عن الإسلام الشامي وقولبة الهوية

دراسة بقلم سليمان علي سليمان

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

أفرزت الأزمة انكشافاً على صعيد الهوية السورية، تمثّل بظهور الشروخ العميقة فيها، لا سيما بتجلياتها المتعلّقة بالعنف والاستقطاب الطائفيين وانتشار الحركات المتطرّفة والجهاديّة. كما أدت إلى انفصالٍ بين ما يمكن تسميته بالإسلام الرسميّ والإسلام الشعبي، حيث أن وسائل الضبط والسيطرة المتمثّلة بالمؤسسة الدينية الرسمية لم تفلح في منع الانفجار أو ضبط تحوّلاته. وفي ظلّ هذا الواقع، برز تفسيرٌ يندرج ضمن الإطار العام الذي يشخّص الأزمة السوريّة بحصرها بالعامل الخارجي، من مؤامرةٍ أو عدوانٍ خارجي، وهو إحالة ظواهر الطائفيّة والتطرّف والإرهاب إلى عدوى طرأت على الهويّة الوطنيّة بمكوّنها الديني الإسلامي الشامي المعتدل. نحاول في هذه الصفحات تقديم هذا الطرح، ونقده لناحية طرح إسلام الآخر الوهابي-الإخواني كسببٍ للظواهر المذكورة وبالتالي لهشاشة الهويّة الوطنيّة، ولناحية إعادة قولبة الهويّة الوطنيّة من جديد بإعادة تقديم الإسلام الشامي المعتدل عبر ما سُمي فقه الفتنة. وسنرى أن محاولة الاستدراك هذه، عبر إعادة تأكيد المحليّة-الوطنيّة على القوميّة-العربية للمكوّن الديني في الهويّة الوطنيّة، لعزل الداخل عن المؤثرات الخارجيّة كجزء من حل الأزمة، هي محاولةٌ جديدة لقولبة الهويّة السوريّة وسجنها من جديد.

((الأمويون ليسوا سوريون[1]، بل هم قريش أي سكان الصحراء ولو كانوا قادرين على بناء الحضارة في مكة لما أتوا إلى الشام. مَن بنى الحضارة الأموية هم السوريون أو الدمشقيون))، عبارة ذكرها الرئيس السوري بشار الأسد في حديثٍ توجّه به إلى رجال الدين والدعاة الذين التقى بهم بتاريخ 23/04/2014[2]. وهو تعبيرٌ بصياغةٍ مختلفة لمصطلح بدأ يشيع في الآونة الأخيرة وهو الإسلام الشامي[3]  كمقابل للإسلام الطائفي الخليجي وللإسلام السياسي المصري. فما هو هذا الإسلام الشامي، أو إسلام بلاد الشام، كما يقدَّم؟

يقولون أنه إسلامٌ وسطيّ، بخلاف الإسلام الخليجيّ الطائفيّ والصداميّ والمشبع بفكرة العداء لإسلام الضفة الأخرى من الخليج أي للإسلام الشيعيّ في إيران[4]. وبخلاف إسلام مصر كذلك، وهو -كما يزعمون- الإسلام الذي انخرط في السياسة، وقام على الفصل بين العروبة والاسلام جاعلاً من الأخير أساسَ هذه القومية العابرة للحدود. ثم ينتهون إلى أن الإسلام الشاميّ الوسطيّ، وبسبب تأقلمه مع البيئة متعددة العقائد والإثنيات في سوريا، هو الوصفة المناسبة للتخلص من الإسلامويين و"الإسلام الدموي" كما شرحها الرئيس الأسد في حديثه.

بتحليلٍ دقيق لهذه الرؤية التي تحاول بظاهرها أن تقدّم تفسيراً لظواهر العنف الطائفي والجهاديّة والإرهاب، وبباطنها أن تؤكّد قراءتها للأزمة في سوريا على أنّها من إنتاج الآخر، نعتقد أن هناك مغالطتين. المغالطة الأولى هي تلك التي تتعلّق بتشخيص الأزمة وتختزلها بالعامل الخارجي، والمتمثّل هنا بـالعدوى -وفق تعبير الأسد- التي انتقلت من الإسلام الخارجي إلى الإسلام المحلي. أما المغالطة الثانية فهي تلك المتعلّقة بالحلّ المطروح للمشكلة، والمرتبطة بالمكوّن الديني للهوية الوطنيّة، وهو ما يسمونه بــ "الإسلام الشامي".

 

1- أزمة بعاملٍ واحد؟

بالنسبة للمغالطة الأولى، لا ندري إن كان بالإمكان تسجيل نقطةٍ إيجابيةٍ لهذا الطرح فيما يتعلّق باعترافه بمشكلة الهويّة كعاملٍ أساسيّ في الأزمة الحالية، وبشكلٍ خاص للمكوِّن الدينيّ الإسلامي بالتحديد في هذه الهوية. لكن الأكيد، وهو ما يتجاوزه هذا الطرح قصداً، أنّ الأزمة تتجاوز بأبعادها ومسبباتها أزمة الهويّة، وهي أزمةٌ مركّبةٌ تتداخل فيها عوامل متنوعةُ الطبيعة، سياسية واقتصادية واجتماعية، ومتعدّدة المصادر محليّة وإقليميّة ودوليّة.

ويندرج بالتأكيد تحت العامل المحليّ في إنتاج الأزمة واقع التصحّر السياسي وغياب الحريات العامة من جهة، مترافقاً مع سياساتٍ اقتصاديةٍ عقيمة، فصلت النمو عن التنمية، وجعلت من الأول في مقدمة اهتماماتها من جهةٍ ثانية. حيث لم تترافق اللبرلة الاقتصاديّة قاسية النتائج والآثار مع لبرلةٍ سياسيّة وإطلاقِ حريّاتٍ يتيح المشاركة في صناعة القرار والتنفيس عن الغضب إزاء آثاره، ما أدى إلى محاصرة الفئات الأكثر ضعفاً، والمتضخّمة باستمرار، وإجبارها على تجرّع النتائج بصمت. وهو ما كان سيستنفذ بطبيعة الحال طاقة الاحتمال وصولاً إلى انفجار الفقاعة.

وإذا ما شُبّهت الأزمة في سوريا بالحريق، فإن هذه العوامل الداخليّة بامتياز من سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة باجتماعها قد هيّأت لبيئةٍ قابلةٍ للاشتعال في أيّ لحظة، في بيئةٍ موسومةٍ بهشاشة الهويّة الوطنية والتي تمثّل الأكسجين الذي تنفّست منه النار ومنعت إمكانيّة إخمادها.

مع ذلك، فإن طرح إشكالية العلاقة بين الإسلام والمجتمع من ناحيةٍ أولى، والقول أن الحالة المجتمعيّة الصداميّة أو الطائفية هي نتيجة إسلام الآخرين، أي الإسلام الخليجي السنيّ المستنفر ضد إسلام إيران الشيعي، وطرح إشكالية العلاقة بين الإسلام والسياسة من ناحيةٍ ثانية، والادعاء أن حالة الصراع السياسيّ العنفيّ هي نتيجة لإسلام الآخرين، أي الإسلام الإخواني، كل هذا يمثّلُ محاولةً لرأب الصدع الذي حصل بفعل الأزمة بين الإسلام الرسميّ الذي فرضته الدولة طيلة عقود، وبين الإسلام الشعبي. فلا معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم، ولا اللوبي السنيّ الشامي-الحلبي، قد أسعف النظام القائم في احتواء الحريق الذي تراكمت أسبابه بحيث لم يعد صمّام الأمان التقليديِّ قادراً على ضبط طاقته.

وربما يؤكد مقولتنا هذه أن بيئة الانتفاض على السلطة، أو الخروج على الإسلام الرسمي -إذا أردنا مسايرة الطرح الـمُعالَج هنا والذي يرى أن عامل الأزمة الحاسم هو هوياتي ديني، إسلامي، سنّي، خارجي- هي بيئة الإسلام السنيّ السوري الهامشي، في حين أن دمشق المركز أو دمشق الصغرى، وحلب المدينة دون أريافها وملحقاتها، قد بقيت وفيّةً للحالة القائمة لوقتٍ طويلٍ منذ بداية الأحداث[5].

لكن لنذهب أبعد في هذا الطرح، ولنتساءل عن السبب الذي يجعل مؤيدي هذا التشخيص للأزمة، والذي يفسّر ظواهر العنف والتطرّف والطائفيّة بعنصر الانتماء الديني المذهبي المتضخّم، يحصرونه بالانتماء الإسلامي دون المسيحي، وبالإسلامي السنّي دون الأقلّوي، على رغم أن الأخير مهمّش تهيمش السنيّة الهامشيّة أي غير الشامية-الحلبيّة أو الرسميّة، ولا سيما أنّه قد يكون عرضةً للابتعاد عن النواة، والتأثر بإسلامٍ آخر بالنسبة للطوائف الشيعيّة، وكذلك التأثر بالمارونيّة السياسيّة[6] بالنسبة للأقليات المسيحيّة، على الأقل عبر تأييدها للسياسات الغربية؟

ربما يكون طرح "الإسلام الشامي" كحلّ لمشكلات التطرف والإرهاب بعزل تأثيرات إسلام الآخرين (الوهابي-الإخواني) لم يتناول الأقليات الإسلامية، لسببٍ مفاده أن ما يربط السنيّة السورية بالنظام هو الإسلام الرسمي، أي المؤسسة الدينية الرسمية، واليوم نرى ازدواجيةً نتيجة الانشقاق الذي تباعد فيه الإسلام الشعبي عن الرسمي. لكن لا وجود لذات الازدواجية عند الأقليات الإسلامية وغيرها بين دين رسمي وشعبي، بل هناك تديّنٌ مضبوط بآلية الخوف، وهذا ما يربطها بالنظام لا بالمؤسسات الدينية الخاصة بها[7].

هنا تنكشف أبعاد هذا الطرح، فهو يهدف إلى تقديم الأزمة على أنّها حالة عدوى تعرّض لها الدمشقيون ما شكّل البيئة الحاضنة للإرهاب، وأسّس للعنف الدموي، وهي في ذات الوقت استهدافٌ خارجيٌّ من الإسلام الآخر الوهابي-الإخواني للإسلام الشامي الوسطي. ولهذا فعلاج الأزمة هو بتأكيد هذا الإسلام الوسطي في مواجهة الإسلام العنفي الطائفي والإسلام السياسي، وتقويم الجانب من الإسلام الشعبي الذي تأثر بهذه الهجمة.

لكننا إذ نعتقد أن هذا التحليل مضلِّل، فإننا لا ننكر أمرين؛ أولهما هو أثر العامل الخليجي المادي والفكري في نشر التطرّف والعنف الطائفي في وقتٍ مبكّر[8] (وقد ذكرنا أعلاه أن الأزمة مركّبة بين المحلّي والإقليمي والدولي)، وثانيهما أنَّ البيئة التي شهدت انكشاف الحالة الوطنية وهشاشتها هي بيئة الإسلام السني الهامشي، التي كانت منفعلةً بشكلٍ أكبر مع العامل التحريضيّ الخارجيّ. ولهذا أسباب عدّة أهمها:

-              العمالة السوريّة في الخليج.

-              الامتدادات العشائريّة مع قبائل شبه الجزيرة العربية.

-              عامل الحساسيّة الطائفيّة في بعض المناطق.

-              الهجرات الريفيّة إلى المدينة.

-              بالإضافة لعوامل أخرى عامّة تشمل كلّ السوريين، كالعوامل السياسيّة والاقتصادية التي كانت ذات مفاعيل أكبر في المدن المتوسطة والصغرى وفي الأرياف بالمقارنة مع المدن الكبرى كدمشق وحلب. ذلك أن الفقر في سوريا مناطقي، ويتركّز في المدن الصغرى والأرياف بشكلٍ أساسيّ، وهو ظاهرةٌ شبابيّة بشكلٍ عام. وهذا ما جعل الأرياف، والأحزمة المحيطة بالمدن الكبرى، بؤراً للفقر وللبطالة معاً. وبضمور المجتمع المدني، فإن السوق والجامع هما برلمان هذه الشرائح، أو مكان التجمّع الأساسي للنقاش وطرح هموم الشأن العام[9].

لكن هذا التأكيد لا يعني اختزال المشهد بعامل المؤامرة على "الدور القومي لسوريا" أو على "الإسلام الشامي"، ذلك أن جعل الأزمة ذات أسبابٍ خارجيّة لا داخليّة، والإصرار على إنكار الواقع مجدّداً مع العام الرابع للأزمة كما في يومها الأول لن يقود إلّا إلى طريقٍ مسدود، وسيزيد الكلفة الماديّة والبشرية للتحوّل الذي ينشده السوريون.

وللأسف، فإنّ الحلّ الترقيعي لمشكلة الهويّة بإضفاء صفة النقاء والتمايز للمكوّن الإسلامي في سوريا لن يفضي إلّا إلى مزيد من التباعد بين الإسلام الرسميّ المفروض، وبين الإسلام الشعبي الانفعالي الذي سيواصل كردّ فعل ابتعاده وبحثه عن مرجعيّةٍ خارج مؤسسات النظام الدينيّة. وهناك خارج الحدود بالتأكيد الكثير ممن يستعد لملء الفراغ.

 

2- الإسلام الشاميّ هو الحل؟

التحليل الآنف للأزمة ولعامل الانقسام والعنف الطائفي أفضى ببعض منظّري النظام السياسي القائم إلى طرح الحل الذي يعالج السبب الذي قدّموه وهو ما سمّوه "الإسلام الشامي".

المصطلح ذو بعدٍ جغرافي، يربط الإسلام ببلاد الشام أو بسوريا الكبرى أي الجغرافيّة أو الطبيعيّة، كما أنه ذو بعد تاريخيٍّ أيضاً، يربط الإسلام بالدولة الأمويّة كعصرٍ ذهبيّ للعرب والمسلمين. وبذلك يشكّلُ المصطلح قطيعةً مع البيئات الجغرافيّة الأخرى كشبه الجزيرة العربيّة ومصر وتركيا، وعن البيئات التاريخية الأخرى اللاحقة للدولة الأمويّة التي شهدت الانقسامات الدينيّة وصراعاتها.

لكنّنا إذا أردنا أن نبحث عن مضمون عقائدي للمصطلح[10]، فإنّنا لن نستطيع تلمّسَ تمايزٍ واضح يرسم هويّةً مستقلّة للإسلام في سوريا عنه في بقيّة بلدان العالم العربي. والحقيقة أن التمايز بين المجتمع السوري والمجتمعات العربيّة ليس نوعيّاً بقدر ما هو كميّ، أي أنّه يعود إلى مكوّنات هذا المجتمع المتنوّعة الأطياف، لا إلى نقاء أو سمو إسلام المجتمع السوري قياساً إلى إسلام بقيّة المجتمعات العربيّة، ولو وُجِدَتْ اختلافاتٌ فمردّها إلى تأثير المجتمع نفسه بتاريخه وتراثه وقيمه على الدين أكثر منها بتأثير هذا الدين في المجتمع.

والخدعة التي تقدّم في هذا الإطار -رغم تأخّر إعمال هذا الحلّ العلاجي فيما يبدو تعويلاً على حلولٍ أخرى أقل صداميّة مع النسيج الاجتماعي السياسي في المنطقة- بطرح المصطلح ثم خلق مضمونٍ له، هي من باب التعمية لإيجاد فارقٍ يفصل -أو يفضّل- المجتمع السوري عن المحيط العربي علّه يعزل كذلك الآثار السلبيّة لتأثير الموصلات اللغوية والثقافية والأنثروبولوجيّة بين شعوب العالم العربي، وهي التأثيرات التي جعلت الحس الثوري ينتقل متجاوزاً  كل الحدود السياسيّة انطلاقاً من تونس.

ونحن نعتقد أن تقديم مصطلح الإسلام الشامي المعتدل في سوريا كمقابل للإسلام الوهابي الخليجي أو الإسلام الإخواني المصري-التركي، يندرج تحت النظرية التي قدّمها د.محمد عابد الجابري في كتابه الأول في نقد العقل العربي "تكوين العقل العربي"[11]، والذي قدّم فيه مقارنة تفاضليّة لتجليّات العقل العربي الإسلامي. كما لحظها د.جورج طرابيشي في نقده لنقد العقل العربي بقوله ((ينتصر فيه إبستيمولوجياً العقل البرهاني على العقل البياني، والعقل البياني على العقل العرفاني، وأيديولوجياً ينتصر العقل السنّي على العقل الشيعي، وجغرافيّاً ينتصر عقل المغرب على عقل، أو بالأحرى، لا عقل المشرق))[12].

و الحكم الذي أطلقه الدكتور جورج طرابيشي على هذه النظريّة بكونها تدخل في إطار السجال الأيديولوجي ولا ترقى لمرتبة النقد الإبستيمولوجي[13]، يصلح كذلك في نقد مصطلح الإسلام الشامي المقدّم اليوم في إطار رسم الحدود الأيديولوجيّة مع الآخر في سبيل تحصين النظام، أو بالأحرى الإسلام الرسمي الذي يقدّمه النظام في وجه إسلامٍ شعبيّ أصبح إطاراً للتعبير الشعبي نظراً لغياب مؤسسات المجتمع المدني الرافعة الحقيقيّة لمطالب الجماهير المنتفضة.

كذلك يتم تقديم هذا المصطلح كتأكيدٍ لمأسسة العمل الديني في إطار الدولة، ليكون أداةً في تطبيق ما أسماه الأسد في خطابه ((فقه الأزمة في مواجهة فقه الفتنة الذي يبثه المركز الخليجي))، حيث أن مواجهة الأخير اعتمدت على العمل الفردي في البداية قبل أن يتم تطوير فقه الأزمة بفعل المواجهة خلال سنوات الأزمة.

ونعتقد أن هذا يشكّل انحداراً خطيراً في استخدام الدين لضبط المجتمع وتحديد مسارات التغيير، وفي ظل نظامٍ يباهي بعلمانيته في الوقت الذي يقحم في الدين كأداةٍ سياسية. فأي علمانيّة هذه التي تستخدم الدين بدلاً من أن تقيم فصلاً بين الدين كمكوّن ثقافي اجتماعي وبين مؤسسات الدولة وعملها؟

 

3. قَوْلَبَةُ الهويّة أو الجريمة

عندما نتحدث عن القولبة فإننا نتحدث عن قالبٍ ومادة مرنةٍ تتصوّر بشكله. والحقيقة أن الهويّة السوريّة المأزومة التي نعيش آثارها اليوم هي نتاجُ ذاك القالب الذي صممته الأيديولوجيّة القومية العربية وفق المنظار البعثي. فهذه الأيديولوجيا هي المسؤولة عن هشاشة الهويّة الوطنية والدولة الوطنيّة، تلك التي توصفُ باحتقار بـ "القطرية" كنتيجة للتجزئة الاستعمارية.

إننا نعتقد أنّ الجريمة الكبرى بحق سوريا وتاريخها الممتد لآلاف السنين، والهاضم للعديد من أهم الحضارات وأعمقها تأثيراً في تاريخ البشرية، هو تجميد هويتها الحضاريّة والإنسانيّة في القالب الأيديولوجي القومي العروبي، الذي لم يتعارض فقط مع الدور العالميّ لسوريا كمحطّةٍ لاجتماع الديانات الرئيسيّة بطوائفها وبمذاهبها المختلفة، وكنقطة تقاطعٍ للشرق والغرب وحسب، بل وفوَّتَ أيضاً الفرصة لبناء دولةٍ حديثةٍ قوامها المواطنة كهويّةٍ أصيلةٍ جامعةٍ لكل الانتماءات، لا هويّةً انتقائيّةً نابذة لانتماءاتٍ تتضخّمُ مشكِّلةً هوياتٍ جزئيّةٍ منافسة تصارع الهويّة الوطنيّة الكليّة وتمسُّ بجوهر مشروعيّة السلطة، أي بروح العقد الإجتماعي وفي المحصّلة بالكيان السوري كدولة.

وتستمر هذه الجريمة، ولا نخجل من تسميتها بالجريمة بكل أبعادها، من خلال الحلّ المطروح اليوم لمعالجة إحدى نتائج هذه الهويّة المريضة، وهو العنف والانقسام الطائفي، إذ يتضمن هذا الحل المطروح إعادة قولبة الهوية الوطنيّة في محاولة استدراكٍ لإعادة صياغة إسلامٍ رسميّ يلملمُ شظايا انفصال الاسلام الشعبي عن كنف السلطة[14].

ومحاولة الاستدراك هذه تضاف إلى توجّهٍ سابق للنظام تمثّل بمحاولة إعلاء سوريا وتفضيلها على محيطها الثقافي والحضاري بطريقة استعلائية، وهذه التطلعات المفروضة تتناقض بغرابة مع الواقع ومفرداته، كوحدة -أو على الأقل- تواصل المجتمعات العربيّة، وتماثل مكوّناتها[15].

إنَّ المسؤوليّة عن هذه الجريمة من قبل ومن بعد، تعود إلى من كان حريّاً به العمل على بناء الهويّة الوطنيّة، وعلى من كان سبباً في مصادمة عناصر هذه الهويّة وجعلها في حالة عدم أمانٍ مستمر يجعلها في حالةِ اعتماديّةٍ دائمة على حكمٍ قوي، يزجر كلاً منها عن الآخر.

فبتقديم القومي الخارجي على الوطني الداخلي، وبالنظرة الاستعلائية للواقع وإنكاره ومحاولة تغييره وفق الأيديولوجية القوميّة[16]، والنظر لسوريا كـقطر أو كجزء في كل، وكـعارضٍ في سيرورةٍ ستنتهي إلى وحدةٍ عربيّةٍ دائمة، وإلى السوريين كشعب مكوِّن من مكوّنات الأمّة العربيّة بالمفهوم القومي-العرقي، لا الثقافي، فإن الهويّة الوطنيّة كانت عرضةً للاختزال والتشويه بأيدي من كان يفترض به أن يبنيها.

لن نبالغ بالقول بأن إعادة القولبة التي تم الحديث عنها هي تغييرٌ جذريّ يتمثّل بتشكيل هويّة مستقلّة خاصة بسوريا، ورفض الهويّة القوميّة العربيّة. فالنظام لم يتنصّل حتى اليوم من توجّهه القومي العروبي الكلياني، وما يزال يعتبر سوريا جزءاً في كلّ. لكننا نعتقد أنَّ مضمون إعادة القولبة هذه تتمثّل في طرح موقعه القيادي فيها ونبذ الآخرين في هذه الهويّة. وهو ما أشار إليه خطاب الأسد في كلامه من أنَّ: ((الدمشقيين هم بناة الحضارة الأموية وعنصرها الفاعل لا الأمويين القرشيين الذين خرجوا من الصحراء)).

وأياً يكن سواءاً أكان هذا التأكيد على تمايز سوريا بدايةً لتحوّل جذري ببناء هوية مستقلّة، أو يندرج ضمن موقفٍ انفعاليّ وكيديّ، فهو خطير لجهة أنه يتلاعب بعناصر الهوية الوطنية، ويقلل مناعة الشعب أمام الأزمات الكبرى ويهدّد استقرار البلاد وقوة سيادة الدولة الشخصية في إقليمها.

 

4. المأزق

كما أن الإيديولوجيا هي سجنٌ للواقع، بما هي رفضٌ له ومحاولةٌ لتكييفه وفق التصورات الماضويّة، فإنها بذلك لا تختلف عن الدين الذي تحوّل إلى أيديولوجيا دينيّة ليفرض نفسه على الواقع لتثبيته ولوقف حركة التاريخ.

إنّنا لا ندّعي أنَّ الواقع يتنكّر للماضي، لأنّه كاستمراريّةٍ متحرّكةٍ يتصل بماضٍ وبمستقبل، وبهذه المنطقيّة فإن الواقع يرسم قوانينه. والهويّة ككيانٍ يعيش في واقع ما، هي كائنٌ متطوّر، يُنْشَأ ويتغذّى ويتطوّر في إطاره المتعيّن في الواقع زماناً ومكاناً وعمقاً ثقافياً وتاريخيّاً وحضارياً.

إنَّ الإسلام الرسميّ أحاديّ الطابع بهذا المعنى، كما هو الإسلام السياسيّ، يعدُّ أداةً لتطويع الواقع[17]، وإعاقة حركة تقدّمه. وبالمثل فإن الإسلام الشعبي يمثّل خطورةً في ظل مجتمعٍ خاوٍ أو فقيرٍ بالمكونات الثقافيّة التي تخلقُ النقاش وتمنع من الوقوع في حالةٍ سكونيّةٍ تعارض الواقع المتحرك باستمرار. وهذا ما أدى لانحدار الإسلام غير الرسمي إلى مدارك التطرّف والإرهاب ليصبح الإسلام غير الرسمي مرادفاً للإسلام التكفيري المنغلق والعاجز عن تقديم خطابٍ وطنيٍّ وإسلاميٍّ منفتح يواجه الراديكاليّة من جهة، ويساهم في النضال الوطني السلميّ من جهة ثانية كأحد المكونات في وعي الأفراد، لا كجهازٍ أو كحزبٍ أو كميليشيا مسلّحة.

والمأزق هنا ليس في وجود خيارين سيئين؛ أي الأيديولوجي القومي أو الأيديولوجي الديني، بل هو الاستسلام لحتميّة الاختيار بينهما دون القدرة على نقدهما وتشخيص الواقع والهدف لرسم طريقٍ لمستقبلٍ متكيّفٍ مع الواقع وغير سجينٍ للماضي أو للأيديولوجيا.

 

5. أيّ أفق؟

أمام هذا المأزق، وأمام ما نشهدهُ اليوم من صراعٍ تحوّل تدريجيّاً من مطلبيٍّ إلى سياسيّ، ليسقط في مستنقع الطائفيّة والعنف والصراع الدولي في انحدارٍ تدريجيّ ومستمر، فإن الأفق المنظور سيفضي إلى القضاء على الخيارات الديموقراطية والمدنيّة والوطنيّة مقابل الشموليّة والأيديولوجيّة القومية والسياسات التوريطيّة، وإلى إعادة إنتاج الواقع السابق، بإعادة تأكيد الثوابت التي أوْدت بالبلاد إلى ما هي فيه، أي إلى تأكيد الإسلام الرسمي مقابل الشعبي، والقوميّة على حساب الوطنيّة، والأمة العربية الكبرى على حساب الشعب السوري. إن هذا ما يشي به أسلوب السلطة في التعامل مع الأزمة، إن يكن مع تجسّدها الميداني في الشارع أو مع تجسّدها الهوياتي.

هذه النظرة السوداويّة ليست قدراً محتماً إذا ما تم سلوك طريق الخلاص والذي نعتقد أنه لن يكون إلا بالاعتراف بالواقع أولاً كما هو، ثم في مراجعة الماضي ثانياً للشروع بعملية بناء هويّة وطنيّة متينة؛ الواقع الذي يعترف بالأزمة بأبعادها الوطنيّة الداخليّة ويبتعد عن نظرية المؤامرة الذرائعيّة، وإنْ شابت هذه الأزمة، ومراجعة الماضي بأخطائه وسلبياته لتجاوزه وعدم تكرار تجاربه.

إذن فالمصارحة ثم المصالحة، هما مفتاحا الخلاص، وهما استحقاقان هامّان يجب أن يوضعا في مقدمة أي برنامجٍ لعدالةٍ انتقاليّة تعالج آثار الماضي، وتهيء لتجاوزه وبناء مستقبل السلام الدائم.

 

 


[1] الصحيح أنَّ الأمويون ليسوا سوريين، فالضمير العائد على الأمويين هو اسم الفعل الماضي الناقص ليس، والسوريين خبره، فيكون الأول مرفوعاً والثاني منصوباً.

[2] راجع الرابط: http://www.youtube.com/watch?v=y1m3Bk6w7y4. تاريخ المطالعة 08/05/2014.

[3] نشر نبيل صالح في موقعه "الجمل بما حمل" سبع حلقات بعنوان الوهابية السعوديّة والإسلام الشامي، مستعرضاً الصراع التاريخي بينهما.

[4] حيث قال الرئيس بشار الأسد أن انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران كانت السبب في انحراف الإسلام إلى الطائفيّة في المركز الخليجي متمثّلا بالوهابيّة التي تنهض بالدور الطائفي.

[5] د.جمال باروت في كتابه "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح- الحلقة 5 الجزء 2، ص. 7-8". حول خمول المدينتين المليونيتين كذلك انظر ذات المرجع، الحلقة 5 الجزء 5، ص. 23 وما بعد.

[6] استخدم المفكّر السوري صادق جلال العظم اصطلاح "العلوية السياسية" كمقابل للمارونيّة السياسيّة في لبنان في أكثر من مقالة أو مقابلة وقد أثار جدلا كبيراً بين مؤيد ومعارض -انظر مثلاً: عن "العلوية السياسية" و"المارونية السياسية" لزياد ماجد، الحياة 30 نيسان/ابريل 2014-، لكنه لقي رواجاً لدى معارضي النظام في سوريا. بل إن المصطلح تعدّى هذا الإقليم المتشابه التنوّع الإثني والطائفي ليستخدم بشكلٍ أكثر عموميّة مشيراً إلى التفرّد بالسلطة من قبل جماعة عرقيّة أو دينيّة أو قبليّة كما في اليمن. انظر "هل تنتهي الثورة السياسية المارونية في اليمن؟" عبد الناصر المودع، مأرب برس، 19 آذار/مارس 2012.

[7] وإذا كان ظهر مؤخّراً توجّه نحو مرجعيات أقلوية خارج الإسلام الرسمي الأحادي فهو يندرج ضمن المسموح به من قبل النظام. فبالنسبة للعلويين، النظام لم يسمح بتشكّل مرجعية دينية أو إسلام شعبي مستقل عن الإسلام الرسمي الأحادي المفروض ومنافس للمرجعية السياسية، وإن كان أكثر تسامحاً لاحقاً بفعل تطوّر العلاقة مع "محور المقاومة".

[8] كشف الحقوقي والمعارض البارز د.هيثم منّاع في 13 آذار/مارس 2011 عن تلقيه من قبل جهات لم يحدّدها في البداية عروض سلاح لثلاث مرات لتسليح الحراك الشعبي من الرقة إلى درعا تم رفضها من قبله، التسجيل متوفر في أرشيف قناة الجزيرة ذكره د.جمال باروت في كتابه "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح"، الحلقة 5 الجزء 1، ص19. لاحقاً أضاف د.مناع أن إحدى هذه العروض كانت من جهة لبنانية، وأن ثمّة من يتلقى مرتباً شهرياً من النائب سعد الحريري في الداخل السوري، وتحدث عن عدّة رجال أعمال سورييين من المتضررين من السياسات الاقتصادية الليبرالية ولعبة تقاسم الكعكة في علاقات المال والسلطة، باروت، الحلقة5 الجزء 5، ص. 17 هامش46. كذلك لا نغفل العامل التحريضي المتمثل بعدد من رجال الدين وجميعهم خارج سورية أو غير سوريين وإعلام الحقد Les médias de la haine  المتمثّل بعدد من الفضائيات الخليجية الدينية، وهذا العامل هو الذي ألهب مشاعر الطائفيّة الإقصائية واستخدم الفرز الطائفي كوسيلة استقطاب سريعة للجمهور.

[9]  في حين أن المقاهي، كما يقول بلزاك، هي برلمان الشعب الفرنسي!،  Hnoré de Balzac- Le comptoir d'un café est le parlement du peuple.

[10] ذلك أنه إذا كان علم أصول الفقه يراعي التفاوت الجغرافي والثقافي في بيئة تطبيق الشريعة الإسلاميّة من خلال إعمال العرف كمصدر تشريعي، فإنه لا يذهب إلى حد الإقرار بوجود إسلامٍ محليّ، رغم أن الموجود اليوم غير المفروض، وهو ما يؤكد قوّة الواقع في مواجهة هشاشة الأيديولوجيا والدين كنظام قانوني-سياسي. كذلك فإنَّ الشائع استخدام مصطلح الثقافة الإسلامية لا الإسلام الثقافي، أي النظر للإسلام بالنسبة للثقافة-الثقافات باعتباره محدّداً لها وطابعاً ومؤثراً، وليس النظر إلى الإسلام كمكوِّن أو كمتأثِّر ينطبع بالثقافة التي يطبّق في إطارها. وبالتالي فإن طرح إسلامات استناداً إلى معطى جغرافي أو ثقافي وحضاري-إسلام شامي، عراقي، مصري إلخ ... إسلام حداثي، تقليدي، إلخ- لا يكون دقيقاً. والحقيقة أن الثقافة والعرف ليست مصطلحات ذات مدلول واحد، والأولى ليست مصدراً شرعياً كالثاني.

[11]  كتاب "نقد العقل العربي، تكوين العقل العربي"، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة العاشر 2009. ص.143 و ما بعدها: ((هكذا يمكن القول بكيفية عامة أن المعقول الديني كان وحده السائد في كل من الجزيرة العربية وشمال إفريقيا والأندلس، وأن حضوره في مصر كان قوياً منذ الفتح وبقي كذلك حتى في عهد الخلافة الفاطمية التي استندت في أيديولوجيتها الدينية-السياسية، كبقية الفرق الشيعيّة والتيارات الباطنية، على الموروث القديم. أما في سورية والعراق وإيران الكبرى فلقد ظل الموروث القديم فيها يواصل الحياة في بنية المعتقدات الدينية الجديدة التي جاء بها الإسلام، إما كعناصر مستترة لا واعية، وإما كتيارات تتنازع البقاء مع المعقول الديني البياني العربي، إلى أن تم اندماجها في صيغة واحدة في الفكر الشيعي وما يرتبط به من تيارات باطنية ...".

[12] نقد العقل العربي، جورج طرابيشي، دار الساقي 1996، ص. 24.

[13] المرجع السابق، ص. 24.

[14] وهذا ينطوي على أمر هام هو إدراك النظام لحقيقةٍ موضوعيّة وهي أنّ الانتماء الديني مكوّن من مكوّنات الهوية، وأنه لا يمكن إغفاله، وينطوي كذلك على إدراك خطورة أن يترك أمر تحديد هذا العنصر لإسلام شعبي متبدّل أو حتى مزاجيّ أحياناً، فكان لابدّ من تدخّل السلطة في عمليّة استباقيّة لتأطيره. وهذا الاستخدام الأداتي للدين ليس جديداً، ليس في تاريخ الإسلام وحسب، بل وفي تاريخ كل الأديان والدول عبر التاريخ.

[15] على سبيل المثال، تتناقض تطلعات التمايز والفوقية السورية مع إحدى مفردات الواقع المتمثّلة بنشوء ما يمكن تسميته بـعقدة النقص تجاه لبنان في المجتمع السوري، باعتباره أي لبنان- أكثر انفتاحاً على العالم وأوسع حراكاً ثقافياً، باستثناء الطائفية السياسية اللبنانية التي بقيت منبوذة سورياً.

[16] قد يثير الاستغراب هذا التناقض بين هذه الأيديولوجيا القوميّة العابرة للحدود وهذه النظرة الاستعلائية وتأكيد عدم النديّة الحضاريّة بين بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية كما يقول عمر قدّور. انظر: عمر قدور، "الإسلام الشامي هو الحل!"، موقع المدن 29/04/2014، الرابط: http://www.almodon.com/Home/Opening-Article/10122، تاريخ المطالعة 08/05/2014.

[17] قال الأسد في خطابه المذكور بأن: ((ولاية الفقيه في إيران مجرّد شكل للحكم تماماً مثلما أن الدستور السوري ينص على كون الشريعة أحد مصادره الأساسيّة)). رغم أن الدستور السوري النافذ 2012 لا ينص على أن الشريعة الإسلاميّة مصدرٌ له، لكنه يعتبر الفقه الإسلامي مصدراً رئيسياً للتشريع (المادة 3).



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR