مزرعة الحيوانات والربيع العربي

مراجعة كتاب بقلم أحمد مصطفى الغر

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

’مزرعة الحيوانات‘ رواية شهيرة لجورج أورويل، وهو اسم الشهرة للكاتب البريطاني إريك أرثر بلير، المولود عام 1903 والمتوفى في لندن عام 1950م. وهذه الرواية قصةٌ وهمية لكنها ذات إسقاطٍ سياسيٍّ بارع على الثورة الروسية ، وكيف حادت عن مسارها لاحقاً وخُدِع الناس بحكم الفرد الواحد، وهو ستالين. لكن بأي حال فإن الرواية، ورغم مرور سنوات كثيرة على كتابتها، وزوال حكم ستالين، فإنها ما زالت تحوي نماذج لشخصيات عديدة ظهرت لاحقاً في دول مختلفة حول العالم.

حكاية الثورة في مزرعة الحيوانات

تدور أحداث الرواية في مزرعة بإنجلترا يمتلكها شخصٌ يدعى مستر جونز، يعامل حيوانات مزرعته بقسوةٍ دائماً، وفي إحدى الليالي، قرر الخنزير العجوز ميجور أن يعقد اجتماعاً مع حيوانات المزرعة ليحكي لهم عن حلمٍ رآه. كان ميجور حكيماً يحظى باحترام الجميع، لذا أنْصَتَت الحيوانات له باهتمام عندما انبرى في الحديث عن الحرية من استغلال البشر، وضرورة التمرد على سيطرة هذا الكائن البشري المستبد، وبحسب كلامه فإن "الانسان هو عدونا الحقيقي الوحيد، أبعدوا الانسان فيزول معه السبب الحقيقي للجوع والعمل المرهق إلى الأبد، الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستهلك بدون أن ينتج".

ميجور علّم الحيوانات نشيد الثورة: "وحوش إنجلترا ... وحوش إيرلندا ... وحوش كل أرض وكل مناخ ..."، بعدها بدأت جلبة تكرار النشيد بأصوات الحيوانات فاستيقظ مستر جونز. ينتهي الاجتماع ويموت ميجور بعدها بثلاثة أيام، وتقوم الثورة في أحد الايام الاحقة، ويتولى زمامها في المزرعة خنزيران هما سنوبول ونابليون. بعد طرد جونز يتم تغيير اسم المزرعة إلى مزرعة الحيوانات، وتم تلخيص مبادئ الثورة في سبع وصايا سُميت بــ الحيوانية.

نجحت الثورة في توحيد الحيوانات ونشر المساواة بينهم وتوفير الطعام والتخلص من عبوديتها للانسان، لكن مع الوقت بدأت الحنازير في الارتقاء بمكانتها عن باقي الحيوانات. وبالتزامن كان هناك خلافٌ يشتد بين القطبين سنوبول ونابليون، وقد وصل الخلاف إلى أشده عندما تقدم سنوبول بفكرة إنشاء الطاحونة، تلك التي عارضها نابليون بشدة، فجاءت كلابٌ شرسة كان قد تولى نابليون تربيتها سابقاً وانطلقت باتجاه سنوبول تطارده حتى هرب من المزرعة مفلتاً من أنيابها بحياته.

ليبدأ حكم الفرد الأوحد، وهو نابليون الذي يسكن في بيت مستر جونز، ويرتدي ثيابه، ويسير على قدمين مقلداً البشر، وتزداد الخنازير في اختراق وصايا الحيوانية، بل وتحريفها، فتتعامل مع البشر مرة أخرى، وتشرب الخمر وتتعامل بالنقود وتنام على السرائر، وتحتفظ لنفسها بأفضل الطعام وبكميات كبيرة، بينما تعاني باقي الحيوانات الجوع والتعب والإرهاق. كما تتم الاستعانة بأداة إعلامية لبقة وفعالة تتمثل في خنزير يدعى سكويلر، هذا الذي ينسب كل فعل طيب وحسن إلى القائد البطل نابليون، بينما كل فعل شائن أو سيء إلى الخائن العميل سنوبول!

لتنتقل المزرعة من سيء (فترة مستر جونز) إلى أسوأ (فترة نابليون)، وتبدو الثورة في أعين من عاصروها وكأنها كابوس أفسد حياتهم تدريجياً، لكن ما من أحد يمكنه أن يقول ذلك صراحةً وإلا ستنهشه أنياب ومخالب كلاب نابليون الشرسة.

 

الشخصيات من منظور جديد

شخصيات الرواية كانت تصور شخصيات حقيقية في الاتحاد السوفيتي في ذاك الوقت المنصرم، مثلاً كان نابليون تجسيداً لــستالين، وسنوبول هو ليون تروتسكي، ورأى البعض في شخصية الخنزير سنوبول تجسيداً ودمجاً لشخصيتي تروتسكي ولينين معاً، أما ميجور العجوز فهو كارل ماركس مؤسس الماركسية والأب الروحي للشيوعية، وسكويلر هو تجسيد فياتشسلاف مولوتوف وصحيفة برافدا ولكل وسيلة إعلامية سخّرها ستالين لتعظيم أفعاله وإضفاء الثورية عليها وتبيض جرائمه، والخنزير مينيموس تجسيدٌ لشخصية ماكسيم جوركي، ومستر جونز هو نيقولاي الثاني آخر أباطرة روسيا، وغيرها من الشخصيات الحقيقية التي تم تجسيدها.

في إسقاطنا المعاصر للرواية على حالتنا في بلدان الربيع العربي، فإن ثمة كثير من المواقف التي تستدعي إعادة قراءتها مرةً أخرى، فما لحق مؤخراً بثورة 25 يناير المصرية يدق ناقوس الخطر بأن تتحول الأحلام الوردية بعهود الحرية والديموقراطية إلى عهود استبداد وظلام تفوق ما كانت عليه قبل الثورة، الخطر يكمن في تغير المفاهيم الثورية وعودة الاستبداد في لباسٍ جديد مزركش بديموقراطية شكلية وحرية وهمية.

قد تحتمل كل شخصية ظهرت في الرواية أن نقارنها بكثير من شخصيات واقعنا السياسي القائم. أليس مستر جونز هو كل حاكم ديكتاتوري، انتشر الفساد في عهده حتى صارت رائحته تزكم الأنوف؟ للدرجة التي وصلت بهم إلى إعداد أبنائهم ليرثوا من بعدهم عرش الحكم، وكأن الجمهوريات قد تحولت في غفلة من الشعوب إلى ممالك، يرثها أبناء الرؤساء مع التركة! نابليون وسنوبول يمكن اعتبارهم رفقاء الثورة في الميادين قبل أن يتحولوا إلى فرقاء، وصل بهم الأمر إلى المحاكم واتهامات الخيانة والعمالة للخارج والتشويه الإعلامي المستعر.

إن لحظة انقسام المزرعة بين سنوبول ونابليون حول بناء طاحونة الهواء لتقليل العمل، أو التخلي عن بنائها وفي المقابل زيادة الجهد والتعب لزيادة الإنتاج، كانت لحظة فارقة وتشبه إلى حد كبير حالة الانقسام بين فريقين في بعض البلدان العربية الآن، لكل منهما وجهة نظر يظل متمسكاً بها حتى الموت ولو على حساب الثورة أو الشعب، المهم أن تبقى فكرته ونهجه هو القائم وهو السبيل لإقامة الدولة الجديدة.

أليس مستغرباً أن يقوم نابليون بعد طرده لسنوبول من المزرعة واتهامه بالخيانة العظمى، أن يقوم ببناء الطاحونة التي كانت في الأساس فكرة سنوبول، والتي كان يعاديها نابليون بكل ما أوتي من قوة؟ وما يزيد العجب هو خطاب سكويلر إعلام السلطة الحكومي والرسمي- الذي أوضح فيه أن فكرة الطاحونة كانت بالأساس من أفكار نابليون ولكنها سُرقت منه!

و يظل الحمار بنجامين محايداً لا يقف مع هذا أو ذاك، فعلى حد قوله، سواء بطاحونة الهواء أو بدونها، فإن الحياة ستستمر كعادتها دائماً على حالها السيء! ألا يجسد بنجامين حال الكثيرين المتعبين من أفكار الساسة؟ المنهكين من تجارب الأحزاب وفشلها؟ المتشائمين من كل الخطط النظرية للتقدم؟ قد يرى البعض أنه الفئة الساخرة من أوهام الأنظمة ووعودها الوردية، لكنه في كل الأحوال لا يترك منازله سوى للعمل، إن كان هناك عمل، ولا يذهب إلى صناديق الاقتراع إلا خوفاً من الغرامة المالية التي تلوح بها الأنظمة لمن يمتنع عن المشاركة. أما النتائج فهي جاهزة قبل بدأ التصويت من الأساس. بنجامين هو حزب الكنبة في بعض البلدان، وهو تجسيدٌ للجموع الصامتة على فساد السلطة -قديماً وحديثاً- على اعتبار أن لا شيء سيتغير، وإن تغير فسيكون نحو الأسوأ فقط! هناك مقولةٌ مأثورةٌ لجورج أورويل يقول فيها: "لا يمكن أن تتوافر السعادة إلا في الرضا"، ولأن بنجامين لم يكن يشعر بالرضا، ربما هذا كان سر عدم سعادته طوال أحداث الرواية!

سكويلر الخنزير اللبق، الذي يجيد اختيار الكلمات التي يخاطب بها الآخرين في المزرعة، والذي جعل من نابليون بطلاً أوحداً وقائداً فريداً في تاريخ الحيوانية، يتميز بأنه يجيد استخدام الأرقام والإحصائيات ليؤكد بها على أن حال الحيوانات يتحسن عن ذي قبل، إلا أن الأرقام لا تطعم الجوعى، والإحصائيات لا تغني الفقراء.

مينيموس خنزير آخر يجيد تأليف الأغاني والأناشيد التي تلهب الحماسة والوطنية، وبالتأكيد تمجد من القائد نابليون. ألا ينطبق حال سكويلر ومينيموس على حال كثيرين من الأبواق الاعلامية في أوطاننا؟ ألم يعج موقع يوتيوب بالكثير من الفيديوهات التي توضح حال هذه الفئة قبل الثورات وبعدها؟ وكيف يغيرون من جلودهم بسرعة فريدة ليصيروا أول المعجبين بالقائد الجديد وأول من يهتف بحياته، إلى أن يسقط الحاكم فيصيروا أول من يندد بأفعاله قبل أن يبدؤوا مرة أخرى في الهتاف للحاكم التالي؟

كذلك نجد أن بلادنا تعج بكثير من نوعية المهرة المدللة مولي، تلك التي تمثل الرفاهية والطبقات العليا والبرجوازية، طبقة لا تمثل أكثر من 5% من مجتمعاتنا إلا أنها تمتلك اكثر من 95 % من الثروة. في الواقع إن الحصان القوي بوكسر والحمار بنجامين والفرس الرقيقة  كلوفر هم الشخصيات المفضلة لي في هذه الرواية، ليس فقط للصورة الأدبية التي أظهرهم بها أورويل في روايته، لكن أيضاً لأنهم يمثلون السواد الأعظم من المجتمع العامل المنبري إلى بناء الوطن دون مكائد السياسة أو بحارها القذرة.

 لقد أضاع بوكسر حياته وجهده في سبيل المزرعة وكان له دور مؤثر في معركة حظيرة الأبقار، لكن أحداً لم يقدر له ذلك وفي النهاية وعند مرضه تم بيعه إلى ذابح جياد ليقدم لحمه إلى القطط والكلاب. لإذن بوكسر هو مثال لكثيرين ممن أفنوا حياتهم من أجل الوطن، ولم يقدر لهم الحكام هذه الأدوار الجليلة التي قاموا بها، وكان مصيرهم النفي أو القتل أو السجن، أو في أفضل الأحيان النسيان!

الكلاب الشرسة هي السلطات الأمنية الغاشمة الباطشة، والتي لا تقل في شراستها عن الكلاب التي ظهرت في الرواية، لا بل تفوقها. لقد كانت أداة في يد الحاكم يديرها كيفما شاء، فبدت كأدوات قتل يستخدمها الحاكم ضد أعدائه قبل أعداء الوطن، وكل خلاف سياسي مع الحاكم صار عداء  للدولة والثورة والشعب، ويستحق مرتكبه عقوبة الإعدام نهشاً بالأنياب الحادة والمخالب البارزة، ولا يمكن نسيان أن بطش الشرطة المصرية كان سبباً في قيام ثورة 25 يناير المصرية.

 

هل تصلح الرواية لهذا الزمان؟

إن ثمة أوجه للشبه بين ما كان يحدث في الاتحاد السوفيتي في ذاك الوقت وما حدث في بعض بلدان العرب سواء قبل الثورة أو بعدها. وإن كانت ثورات الربيع العربي مازالت في طور الثورية ولم تكلل بعد سواء بالنجاح التام أو الفشل التام فهي مازالت تواجه تحديات جمة، أبرزها: الدولة العميقة للأنظمة السابقة، وأصحاب الأفكار الظلامية والمتشددون، وعراقيل الدول الغربية ودول الجيران التي يبحث كل منها عن مصالحه.

لقد صورت الرواية كيف يمكن أن تتحول اليوتوبيا المأمولة إلى ديستوبيا كابوسية، فيتم تغيير النظام الفاسد القائم إلى نظام آخر يتحول مع الوقت إلى نظام أكثر فساداً من سابقه، فتظهر أشكال الاستبداد والدكتاتورية وإخضاع الأفراد والموارد للحاكم الفرد وحزبه، وتدخل القبضة الأمنية في حياة الناس بشكل يفوق الوصف، وتتحول الثورة إلى معولٍ يهدم حياة الناس بدلاً من هدم الظلم والفساد.

عندما قرأت الرواية للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، وبمجرد وصولي إلى صفحتها الأخيرة قررتُ أن أعيد قراءتها مرةً أخرى. حينها لم يكن في مخيلة أي مواطن عربي أن ثمة ثورات أو ربيع سياسي أو ديموقراطية وحرية وغيرها من المصطلحات في طريقها إلى بلادنا، فقد اعتدنا منذ عهد الأجداد أن الحاكم لا يغيبه عن منصبه سوى الموت، والموت فقط!

الآن، وبعد أن انتفض الشباب وتغيرت المفاهيم، صار واضحاً أن إعادة قراءة الرواية ضرورةٌ لاستلهام الكثير من جوانبها وإسقاطها على حاضرنا، وربما يتضح ذلك في كثير من المقالات الصحفية التي أسقط فيها كتابها بعض أحداث الرواية على ما يحدث في بلادهم، وان كنتُ لست متفقاً تماماً مع ذلك، بخاصة أن ثورات العرب لم تكتمل بعد و موجاتها الثورية مازالت مستمرة ومتجددة، وأنه من غير الإنصاف أن نحكم عليها بالفشل الآن.

لكن ثمة تشابهات توحي بالتشاؤم أيضاً. ألا تتشابه الوصايا السبع التي تم إقرارها في المزرعة والتي تم تغييرها لاحقاً مع المطالب التي خرجت الشعوب العربية مطالبة بها، حتى إذا ما نجحت الثورات، وبدأ اقتسام الغنائم، تفرق الرفقاء وصاروا فرقاء؟ هل من أحد يسمع عن مطالب الشباب في ثورة 25 يناير المصرية؟ أو منجزات الثورة الليبية أو اليمنية؟ هل تم إعادة بن علي إلى تونس ليحاكم أمام القضاء؟ أليس مهرجان البراءات لرجال النظام المصري خير دليل على أن ثورة 25 يناير قد فشلت أو بمعنى أدق قد تم إفشالها؟

ألم تقم الفضائيات والصحف بالتلاعب بأهداف الثورات أو تغييبها عمداً؟ وهو أمر يتشابه تماماً مع تغيير الوصية السابعة كما ورد في الرواية عندما تحولت من "كل الحيوانات متساوية" إلى "كل الحيوانات متساوية، ولكن بعضها أكثر مساواة من الآخرين"؟ وهذه النقطة تحمل إسقاطاً سياسياً بارعاً ينطبق تماماً على طبقاتٍ بعينها في بلادنا تعتبر نفسها وصيةً على الشعوب، وأنها أعلى مكانةً وقيمة ومنزلة من غيرها من المواطنين.

ولأنه قد يصعب أحيانا على بعض القادة أن يصلوا إلى الطبقات المختلفة من شعوبهم، فلا بد حينها من أبواق إعلامية تخاطب تلك الجماهير؛ أبواق تنبري إلى تضليل الجموع وتغييب الحقائق عنها، وتنشر ما يريده الحاكم وتوزع الأكاذيب بهدف التخويف. هذه الوسائل الاعلامية اللعينة هي كما ظهرت في الرواية شخصيتا الخنزيرين سكويلر و مينيموس.

 

إذن الرواية ليست مقتصرة على الثورة البلشفية والاتحاد السوفيتي فقط، أو عهد ستالين فحسب. وبالمناسبة ففي عام 2002 ظهرت رواية بعنوان فرصة سنوبول لأديب اسمه جون ريد حاول فيها أن يكتب تتمةً لرواية مزرعة الحيوانات، وبالتالي فإن الراوية وإن مر عليها الزمن، فإنها تبقى قابلة للقراءة بشكل جديد في أزمنة مختلفة.

مزرعة الحيوانات روايةٌ كُتِبَتْ كي تبقى، فقد صدرت عام 1945م، وتُرجمت إلى ما يقارب الــ 70 لغة، وتحولت إلى فيلم كرتوني، ثم إلى فيلم سينمائي عام 1999م. كما أن الفترات التي شهدت منع الرواية من النشر والتوزيع في بعض البلدان كانت من أهم أسباب انتشارها؛ فالممنوع مرغوب. حيث يذكر أن أحد المسؤولين في وزارة الإرشاد البريطانية قد حذر الناشر البريطاني من نشر الرواية، فرفضها الناشر وكان رده: "سيكون الأمر أقل مدعاة للعداوة لو كانت الطبقة المسيطرة في القصة غير الخنازير، أرى أن تصوير الخنازير كطبقة حاكمة سيغضب بلا شك كثيرين، و خصوصاً سريعي التأثر، مثل الروس".

 

لو كانت الرواية عربية

في ظني أنه لو كُتبت رواية مثل مزرعة الحيوانات لتصور الحياة السياسية أو الثورات في أيّ من الدول العربية لهاجت وماجت النخب الحاكمة وأبواقها الإعلامية لتعترض على كيفية تصوير أشخاصها بحيوانات تسكن مزرعة. وربما ستنجح الأبواق الإعلامية باختلاف أشكالها (المسموعة، المقروءة، المرئية) في الحشد ضد التشبيه القصصي، متناسيةً الجانب الأهم في الرواية وهو النقد السياسي الكائن بين سطورها.

لقد عملت الرواية على فضح الممارسات الستالينية التي أفسدت المبادئ الثورية الاشتراكية لكن بشكل غير مباشر، وفي هذا براعة فائقة وحنكة أدبية عميقة، وهي تفوق كثير من روايات العرب، سواء الممنوعة أو المنشورة، التي تنتقد الأنظمة العربية. فالروايات العربية صريحة وواضحة في تناولها، فرجل الشرطة يظهر بصفته واسمه و زيه الرسمي، وهو ما يجعلها محدودة في زمانها ومكان حدوثها.

لقد أجاد أورويل استخدام الرمز، وما يزيد متعة القراءة هو استخدامه للرمز بطريقة ساخرة وجذابة (هذا يذكرنا بالحكيم بيدبا في رائعته كليلة ودمنة). فمثلاً شعار القرن والحافر الموصف في رواية مزرعة الحيوانات يتشابه مع المطرقة والمنجل (الشعار الشيوعي الشهير والمستخدم في الاتحاد السوفييتي). ولأنه كان من الممكن معرفة المقصود من وراء شخصية كل حيوان فقد هذا أزعج هذا الكثير من الماركسيين الذين رأوا أن الرواية قد أضرت بالاشتراكية فكراً و ثورة، لكن أي ثورة هذه التي تضر بها رواية؟ فالثورة هي التي خانت نفسها من خلال ممارسات أقطابها (نابليون وباقي الخنازير) في ظل صمت وخنوع وجهل واستسلام باقي الحيوانات.

ليس دائماً من يفسد الثورات هم أعداؤها، ففي بعضها يكون الإفساد نابعاً من رجال الثورة أنفسهم. وللتأكيد أشير إلى أن انحراف الثورة عن مسارها لا يعد نقيصة أو عيباً في فعل الثورة نفسه، فالثورة ما قامت إلّا لهدم الفساد والطغيان والديكاتورية. لكن النتائج مرهونةٌ بأفعال الثوار ومدى قدرتهم على الحفاظ على المكتسبات التي تحققت. فهل يمكن مثلاً تقبل هذه الرواية عربياً لو أنها كانت تفضح ممارساتٍ فاسدة لأقطاب شاركت في الثورة، وصارت موجودة في السلطة؟ ربما تتقبلها الشعوب تلك التي ما زالت تعاني في سبيل الوصول إلى حريتها المنشودة، سواء من المستعمر الأجنبي الذي احتل دولها، أو حتى المستعمر المحلي الذي اغتصب السلطة والثروة، وربما ستعود الأنظمة القديمة متخفيةً في صورة ثورةٍ جديدة أو في شكل موجةٍ ثوريةٍ مكملةٍ أو تصحيحية.

قد قرأت منذ فترة أنه من بين الخطط الأدبية المقبلة للكاتب الأديب عزت القمحاوي كتابة رواية قد يطلق عليها اسم مزرعة الحيوانات، في محاكاة للراوية الشهيرة للكاتب الإنجليزي جورج أورويل. لكن مشروع القمحاوي سينقد واقع قادة الدول الذين أنتجهم الربيع العربي، ونحن في انتظار صدورها. وليكن خير ختام لنا الآن هو مقولة أورويل: "إن كان التحرر يعني شيئاً فهو الحق في أن تقول للناس ما لا يَوَدُّون سماعه".



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR