو يستخدم يديه ليشرح أكثر: "الضابط في التحقيق كان يضع يده هنا لخنقي، كان صوتي ينقطع ويكاد نفسي أن ينقطع أيضاَ، وحين أصرخ في نهاية الألم أو النفس، يسحب المحقق يده ويضربني على وجهي، هذه العلامة واحدةٌ من العلامات الكثيرة على جسدي".

في ’النفق‘ يشرف على ضبط المعتقلين ومراقبتهم معتقلون قدامى، يقول وائل. فمن أمضى أكثر من عام في الاعتقال، يصبح مراقباً ومساعداً للمحقق. يتابع وائل: "من كان يشرف على تعذيبي هو ضابط لم أرى وجهه أبداً، فحين أُقاد للتحقيق تُعصب عيناي. من كان ينفذ التعذيب هو معتقل. كان يضربني بوحشية، ويتمادى في ذلك. إحدى الوضعيات التي آلمتني ولحد الآن، هي قلبي على كرسي ورأس نحو الأسفل، تعلق يداي بحبل حديدي وترفعان نحو السقف، وحين تصلان للنقطة الطبيعة لارتفاعهما يبدأ الألم مع رفعهما أكثر وأكثر، كان جسدي يتمزق، وكنت أصرخ، هنا يرفع المحقق العصبة عن عيني، بعد أن أصبح  في الخلف مني، وقال لي انظرْ إلى كتفك، نظرتُ، وجدتُ عظم لوح الكتف وقد برز لدرجة جعلتني أتمكن من رؤيته بطرف عيني. حينها ضربني الضابط بقدمه على عظم اللوح فيما لا تزال يداي مرفوعتان".

استمر تعذيب وائل لمدة أسبوعين، تعذيبٌ بلا أي تحقيق أو توجيه تهمة. كان وائل ينتظر أن يدافع عن نفسه حين ستوجه له تهمة واضحة، ويقول إنه استطاع أن يبقى صامداً مع ذلك الألم النفسي والجسدي لأنه كان ينشط في مجال الدعم النفسي قبل اعتقاله "عليك أن تبقى صامداً ولا تفكر، لا تسألني كيف، لكن عليك ذلك، هناك بعض المعتقلين الذي يصابون بنوبات غريبة، ينهارون، يفقدون الوعي تماماً، ثم يموتون، أنا تعرضت لهذه الحالة لمرتين، حين بدأتْ تدور في ذهني أسئلةٌ من قبيل، هل سأخرج من هنا؟ كيف هي أمي؟ هل تعلم أني هنا؟ ما هي نهايتي؟ ارتفعتْ حرارتي وأغمي علي. اقتادني معتقلٌ آخر إلى الحمام ورشني بالماء، تسمى الحالة بين المعتقلين بـ ’الفصلان‘ إذا مررت بها فلن تحيى". وائل لم يكن يتوقع أبداً أن يخرج من معتقله، كان متأكداً من موته. خاطب نفسه بأنه سيلتقي بوالده المتوفى في الجنة "قلت لنفسي سأرتاح من كل شيء، من الحواجز، من حصار المخيم الذي تعيشه أمي مع أخوتي، من كل هذه الحرب وهذا الألم". شاهد وائل معتقلاً في ’النفق‘ قدر عمره بخمسة وستين عاماً، وشاهد معتقلاً ضريراً، وآخر بترت أقدامه، وقال إن هناك معتقلون أكملوا العاميين في ’النفق‘.

عاش وائل حصار اليرموك وأيام جوعه وقلة الطعام فيه، لكن في ’النفق‘ كان الطعام الذي يقدم لوائل ومن معه هو حساء فيه بعض الأرز يقول: "اشتقت أمام هذا الطعام لما كنت آكله في المخيم المحاصر، لمرة واحدة أطعمونا قطعة صغيرة للغاية من البطيخ الأحمر، يبدو أن أمراً ما جعلهم يقدمون هذا الطعام لنا في ذلك اليوم، أذكر جيداً أن المعتقلين المشرفين علينا، حصلوا في آخر النهار على قطعة كبيرة من البطيخ كمكافأة لهم، فهؤلاء مستعدون لفعل أي شيء مقابل سيجارة واحدة تُعطى لهم في آخر اليوم".

يقول وائل إن كل معتقل جديد، يجبر على القيام بأعمال تسمى ’السخرة‘ وهذه الأخيرة  تتضمن نقل جثث المعتقلين الذي قضوا من شدة الإعياء أو تحت التعذيب، "كنا نحملهم في ’بطانية‘ رائحتها سيئة للغاية، ونلقيهم في مكب نفايات، لا أعلم ما هي الخطوة التالية، لكنني حملت عدداً  كبيراً من الجثث".

يتابع "أيقظوني مرةً عند الرابعة صباحاً، كان الضابط الذي لا أراه أبداً، يجلس في غرفة التحقيق، أعرف ذلك من رائحة سجائره، بينما يقوم المعتقل الذي يعذبني بوضع وجهي على الجدار، ويضربني المرة تلو المرة، الدماء كانت تسيل من أنفي وفمي، وتصبح عيناي حمراوين، كان جميع المعتقلين بعيون حمراء يحتبس فيها الدم". حتى الآن لم توجه لوائل أي تهمة ولم يحقق معه بعد، "قال لي الضابط اتخذْ وضعية جاثياً، ثم بدأ تعذيبي. الضابط المحقق لم يضربني بيده أبداً، كان يستخدم قدمه فقط، هو يرتدي ’بسطاراً‘ عسكرياً. قال لي مرةً وحرفياً إنه لا يضربني بيديه كي لا تتسخا، كنت أُحرق بالسيجارة، كانت دخاناً عربياً يلف يدوياً، يتميز بنهاية غليظة".

يقول وائل "طلبت مرة من الضابط أن أقبل قدمه كي يتوقف عن تعذيبي، قال لي أن حذائه أنظف مني، رجوته باسم الله، فكفر كثيراً، قلت له من أجل السيد الرئيس، قال لي: الآن عرفته كنت تشتمه في المخيم! نعم ... طلبت تقبيل قدمه لكنه رفض، كان الألم قد بات لا يحتمل أبداً فاق طاقتي وقدرتي على التحمل". وبعد شهرين وُجهت إلى وائل سبع تُهَمٍ من قبل الضابط المحقق هي:

  1. المشاركة في مظاهرات في مخيم اليرموك حين كان تحت سيطرة الجيش السوري.
  2. توجيه اتهامات للنظام السوري عن طريق وسائل الإعلام.
  3. الانتساب لتنظيم جبهة النصرة.
  4. سرقة المنازل في مخيم اليرموك.
  5. حماية المقرات الخاصة بالمسلحين في مخيم اليرموك.
  6. تأمين الطعام لمسلحين في مخيم اليرموك.
  7. الخروج من مخيم اليرموك بطريقة غير شرعية

يقول وائل إنه أنكر جميع التهم حين تلاها عليه الضابط، وأنه اعترف بأنه ساهم في مظاهرات في الفترتين اللتين عرفهما المخيم، فتظاهر ضد النظام في البلاد حين كان الجيش ينتشر فيه، وضد المسلحين حين دخلوا إليه، ويصف نفسه بأنه محايد سياسياً اليوم. أطلق سراح وائل بحكم قضائي برأ ذمته من جميع التهم التي وجهت إليه في المعتقل، ونص الحكم على أن جميع الاعترافات التي وقع عليها  انتزعت منه تحت التعذيب، لكن هذا لم يكن ليحدث لولا أن عائلة وائل وأصدقاء لها في دمشق، تمكنوا من دفع نصف مليون ليرة كرشوة لسماسرة كي يحوّل وائل إلى سجن عدرا ومنه إلى القصر العدلي الذي أطلق سراحه.

حين وصل وائل إلى القصر العدلي كان حافي القدمين، ولا يملك أي مال، وحين غادر القصر العدلي ركض إلى بائع حلويات وطلب منه طبقاً وأخبره أنه لا يمتلك المال ليدفع له، أعطاه البائع، فجلس على الرصيف يأكله، وهو غير مصدقٍ أنه خرج للتو من اعتقال يصفه بالمميت. وحين سألنا وائل عن ما يخطط له اليوم. كان مقتنعاً بأنه سيسافر من سوريا ولا ينوي العودة إليها أبداً.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR