العدالة الانتقالية: من بلاد الباسك إلى أوكرانيا

ريبورتاج بقلم سليمان علي سليمان

العدد الثاني - الخميس 22 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تعد العدالة الانتقاليّة من النظم القانونيّة حديثة العهد، وقد غدت عقب التطبيقات المتكرّرة، والصراعات الداخليّة العنيفة التي تجتاح العالم اليوم، محل اهتمام العديد من مراكز البحث والدراسات في مختلف المجالات، القانونيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. وفي هذا الإطار تأسست الجمعيّة الفرانكفونيّة للعدالة الانتقاليّة التي نظّمت أسبوعاً بحثياً كرّس لبحث مبادئ العدالة الانتقاليّة الأربعة، حيث تمّت دراستها ومناقشتها مع العديد من المشاركين المختصين في القضاء والصحافة والطب النفسي والقانون والسياسة. ليتم تطبيق هذه المبادئ على حالة الأزمة الأوكرانية كوسيلة لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في هذا البلد الذي يشهد صراعاً دموياً. شارك كاتب هذه السطور في المؤتمر، وأعد تقريراً خاصاً لدلتا نون عن وقائع الجلسات والمحاضرات التي عقدت في القسم الفرنسي من إقليم الباسك في الفترة بين 28 تموز/يوليو و1 آب/أغسطس 2014.

مقدمة

قد لا يكون هناك أجمل من أن تقضي عطلة الصيف في طبيعةٍ ريفيّةٍ جميلة، حيث تمتزج خضرة غاباتِ جبال شاهقة بسماءَ زرقاء تزيّنها غيومٌ كزبدٍ يطفو على شاطئ. لكن الجغرافيا وحدها قد لا تشبع فضول من يريد اكتشاف المكان بكل تفاصيله. فالتاريخ أيضا جزءٌ من المكان. وإذا كنت تقضي هذه العطلة في إقليم الباسك الشمالي (جنوب فرنسا)[1]، فإن تفاصيل الجغرافيا والتاريخ ستزيد متعة وفائدة إقامتك.

مع ذلك فإن هذه العطلة ليست كسواها، فهي تندرج في إطار مشروع أطلقته الجمعية الفرانكفونية للعدالة الانتقالية[2] لتنظيم ما يعرف بـ جامعة الصيفSummer School - Université d’été ‘ التي تعد شكلاً جديداً في التعليم الجامعي يتجاوز الطرق الكلاسيكية كالمحاضرات والدروس والامتحانات، إلى إدخال مفاهيمَ جديدةٍ في العملية التعليمية، كالدراسة المتعدّدة التخصصات interdisciplinaire لموضوع البحث، وإشراك الطلاب في عمل بحثي تحت إشراف مختصين ما يسمح بتبادل الخبرات والتجارب حول موضوع الدراسة.

ولا شك أن اسم الجمعية يعكس مجال تخصّصها، وكذلك الموضوع المختار للدراسة في أول عمل بحثي تقوم به من هذا النوع منذ تأسيسها نهاية العام المنصرم؛ حيث اختار المنظّمون موضوعاً حديثاً وذا أهميةٍ خاصة في هذا الظرف المتوتر الذي تمر به أكثر من منطقة في العالم كله، ومنه العالم العربي وسوريا، وهو: مبادئ العدالة الانتقالية Les principes de la justice transitionelle.

لقد حظي كاتب هذه السطور بإقامةٍ رائعةٍ بصحبة خبراء ومختصين وباحثين وطلبةٍ مهتمين بالعدالة الانتقالية لمدّة أسبوعٍ كامل في إطار جامعة الصيف التي جرت في جنوب فرنسا في قرية جبلية في إقليم الباسك الشمالي جنوب فرنسا. وقد زاد غنى هذا الحدث مشاركة باحثين ومهتمين من أكثر من عشر جنسيات، من أفغانستان إلى فلسطين المحتلة إلى تونس والجزائر ورواندا والكامرون والكونغو والأرجنتين وكولومبيا وإسبانيا، بالإضافة إلى فرنسا البلد المضيف، وسوريا التي حظينا بفرصة تمثيلها.

يضاف إلى ذلك أن ظروف هذا الحدث زادت من أهميته، فزمنياً يأتي في مرحلة انتقال تشهدها العديد من بلاد العالم لا سيما بلدان ما بات يعرف بـ الربيع العربي وفي مرحلة مخاضٍ يشهده العالم مؤذناً بحدوث تغييرٍ في أحادية القطبية التي سادت لعقودٍ طويلة منذ نهاية الحرب الباردة 1947-1989. وبالتأكيد فإنّ مجرّد ذكر الحرب الباردة يثير في الذاكرة كل الصور السوداء للمآسي التي شهدها العالم في أكثر من مكانٍ كان مسرحاً لهذه الحرب. ولا شك أيضا أن تجارب الانتقال التي شهدتها عدّة بلدان بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في شرق أوروبا أو في أمريكا الجنوبية ساهمت في تشكيل مفهوم العدالة الانتقالية كما نعرفها اليوم. لكننا سنحترز في السطور القادمة من تقديم تعريفٍ أو مفهومٍ واحد للعدالة الانتقالية، التي تعد حتى اليوم موضوعاً غامضاَ وغير واضح المعالم.

وكذا، تزامن هذا الحدث مع الحرب الإسرائيلية الهمجيّة على الشعب الفلسطيني في غزّة، حيث زاد من زخم حضور هذا الحدث الأليم مشاركة زملاءٍ لنا قدموا خصيصاً من فلسطين المحتلة للمشاركة في جامعة الصيف هذه، حيث أثار هذه الحدث تساؤلاتٍ عدّة تتعلق بالاختصاص الدولي الشامل أو الاحتياطي في محاكمة مجرمي الحرب، وكذلك تساؤلات أخرى حول محكمة الجنايات الدولية وعملها.

أما مكانياً، فإن مما هو جدير بالإعجاب اختيار مقر إقامة جامعة الصيف هذه في إقليم الباسك، وتحديداً قرية سان إيتيان بيغوري Saint-Étienne-de-Baïgorry  التي عاشت في مرحلة سابقة عنفاً دامياً قبل أن تنتقل من الحرب إلى السلام ليتم التعامل مع الماضي بتطبيق آليات للعدالة الانتقالية.

ومن ناحية التنظيم، فإن البرنامج المكثّف لدراسة مبادئ العدالة الانتقالية قُسّم إلى أربعة أيامٍ بحثيّة، بدأ كلّ منها بمحاضراتٍ تمهيديّةٍ صباحية قبل الانتقال في فترة ما بعد الظهر إلى التطبيق العملي، ليتم العمل في مجموعاتٍ تبحث كلّ منها في تطبيق آلية العدالة الانتقالية المطروحة على الحالة محل الدراسة وهي الأزمة الأوكرانية، لينتهي اليوم بأمسية يهبط فيها المشاركون إلى القرية الجميلة، ليحضروا في السينما الصغيرة والأليفة مادّةً وثائقيةً أو مونتاجاً وثائقياً يتمحور حول موضوع الدراسة الذي تم اختياره لليوم.

ومن غير شك، كانت فترات الاستراحة والطعام (الذي كان فرصةً لا تفوّت لمعرفة تراث وتقاليد ومطبخ هذا الجزء من إقليم الباسك، لا سيما لحومه ونبيذه وجبنه!) كانت مساحةً في غاية الأهمية للتعارف ولتبادل الآراء حول العديد من النقاط، لا سيما المتعلّقة بالتاريخ السياسي للعديد من البلدان والانتقال الديمقراطي فيها وبرنامج العدالة الانتقالية الذي طبّق لمعالجة آثار صراع الماضي.

وقد اختار المنظّمون الأزمةَ الأوكرانية للبحث فيها وفي إمكانية تطبيق العدالة الانتقالية كحلٍ دائم يمنع استمرار العنف وانتهاكات حقوق الإنسان من جهة، ويحفظ وحدة البلاد السيادية من جهةٍ ثانية، وهي أزمةٌ مركّبة يجتمع فيها المحلي بالخارجي، والتاريخي بالمعاصر، وأزمة الهوية باللغة، والثورة بالعنف.

27 تموز/يوليو: إلى بايون Bayonne

كل شيءٍ طبيعي في القطار المتجه من بوردو إلى بايون حتى تدخل إقليم البيرينيه الأطلسيّ، والواقع كما يشير اسمه في غرب جبال البيرينيه المطلّة على المحيط الأطلسي، وهو أحد الأقاليم المشكّلة لمنطقة آكيتين، ويشمل ما يعرف ببلاد الباسك الشمالية أو الفرنسية والمتصلة بالباسك الإسباني على الجانب الآخر من الحدود. في محطات التوقف العديدة أناسٌ بلباس موحّد الألوان بالأحمر والأبيض يصعدون؛ أمرٌ ما يجري في بايون، إنه يوم اختتام مهرجانات بايون الذي يجري في الأسبوع الأخير من شهر تموز من كل عام. تصل لتجد الحشود الضخمة ومظاهر الاحتفال المنتشرة في كل زاوية، والاستثناءات على اللونين الأبيض والأحمر نادرة. وفي الحال تلاحظ اختلاف الهوية الثقافية واللغوية في المكان. حيث تجد كتابةً أخرى في العديد من اليافطات بلغةٍ أخرى: إنها الباسكية.

جولةٌ قصيرةٌ في المدينة المختلفة، ثم التجمّع بالمشاركين في جامعة الصيف للتوجه جنوباً إلى قرية سان إيتيان بيغوري Saint-Étienne-de-Baïgorry الجبلية حيث سيجري العمل.

ومع الاجتماع بالمشرفين والنقاش لاحقاً مع الزملاء لا سيما الباسكيين والاستماع إلى بعض الشهادات، بالإضافة أخيراً إلى الفيلم الخاص بالباسك والذي سيعرض في اليوم الثالث، تكتشف علاقة المكان بالحدث، ومناسبة اختياره مقراً للبحث في العدالة الانتقالية. فإذا كان الحديث عن الباسك يُحيل إلى الصراع في الباسك الإسباني بين الحكومة والانفصاليين، لا سيما حركة إيتا التي اختارت الخيار المسلّح، فإن إقليم الباسك الشمالي عرف أيضاً مشاكل تتعلّق بالهوية، أو ما يعرف بـ العنف السكاني، وإن كانت تسمية بلاد الباسك Pays de Basque لا تثير اليوم أي تحفّظ.

ففي إسبانيا لجأ جزءٌ من القوميين الباسكيين إلى السلاح لنيل الاستقلال متأثرين بالحركات الثورية في كوبا وفييتنام والجزائر منذ مطلع الستينيات. فتأسست عام 1959 حركة إيتا الانفصالية (إيتا ETA والتي تعني بلاد الباسك والحرية Euskadi Ta Askatasuna) لطلب استقلال إقليم الباسك وإقليم نافارا المجاور. كان اللجوء إلى العنف نتيجة الدكتاتورية الفاشية الإسبانية تحت حكم الجنرال فرانكو الذي طال طغيانه كافة الشرائح الإسبانية، والذي قمع بوحشية كل الانفصاليين والباسكيين الذين وقفوا مع الجمهوريين في الحرب الأهلية، ونتيجة سياسة طمس الهوية واللغة الباسكية. استمر العمل المسلح بعد سقوط حكم الجنرال فرانكو 1975، رغم الانتقال الديمقراطي الذي أقر الحكم الذاتي لسبعة عشر مقاطعة بما فيها الباسك ونافارا، ونفّذت الحركة العديد من الهجمات راح ضحيتها حوالي الألف ضحيّة خلال أربعين عاماً من مطالب الاستقلال.

في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2011 أعلنت الحركة من جانب واحد اعتزال العمل المسلّح، لكنها اشترطت لتسليم السلاح الاستجابة لبعض مطالبها لا سيما بخصوص معتقليها من الناشطين. وتقلّصت مطالب الحركة إلى العفو العام ثم إلى المطالبة بإجراءات فرديّة لتحرير المعتقلين الذين يناهزون الخمسمائة معتقل في السجون الإسبانية والفرنسية.

ورغم تمتّع إقليم الباسك في إسبانيا باستقلال ذاتي واسع منذ عام 1979، حيث أن له مجلسه التمثيلي الخاص واستقلاله الضريبي وشرطته الخاصة كما تعتبر لغة الباسك فيه رسميّة، بالإضافة إلى استقلاليّة في مجالات الصحّة والتعليم والإدارة، فإن آثار صراع الماضي المتراكمة ما زالت عالقة، ما يطرح ضرورة معالجة الملفات العالقة كملف المعتقلين والمصالحة.

أما في الباسك الشمالي الواقع في فرنسا، فقد عرف كذلك العنف ولو بدرجةٍ أقل وبشكلٍ متقطّع. ورغم أن تسمية بلاد الباسك لا تثير أي مشكلة إلّا أن المطلب الرئيس للباسكيين هو إحداث مقاطعة خاصة بالباسك، ما قوبل بالرفض مراراً، حيث يثير الأمر السؤال المحرج للحكومة الفرنسية حول الخصوصيات التي يجب أن تقر للعديد من الأقاليم (كالألزاس، وجزيرة كورسيكا). ورغم تحسّن وضع اللغة والثقافة المحليّة للباسكيين، لكن يبقى هناك المزيد لعمله، ما يُحيل إلى العدالة الانتقالية لإكمال معالجة آثار ما بعد الصراع.

 

اليوم الأول 28 تموز/يوليو 2014: الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية

يجدر بمقدّمة البحث في العدالة الانتقالية أن تتطرق إلى إشكاليتين متلازمتين: سياسية وقضائية، أي تلك المتعلقة بالانتقال الديمقراطي من ناحية، والأخرى المتعلقة بآليات العدالة الانتقالية، وهذا ما كان محوراً لليوم الأول.

لا شكَ أن بيئة تطبيق العدالة الانتقالية هي بيئة استثنائية، ونستطيع القول أن هناك خاصيتين لبيئة تطبيق العدالة الانتقالية، رغم أن لا وجود لقاعدة معيارية تحكم حالات تطبيق العدالة الانتقالية. الخاصية الأولى سياسية، وهي تتراوح بين انهيار الشرعية، أو المساس الجسيم بها بحيث تفقد الثقة بالمؤسسات الحكومية لا سيما المؤسّسة الأمنية والعسكرية التي تمارس الانتهاكات المنهجية والواسعة لحقوق الإنسان مستفيدة من حالة اللاعقاب، وهذه الحالة تتعلق بالنظم الدكتاتورية أو العسكرية[3]، وبين انحلال العقد الاجتماعي وتحوّل الصراع السياسي إلى صراع مسلّح سواءاً وصل الأمر إلى حدود الحرب الأهلية أم اقتصر على حالات العصيان المسلّح[4].

الخاصية الثانية تتعلق بالحالة القضائية في المرحلة الانتقالية، أي بواقع استحالة عمل العدالة العادية لمعالجة آثار الماضي، سواء بسبب ضخامة المهام الملقاة على عاتقها، أو بسبب فساد مؤسسة العدالة وخضوعها للتأثيرات السياسية وعدم الثقة بها، ما يبرّر اللجوء إلى آلياتٍ دوليّة للمساعدة سواء تعلّق الأمر بالجوء للمحاكم الدولية أو لجان التحقيق وكشف الحقيقة الدوليّة.

ولا يرتبط تطبيق العدالة الانتقالية بحجم حالة العنف ومدى الانتهاكات السابقة، فقد يتم إعمالها في وقت مبكّر كحل وسط قبل تفاقم الوضع، ومثال ذلك ما حدث في كينيا التي خرجت من اضطرابات العنف ما بعد انتخابات 2007 بتطبيق آليات العدالة الانتقالية منذ العام التالي 2008 بعد حوالي 1100 قتيل[5]. وقد تتأخر لا سيما في حالات الحروب الأهلية التي تمتد لسنوات عدّة غالباً خصوصاً عند وجود لاعبين إقليميين أو دوليين يطيلون أمد الصراع ومثاله كمبوديا التي انتهى نظام الخمير الحمر فيها بعد تقسيمها عقب الغزو الفيتنامي، قبل القضاء على الخمير الحمر نهائياً عام 1998، لتطبق العدالة الانتقالية في 2005 بعد مليون و700 ألف قتيل[6].

لكن هل من تعريفٍ يطرح للعدالة الانتقالية؟ في الحقيقة أن مسألة التعريف عموماً مسألة شائكة، وعندما يتعلّق الأمر بمفهومٍ غير ثابت وما زال في طوّر التشكّل (وحتى على مستوى المصطلح، فما يزال محل خلاف بين عدالة انتقالية، عدالة ما بعد الصراع، عدالة موقتة، إلخ)، فإن مسألة التعريف تصبح وصفيّة وغير دقيقة. لكننا نلاحظ مع تعدّد التعريفات أن هناك بعض المفاهيم الأساسيّة التي تعبّر عن جوهر العدالة الانتقاليّة وهي: العدالة، الحقيقة، المصالحة، تحقيق السلام، المحاسبة، التعويض، حفظ الذاكرة، منع التكرار، الانتقال إلى دولة القانون، إلخ. لكننا نستطيع القول باختصار أن العدالة الانتقالية هي جملة الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى تحقيق هدفي العدالة والسلام الدائم.

أما خصائص هذه العدالة الأساسية فتتعلّق بظرف تطبيقها، فهي استثنائية، مؤقتة، بطيئة وذات امتدادٍ زمني كبيرٍ نسبياً، مكلفة ومركّبة. كما أنّها تعتبر نوعاً من أنواع العدالة، بل إن البعض يعتبرها مجالاً مركّباً ومستقلاً بحد ذاته يجمع العديد من العلوم كالقانون والسياسة والطب النفسي وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم الإجرام وعلم الضحايا، إلخ. ومن الملاحظ بالنسبة لمكونات العدالة الانتقالية أنّها عدالة مركّبة ومتنوّعة العناصر، فليس هناك نمطٌ واحد للعدالة الانتقالية، لأنّها برنامجٌ مركّب من عدة آلياتٍ يتم اختيارها بما يناسب الحالة المعنيّة. وهي بشكل عام تتراوح بين ثلاثة نماذج وفق التالي:

لكن الخيارات المذكورة لا تعبّر بالتأكيد عن مجمل آليات العدالة الانتقالية، إذ يجب ألا تختزل هذه العدالة بمجرّد العدالة العقابية، ذلك أن ما يميّز العدالة الانتقالية عن العدالة العادية أنّها تربط ثلاثة أزمنة: الماضي الذي تراجعه وتحاسب على الانتهاكات التي ارتكبت في نطاقه، والحاضر الذي تقوم بعمل قطيعة بينه وبين الماضي العنفي والدموي (عن طريق آليات التعويض وإعادة التأهيل)، والمستقبل الذي تبنيه على أساس السلام الدائم (عن طريق آليات المصالحة ودعم الانتقال الديمقراطي ومنع التكرار). إذن فالعقاب، والتعويض، وبناء السلام الدائم ومنع التكرار هي أهداف العدالة الانتقالية.

لكن الأهداف الثلاثة المذكورة لا يمكن أن تتحقّق بدون الحقيقة. فالحقيقة هي مفتاح العدالة والسلام ومقدّمتهما الضروريةً. وهي حقٌّ أساسيٌّ للضحايا يسبق أي حق آخر، ومن هنا نلاحظ أنها عدالة تتمحور بشكلٍ أساسي حول الضحايا قبل الجناة.

وبهذا يمكن حصر مبادئ العدالة الانتقالية في أربعة مبادئ هي: الحق في معرفة الحقيقة، الحق في العدالة، الحق في التعويض، والحق في السلام وعدم التكرار، وهي المبادئ التي كانت محور البحث تباعاً في الأيام التالية، والتي تظهر في الشكل آدناه بصورة مدخل حجرة غسّالة! فالعدالة الانتقالية وسيلة لغسل قذارات الماضي الدموي، ولفتح صفحة جديدة بيضاء لبناء المستقبل.

وتجدر الإشارة إلى أن آليات العدالة الانتقالية ليست مسألة خيار، فهي آليات تتكامل، وتعالج مختلف جوانب العملية الضرورية لتحقيق هدفي العدالة والسلام الدائم. فلا يمكن لعدالة انتقالية أن تنجح دون كشف حقيقة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان أو دون محاسبة مرتكبي الجرائم أو دون تعويضٍ عادل، إلخ. وهذا ما كان محور العمل في الحالة التطبيقية التي تم العمل عليها، وهي إعداد مشروع معلّل لقانون عدالة انتقالية قابل للتطبيق بالنسبة للحالة الأوكرانية التي ستكون موضوع البحث في الأيام المقبلة. وليتم اختتام اليوم بعرض وثائقي التعذيب: الجلادون والضحايا وهو يتعلّق بمسألة في غاية الأهمية لناحية ضرورة المعالجة، بالنسبة للانتهاكات الماضية وبالنسبة لضمان عدم التكرار وهي التعذيب، حيث تم النقاش حول عمل توثيقي يكشف الحقيقة المتعلّقة بالتعذيب في سجون النظام العسكري اليوناني 1967-1974.

 

اليوم الثاني 29 تموز/يوليو 2014: الحقيقة

الحقيقة مبدأ أساسي وجامع في كل تجارب العدالة الانتقالية، فلا عدالة انتقالية بدون إقامة الحقيقة. وهي الحق الأول للضحايا، وضرورة لبناء ذاكرة وطنية يتم من خلالها التصالح مع الذات بمواجهة الماضي وتحمّل تبعاته والاستفادة من تجاربه. وعكس الحقيقة النسيان، وهو أمرٌ بالغ الخطورة على الهوية الوطنية وعلى بناء المستقبل، وهو يشجع بقاء حالة اللاعقاب عن انتهاكات حقوق الإنسان.

والحق في الحقيقة حقٌ مطلقٌ أي أنه لا يقبل التقييد (وبهذا هو يختلف عن الحق في المعلومة Droit à l’information أي الحق بالوصول إلى البيانات الإدارية أو الحكومية والذي يرتبط بواجب الشفافيّة ويتحدّد بضرورات الصالح العام)، وهو من الحقوق غير القابلة للسقوط بمضي الزمن وغير القابلة للتصرّف أو التنازل. وهو حقٌّ فردي وجماعي في آنٍ معاً، أي هو حقٌّ لضحايا مختلف أنواع الانتهاكات ولذويهم، وحقٌّ كذلك للشعب برمته في كشف حقيقة ما جرى في الماضي والمسؤولين عن أحداثه.

لكن أي حقيقة ننشد؟ في الواقع لا وجود لحقيقة واحدة، بل لحقائق عدّة، ونستطيع القول أن هناك ثلاث حقائق: الحقيقة الشخصية (الفرديّة) والحقيقة الجماعية والحقيقة الواقعية.

فالحقيقة قد تتأثر بعوامل شخصيّة تتعلّق بأشخاص الحدث لاسيما الضحايا، أو بعوامل خارجيّة. فالصدمة وجرح الماضي يؤثّر في الذاكرة وبالتالي في عمليّة كشف الحقيقة. لكن هذا يجب ألا يعوق هذه المهمّة، ذلك أن هذه الصدمة والجرح العميق يتوارث مع الأجيال، وسيكون بالتالي عاملاً سلبيا في إقامة السلام وبناء دولة القانون والمواطنة. وكذلك تتأثر عملية كشف الحقيقة بعوامل خارجيّة، موضوعيّة كضياع الأدلة وفناء الشهود، أو إراديّة كالتزييف والتأثيرات السياسية.

أما عن كيفيّة كشف الحقيقة، فمنذ منتصف القرن العشرين عرف العالم تشكيل هيئات مختصة بتطبيق العدالة الانتقالية أطلق عليها اسم لجان الحقيقة[7] Truth Commissions، وهي عبارة عن هيئات موقتة مستقلة وغير حكومية تؤسّس لتقوم بدور التحقّق والتحري والتحليل والتحكيم والاقتراح. فتعمل على إقامة الحقيقة بالتحقّق والتثبّت من الوقائع وسماع الشهادات وتحديد الضحايا والمسؤولين عن الانتهاكات الأخطر لحقوق الإنسان، ثم تحديد حاجات الضحايا. وتقوم هذه اللجان بإعداد تقريرها النهائي المتضمن كشف الحقيقة والتوصيات بخصوص الإصلاحات الممكنة والتعويضات.

وتشكّل هذه اللجان من قبل الحكومة الوطنية سواء أكانت انتقالية أو ثورية أو ائتلافية، وقد تشكل من الأمم المتحدة التي تشرف على العملية الانتقالية في إطار عملية سلام شامل كما في السلفادور وهاييتي. ولجان الحقيقة هي الأكثر شيوعاً والأكثر فعالية في تطبيق العدالة الانتقالية.

وقد تم التركيز في هذا الإطار على جانب مهم من جوانب كشف الحقيقة، وهو الحق في معرفة مصير المختفين قسرياً، وهو ملف في غاية الأهمية من الناحية الإنسانية، لإعادة المفقودين إلى ذويهم أو على الأقل لكشف مصائرهم وتحرير ذويهم من قيد الذاكرة والاحتمالات. ومن الناحية العمليّة لضمان نجاح عملية العدالة الانتقالية بغلق هذا الملف وتجاوز أحداث الماضي. فالاختفاء القسري من أهم عقبات إقامة الحقيقة، ونستطيع القول أن لا حقيقة فعّالة دون أن تكشف مصير المفقودين والمخطوفين.

كما تم التطرّق إلى موضوع الأرشفة، والحق في الوصول إلى البيانات المحفوظة، وهو حقٌ متفرّعٌ عن الحق في المعلومة وهو من حقوق الإنسان المكرّسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. ليتم الانتقال بعدها إلى التطبيق العملي، حيث كُلّف المشاركون بتشكيل لجان للحقيقة والمصالحة في أوكرانيا، وتم إخضاعهم للعديد من الحالات المتعلّقة بالاستماع إلى شخوص الحدث الأوكراني من مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان ومن ضحايا هذه الانتهاكات. بهدف كشف حقيقتها. وفي هذا التدريب تعرّف المشاركون على تقنيات كشف الحقيقة وأسلوب عمل لجان الحقيقة في الحالات المختلفة.

وانتهى اليوم الثاني بعرض ونقاش فيلم رواندا: عشرون عاماً بعد الإبادة الذي يوثق جانب المحاكمات في برنامج العدالة الانتقالية الذي طُبّق عقب الإبادة، والذي تمحور بشكلٍ رئيس حول محاكمة المجرمين أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا TPIR.

 

اليوم الثالث 30 تموز/يوليو 2014: التعويضات

العدالة الانتقالية نظامٌ قانونيٌّ خاص يربط بين مرحلتي الصراع والسلام الدائم، ولهذا فهو لا يُعنى فقط بالماضي لكشف حقيقة الانتهاكات التي حصلت، بل يتوجه أيضاً إلى المستقبل الذي يجب أن يُبنى على أسسٍ سليمة تمنع تكرار تجربة الماضي. وفي هذا الإطار تندرج التعويضات كأساس لا بدّ منه لتحقيق المصالحة والسلام.

وإذ يتساءل الفيلسوف الأمريكي جون راولز John Rawls: "ما معنى الحريّة لمن لا يملك شيئاً؟" فإننا نستطيع أن نتساءل بدورنا، ما معنى العدالة دون تعويض الضرر؟ بمعنى أن تكريس نظام العدالة لأي قيمة مهما كانت سامية كالحرية غير كافٍ بذاته دون ضمان حق الملكية وصيانة هذا الحق. وهذا يتضمن إقرار مبدأ المسؤولية وتعويض الضرر. وفي هذا الإطار تعتبر آليات التعويض في إطار العدالة الانتقالية أمراً أساسيّاً لا يمكن الاستغناء عنه.

ويعد تعويض ضحايا الانتهاكات حقاً للضحايا والتزاماً على الدولة، وهو حق فردي وجماعي في ذات الوقت، ويتضمن التعويض عن الضرر المادي والجسدي والنفسي والمعنوي.

وطبيعة الانتهاكات الشاملة لحقوق الإنسان تفرض شكلاً مختلفا من التعويض يختلف عما هو متّبع في العدالة العادية التي تقوم فيها السلطات القضائية بإقرار تعويض المتضررين وفق قواعد المسؤولية المدنية. فخاصيّة العمومية، أي شمول الضرر لأعداد كبيرة من الضحايا، بالإضافة إلى ترافق الضرر الفردي بالجماعي وتنوّع أشكال الضرر، تقتضي اللجوء إلى برامج تعويض متكاملة ماديّة وغير ماديّة، فرديّة وجماعيّة، وهو ما يقدَّم عن طريق الجهاز الإداري لا القضائي في الدولة.

ولهذا التفريق أهميته، فالطريقة القضائية ضيقة لناحية إقرار من يستحق التعويض، وقواعد المسؤولية المدنية تقتضي إثبات عناصرها وهي الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما. أمّا الطريقة الإدارية فأكثر مرونة واتساعاً لناحية تحديد مستحقي التعويض. كذلك تختلف الطريقتان في أنواع التعويض المقترحة، فبرامج التعويض تتضمّن خيارات أوسع، لا سيما في مجال التعويض المعنوي وإعادة التأهيل.

بالنسبة للتعويض المادي، فهو يبدأ برد الأموال والملكيات، مروراً بتعويض الخسارة بمقابل، نقدياً كان (سواء كان دفعةً واحدة أو دوريةً في صورة مؤقتة أو دائمة) أم عينياً (كتقديم مساكن بديلة، أو إيجاد فرص عمل على سبيل المثال). وشكل هذا التعويض ليس فردياً فقط، بل قد يكون جماعياً بإنشاء وضعٍ قانونيٍّ خاص لمجتمع الضحايا عن طريق تقديم خدماتٍ معينة كالسكن والصحة والتعليم والنقل بشكل مجاني أو بأسعار مخفّضة، أو بمنح امتيازات معينة أو إعفاءات ضريبة. وكما نلاحظ، فإن مروحة الخيارات واسعة، ولا أفضلية لخيارٍ على آخر، وتبقى مسألة المناسبة والاختيار للجهة المسؤولة عن برنامج التعويضات، والتي يجدر بها التواصل مع الضحايا وإشراكهم في عملية اتخاذ القرارات.

أما بالنسبة للتعويض المعنوي فهو ذو أهميةٍ خاصة في عملية معالجة آثار الصراع النفسية، وله دورٌ هام في منع تراكم الأحقاد التي قد تشعل فتيل الصراع مجدّداً. وتقوم فلسفة هذا التعويض على عملية تبديل الوعي الفردي بالتضحية إلى وعي وطني وجماعي؛ أي أن تُمحى فكرة الضحية الفردية أو الفئوية لصالح فكرةٍ أخرى تتجاوز الأحكام الكليّة والمسبقة: أنا/نحن الضحية وهو/هم الجناة، فيما يشكل ما يمكن تسميته بمجتمع الضحايا، مقابل مجموعة المسؤولين والجناة.

أما من الناحية التقنية، فالتطبيقات تكشف العديد من الخبرات والوسائل لتحقيق أهداف التعويض المعنوي، والأمثلة كثيرة كتحديد يومٍ وطني لإحياء ذكرى الضحايا، أو إقامة مراسم سنوية معيّنة، أو إنشاء متاحف السلام أو النصب التذكارية أو أمكنة الذاكرة، أو تقديم اعتذار رسمي، أو تخليد الضحايا وردّ الاعتبار لهم بتسمية الأماكن العامة بأسمائهم، والقائمة مفتوحة على مبادرات واقتراحات أخرى لتحقيق ذات الهدف.

وعدا التعويضين المادي والمعنوي، هناك تعويضٌ لا يتعلق بخسارةٍ مادية أو مساسٍ بالاعتبار والقيم المعنوية الأخرى، وهو تعويض الضرر الجسدي والنفسي. فالصراعات المسلّحة تخلّف أعداداً هائلة من أصحاب الإعاقات والتشوهات الجسدية والنفسية، وهي ترتبط بشكلٍ أساسي بجرائم تجنيد الأطفال والعنف الجنسي ضد المرأة والطفل (وهي الفئات الأضعف والأكثر تأثرا بالصراعات المسلحة).

وتطرح آليات التعويض مشاكل عدّة أهمها مشكلة التمويل. فمرحلة ما بعد الصراع تكشف عن كمِّ الخسارة وكلفتها، وترتب التزاماتٍ واستحقاقاتٍ مرهقة للدولة، كإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية. كما تطرح هذه المشكلة مسألة تحديد مستحقي التعويض، وتحديد صفة الضحية.

بقيت الإشارة إلى أن آلية التعويضات في إطار العدالة الانتقالية تطرح العلاقات المتعدّدة الأوجه لهذه العدالة بالعلوم الأخرى، كالطب النفسي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم الإجرام وعلم الضحية، بالإضافة إلى الاعتبار الذي يجب أن يراعى بخصوص الدين والتقاليد والثقافة المحلية في بيئة الصراع. كما تلعب وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني دوراً هاما في مجال التعويض المعنوي ودعم المصالحة.

وفي هذا الإطار شكّل وثائقي بلاد الباسك: باتجاه إنهاء العنف الذي عُرض في ختام اليوم الثالث مثالاً ممتازاً لتطبيق العدالة الانتقالية، ومواجهة الماضي والتعامل معه.

 

اليوم الرابع 31 تموز/يوليو 2014: العقاب وضمان عدم التكرار

لا بد من فهم العدالة الانتقالية بشكلٍ متوازن، فمضمونها لا ينطوي على عدالةٍ تعويضية أوعلى عدالةٍ جزائية بشكلٍ حصري. فالمساران متلازمان. وقد كُرِّسَ هذا اليوم لآلية المحاسبة، ومناهضة اللاعقاب ومنع تكرار الانتهاكات، وهذا يندرج ضمن حقّين هما الحق في العدالة والحق في عدم التكرار، أو لنقل: الحق في السلام الدائم.

أما بالنسبة للحق في العدالة فهو ينطوي على محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وهو التزامٌ دولي على كافة الدول بمناهضة حالة اللاعقاب عن انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وهذا الحق هو المقابل للنسيان، أو للعفو الشامل، الذي يترك آثاراً سلبيةً للغاية تؤدي لاستمرار بيئة الصراع وتهدّد بتجدّده.

وتقدّم التطبيقات في أكثر من بلد أمثلةً متنوّعةً لناحية الاختصاص القضائي، ففي بعض التجارب تم اللجوء إلى العدالة الدولية بإنشاء محكمة جنائية دولية خاصة TPI، أو بالإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية CPI. ولهذا الاختصاص سلبياته (كالكلفة المادية الضخمة، والبطء في المحاكمات، وقلّة الأحكام الصادرة، واتباع إجراءات النظام القضائي الأنغلو-أمريكي)، وإيجابياته (كتأمين محاكمة عادلة وغير مسيّسة). وفي بعض التجارب عُهد باختصاص النظر في انتهاكات المرحلة السابقة للقضاء الوطني أو المختلط (كما في كمبوديا حيث أسست الغرف الاستثنائية التي تضم قضاةً وطنيين وأجانب في هيئاتها).

أما من الناحية الموضوعية تطرح العدالة العقابية العديد من التساؤلات والصعوبات، كغياب التحقيقات والأدلة لا سيما الشهادات أو صعوبة إجراءها (لسبب مادي كطمس معالم الجريمة، أو قانوني كعدم وجود نظام قانوني فعّال لحماية الشهود، أو تقادم الجرم، أو مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية الجديدة، فضلاً عن الحصانات واللجوء السياسي والتذرّع بواجب الطاعة للرؤساء).

لكن يبقى التحدي الأكبر في إنجاز عملية العدالة الانتقالية بشقها المتعلّق بالمحاسبة هو آليات العفو العام والصفح، أو العفو الخاص عندما تستخدم بذريعة المصالحة، وهي آلياتٌ خطيرة قد تؤدي إلى فشل تطبيق العدالة الانتقالية بتأكيدها حالة اللاعقاب. إذ يعتبر العفو آليةً قضائيةً خاصة تهدف إلى إنهاء إمكانية أو تعطيل آثار الملاحقة القضائية بالنسبة لمجموعة معينة من الأشخاص وبالنسبة لجرائم محددة. وهو يختلف عن الصفح أو العفو الخاص في أن الأخير يُمنح بصفةٍ فردية لا جماعية، كما أنه لا يكون إلا بعد الحكم (في حين أن العفو قد يصدر بعد الحكم فيوقف أثره، أو قبل الحكم فيوقف الملاحقة القضائية).

 ويشجع البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف 1977 في المادة 6 الفقرة 5 على العفو في الصراعات الداخلية المسلحة فينص على أنه: "تسعى السلطات الحاكمة -لدى انتهاء الأعمال العدائية- لمنح العفو الشامل على أوسع نطاق ممكن للأشخاص الذين شاركوا في النزاع المسلح أو الذين قيدت حريتهم لأسباب تتعلق بالنزاع المسلح سواء كانوا معتقلين أم محتجزين" وكما نلاحظ فإن هذا النص يتعلق بمرحلة ما بعد النزاع الداخلي المسلح، ويتعلق بالجرائم العادية لا جرائم القانون الدولي الإنساني كما توضّحه الفقرة الأولى حول نطاق تطبيق المادة بالقول: "تنطبق هذه المادة على ما يجري من محاكمات وما يوقع من عقوبات جنائية ترتبط بالنزاع المسلح".

أما بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فقد صدرت العديد من الإعلانات غير الملزمة من الأمم المتحدة التي ترفض العفو عن الجرائم المتعلقة بحقوق الإنسان. كما أصدرتْ عدةُ هيئاتٍ دولية موقفاً مناهضاً للعفو عن هذه الجرائم كموقف المحكمة الأمريكية (لدول أمريكا الوسطى والجنوبية) لحقوق الإنسان من قانون العفو في البرازيل عام 1979. كما أن المحاكم الوطنية قد تبطل مفعول قوانين العفو بإعمال قاعدة تسلسل القوة الملزمة للقواعد القانونية، بالاحتجاج بالاتفاقيات الدولية أو بالنصوص الدستورية لإبطال العفو أو الحد من آثاره، وهو ما قامت به مثلاً محكمة استئناف سانتياغو في تشيلي عام 2003 عندما أكّدت إدانة خمسة ضباط بجرائم لا تقبل العفو Inamnistiable بموجب الاتفاقيات المصدّقة في تشيلي، وكما حدث بالحكم بـ لا دستورية قانون أرجنتيني يحمي عسكريي الرتب الدنيا من المحاكمات، ويضيّق النطاق الزمني للانتهاكات القابلة للمحاكمة.

ويلعب المجتمع المدني بهيئاته المختلفة دوراً هاماً في منع استمرار اللاعقاب، لا سيما جمعيات الضحايا وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان بالإضافة إلى الناشطين في المجالين الإنساني والحقوقي، حيث تؤدي جميعها دوراً هاماً في كسر الصمت وتشجيع الضحايا على كشف الحقيقة والتغلّب على الخوف. كما تساهم عن طريق التواصل مع وسائل الإعلام في تشكيل رأي عام ضاغط على الحكومة في سبيل دفع عجلة العدالة لكشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين.

أما فيما يتعلّق بمنع تكرار الانتهاكات، أو ما أسميناه الحق في السلام الدائم، فهو محصّلةٌ للمصالحة التي تتوقف بدورها على جديّة عملية العدالة الانتقالية، أي نجاحها في كشف الحقيقة التي تحقّق هدفين: ردّ كرامة واعتبار الضحايا بالاعتراف بتضحياتهم، وتوضيح الحقيقة التاريخة المتعلّقة بالفترة الزمنية التي جرت فيها الانتهاكات والجرائم. كما تتوقّف هذه المصالحة، وبالتالي ضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان، على جديّة محاكمة المسؤولين عن الجرائم وفعاليّة برامج التعويض المختلفة وسرعتها، ذلك أن نجاح هاتين الآليتين يزيل الاحتقان ويمنع تراكم الأحقاد أو إعادة إنتاج بيئة الصراع في المستقبل. وأخيراً، يرتبط ضمان عدم تكرار انتهاكات وجرائم حقوق الإنسان بالإصلاح المؤسساتي للأجهزة التي ساهمت بارتكاب هذه الانتهاكات، وبتحقيق الانتقال إلى دولة القانون التي تحترم قيم ومبادئ حقوق الإنسان.

وفي سياق الحديث عن آلية المحاسبة في العدالة الانتقالية، قام المشاركون بمحاكاة محاكمةٍ لقادة ميليشيات ولضباط أوكرانيين أمام محكمة جنائية دولية خاصة بأوكرانيا، وذلك في إطار عملية شاملة للعدالة الانتقالية كمخرج للأزمة في هذا البلد، حيث قُدّمت مرافعاتٌ حاول بها فريقا الادعاء والدفاع تكييف الأحداث محل البحث وتقديم الادعاءات أو الدفوع المناسبة للإدانة أو لدفع الاتهامات.

وفي ختام يوم العمل الرابع، تم عرض الفيلم الفرنسي زولو Zulu إنتاج عام 2013، الذي تدور أحداثه في جنوب إفريقيا، ويتحدث عن مرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري، وتطبيق العدالة الانتقالية عن طريق لجنة الحقيقة والمصالحة التي أثارت الحساسية بين الضحايا ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وهو يتناول مواضيع الندم والصفح والعنف والانتقام، حيث أن اللاعقاب يولّد الشعور بالخيبة، والمواجهة بين ضحايا الأمس وجلاديه مما يُحيل إلى العدالة الذاتية لتحصيل الحقوق.

 

اليوم الخامس 1 آب /أغسطس 2014: خاتمة

في نهاية أسبوعٍ كثيف، تم خلاله سبر آليات العدالة الانتقالية ومقاربة العديد من تجاربها، وتطبيقها عملياً على الأزمة الأوكرانية، كان لا بد من جائزة صغيرة يحظى بها المشاركون كتتويج لعمل جماعي وفردي شيّق. وهذا ما كان بالانتقال إلى الضفّة الأخرى لإقليم الباسك، إلى إسبانيا، وبالتحديد إلى مدينة سان سيباستيان أو دونوستيا Saint Sébasian - Donosti. حيث قمنا بزيارة لمجلس مقاطعة غيبوثكوا Diputación Foral de Gipuzkoa، وفيها كانت محاضرة الختام القيّمة التي قدّمها المستشار في محكمة استئناف فرساي سيرج بورتيلليSerge Portelli  صاحب الأعمال العديدة في مجال العدالة وإصلاحها.

ليست هناك حقيقةٌ، والعدالة غير موجودة! هذه الخلاصات تتصل ليس فقط في فهمنا للحقيقة والعدالة، بل وفي الواقع الذي يفرض نفسه ويجبرنا على تغيير نظرتنا باستمرار لكل بناء فكري. وإذا كانت العدالة نظاماً عقلانياً لإدارة المجتمع، فإن هذا النظام يتشكّل وفق طبيعة هذا المجتمع تشكّل الماء في الإناء، ليس فقط لناحية القيم التي يتبناها ويقوم بتكريسها وحمايتها، بل لناحية مرونته وتكيّفه مع الظروف الواقعية أيضاً، وهي الظروف التي أدت لخلق عدالةٍ استثنائية كالعدالة الانتقالية، التي يحق وصفها بـ عدالة الحد الأدنى.

وكأنما جاء ذلك مثالاً مؤكِّداً للنقصان وعدم الكمال في هذه العدالة، تطالعك في العديد من مقاهي مدينة سان سيباستيان صورٌ معلّقةٌ مع عباراتٍ بالباسكية تسعفنا إحدى زميلاتنا بترجمتها: "إنهم معتقلون باسكيون على خلفية أحداث الماضي، مجرمون بنظر من يعتقلهم، وأبطالٌ في عيون مواطنيهم، وكأن العدالة الانتقالية تظهر لنا عجزها عن فعل كلّ شيء".

تتجوّل في كورنيش المدينة الساحليّة الجميلة لتلتقي بتمثالٍ لأيقونة إسبانيا: دون كيشوت Don Quixote برمحه المكسور يصحبة رفيق دربه سانشو بانزا Sancho Panza يتجولان في عالمٍ يعمُّه الابتذال والاضطراب وانهيار القيم، في محاولةٍ للترميم وتأكيد قيم الفرسان النبيلة. لكن هل يكون نصيبُ هذا النظام القانوني في تحقيق هدفي العدالة والسلام نصيب دون كيشوته في محاربته لطواحين الهواء أو في لقاء دولسينيه Dulcinea المتوهَّمة؟ لسنا ندري!

ومع هذا الكم من الأفكار التي تموج، والتي تكثّف الماضي والحاضر والمستقبل، تبقى سوريا في محور الاهتمام، وهي التي تعد اليوم إحدى أكبر بؤر التوتر في العالم، والإسقاط الذي تم خلال أسبوع العدالة الانتقالية هذا على الأزمة الأوكرانية يمكن أن يتم كذلك على الأزمة السورية.

أيُّ مستقبلٍ للعدالة الانتقالية في سوريا؟ قد نحاول الإجابة على هذا التساؤل في مناسبة لاحقة.

 


[1]  إقليم الباسك منطقة جغرافية تشمل اليوم مناطق داخل فرنسا وهو ما يعرف بالباسك الشمالي، ومناطق في إسبانيا وهو الباسك الجنوبي، وهو إقليم واسع بمساحة 20 ألف كلم مربّع يمتد عبر جبال البيرينيه الفاصلة بين البلدين حتى خليج بسكاي في الغرب. وهو موطن شعب الباسك -حوالي 3 مليون- الذي يتحدث لغة متميّزة عن الفرنسية والإسبانية هي لغة الباسك.

[2]   الجمعية الفرانكفونية للعدالة الانتقالية Association Francophone de justice transitionelle المؤسّسة فيBayonne  جنوب فرنسا منذ كانون الثاني/ديسمبر عام 2013 من قبل باحثين مختصين في العدالة الانتقالية هما البرفسور جان بيير ماسياس Jean-Pierre Massias  والبروفسور خافيير فيليب Xavier Philippe بهدف تعزيزها عن طريق النشر وتنظيم الدورات البحثية والمحاضرات والتعاون مع كافه الهيئات والمنظمات المختصة في هذا المجال.

[3]  كحالة تونس ومصر، وكحالة ميانمار التي خضعت لحكم العسكريين لخمسين عاماً حتى 2011؛ وإندونيسيا تحت حكم الجنرال سوهاترو 1965-1998 و كينيا التي عاشت اضطرابات عنيفة عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2007.

[4]   كالحرب الأهلية في سيراليون التي دامت 10 سنوات حتى 1999، والحرب الأهلية في ليبيريا التي دامت 14 عاماً حتى 2003، وفيها تم انتخاب السيدة إيلين جونسون سيرليف عقب العملية الانتقالية في 2005 كرئيسة للبلاد وهي أول امرأة في هذا المنصب في القارة الافريقية.

[5]  الأرقام مأخوذة من الموقع الرسمي للمركز الدولي للعدالة الانتقالية على الإنترنت، الرابط: http://www.ictj.org/ .

[6]  المرجع السابق.

[7]  تجدر الإشارة إلى ضرورة التفرقة بين لجان الحقيقة ولجان كشف الوقائع، فالأولى لا تتعلّق بحادث واحد بل بحقبة زمنية كاملة تشمل كل الانتهاكات من أي نوع والتي ارتكبت خلالها، وهي كذلك ذات مهمة أعقد، فكشف الضحايا والجناة بالنسبة للتحقيق في وقائع معينة أمر أبسط منه في عمل لجان الحقيقة حيث أعداد الضحايا والجناة أكبر وحيث قد ينقلب الضحايا جناة في مرحلة لاحقة، وكذلك تختلف اللجنتان في أدوات العمل، فلجان الحقيقة بخلاف لجان إقامة الوقائع تتعدى الطرق التقليدية في التحقيق، وأخيرا تبحث لجان إقامة الوقائع في الحقيقة الواقعية وتصدر تقريرها بخصوصها، في حين تتعدى لجان الحقيقة هذا الدور إلى مهام أخرى، كاقتراح إصلاح مؤسساتي معيّن أو إجراءاً للتعويض إلخ.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR