الكتابة كفعل ثوري

دراسة بقلم عمار المأمون

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تناقش هذه الورقة دور الكتابة الأدبية في أوقات الحروب والتمردات، وتسلط الضوء على الحراك السوري محاولةً التنظير لفعل التمرد وعلاقته مع الكتابة في زمننا هذا، وخصوصاً وأننا نعيش في عالم مابعد حداثي متغير باستمرار. يعمد الكاتب أولاً إلى طرح تساؤلات بخصوص نتاج روائيين سوريين بعضهم لم يتناول الواقع السوري الحالي (مثل خالد خليفة، ومناف زيتون، وخليل الرز، ونغم حيدر)، ومنهم من كان الواقع السوري الحالي موضوعاً لكتاباته (مثل نبيل الملحم وهيفاء البيطار). ثم ينتقل إلى مناقشة فكرة التمرد والرواية والأدب عموماً في عرض مختصر لفكر سارتر وبورديا ودريدا وكامو، وبخاصة في كتاب الأخير "الإنسان المتمرد".

في الرواية السورية بين خالد خليفة ومناف زيتون

من الصعب علينا أن نفهم كيف يمكن لحدث هائل ومؤثر كالذي تمرُّ به سوريا أن يتم التعامل معه من قبل بعض الكتاب وكأنه حدث عادي؟ ألا يشكل هذا الحدث مادةً روائيّةً دسمة أو مصدر إلهام للكثيرين؟

لكن بعض العاملين في المجال الثقافي لا يريدون الانجرار وراء التوثيق أو الانفعالات العاطفيّة. هذه الحال مشابهة لحال الكاتب السوري خالد خليفة[1] ذائع الصيت، الذي وصلت روايته "مديح الكراهية" إلى قائمة أفضل مئة رواية في العالم. مؤخراً صدر لخليفة روايته الرابعة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" التي تدور أحداثها في سوريا، لكن دون أي إشارة إلى ما تمر به البلاد الآن. وحين سؤال خليفة عن سبب ذلك يجيب: ((لا أدري أين وكيف وماذا سأكتب، وأحسد أولئك الذين يقدرون على الكتابة الآن، فهم يمتلكون القدرة على الكتابة في وجه ما يحصل،لكن المهم هو ليس متى ستكتب، بل ماذا ستكتب؟))، ومن المعروف أن خليفة مقيم في سوريا وقد شهد ما تمر به إلا أنه لم يكتب عن الآن، بل تناول الحقبة السابقة أي بداية عام 2000.

اختار خليفة مصر لنشر الطبعة الأولى من الرواية في "دار العين"، ثم بيروت للطبعة الثانية في "دار الآداب". من الغريب كيف يمكن لكاتب كخليفة ألّا يتناول ما يحدث في سوريا الآن، فرغم أنه يكتب عن الحياة في ظل النظام السوري، إلا أنه كيف يمكن لمأساة كالتي تمر بها سوريا الآن ألّا تشكل مادة أدبيّة؟ قد يعود ذلك إلى عمق المأساة التي تعيشها سوريا والشعور بالشلل الذي قد ينتاب الكاتب حين يصدم بحقيقة أن الكتابة لا يمكن لها أن توقف سيل الدماء، مهمّشاً بذلك دور الرواية بوصفها ذاكرة المنسيين.

بإمكاننا فهم المنطق الذي يناقش به الكاتب خالد خليفة الذي سيفكر مرتين قبل أن يقدم على كتابة أي شيء يتعلق بسوريا الآن، أو استخدام ما تمر به كحبكة لأحد أعماله، لكن ما هي حجة الكاتب الشاب مناف زيتون[2]، الذي نشر روايته الأولى بعنوان "قليل من الموت" في لبنان عن "دار نوفل - هاشيت أنطوان". في هذه الرواية يتحدث زيتون عن قصة رجل يصاب بحالة مرضية نادرة حيث تبدو عليه أعراض الموت كاملة، لنراه يعود للحياة بعد دفنه ويخرج من تابوته ليعيد تكوين حياته مع عائلته والوسط المحيط. حبكة وأحداث الرواية لا تمت أبداً لما يحدث في سوريا الآن، وهنا تبدو الغرابة أنه كيف من الممكن لكاتب شاب سنحت له فرصة النشر ألّا يكتب عن ما تمر به سوريا لجذب الاهتمام لنفسه، وحين سؤاله عن ذلك يجيب: ((أعتقد أن الكتابة عما تمر به سوريا الآن لها دواعي تجارية، حيث يلجأ الكتّاب إلى استخدام سوريا وما تمر به للترويج لرواياتهم بقولهم أن نسبة من الأرباح ستعود لمساعدة السوريين))، فهو لا يرى أن ما يحصل في سوريا هو مادة للكتابة سواء الآن أو في المستقبل القريب، الأمر مثير للاهتمام كيف أن هذا الحدث الجلل في التاريخ السوري لا يتم التعامل معه كحدث مفاجئ، فقد استمرت الأزمة لثلاثة سنوات حسب تعبيره ويرى أن ((ما يهم الآن هو انتهاء الحرب لا الكتابة عنها))، أما عن سبب اختياره لدار نشر لبنانيّة فيقول: ((أن بعض دور النشر السورية تشعر بالتردد حيال مستقبل البلاد، بالإضافة إلى رفض بعض دور النشر الرواية بحجة أنها غير صالحة للنشر)).

مؤخراً نشر زيتون روايته الثانية بعنوان "طائر الصدى" حيث تحكي قصة شاب يمر بسلسلة من الأحلام ويظهر لها فيها شخص يقوم بتحقيق أحلامه هذه ما يقوده بالنهاية لاكتشاف الأجوبة المتعلقة بماضيه ومستقبله، هذه التفاصيل قد تفيدنا في الحديث عن الكتابة الروائية وتأثير ما يدور في سوريا عليها، لكن لا بد من ذكر أمثلة أخرى كخليل الرز[3] الذي صدر له مؤخراً رواية بعنوان "بالتساوي" عن دار الآداب، التي تتحدث عن رجل يعيش في دمشق وصراعاته في هذه المدينة وتأثيرها على حياته وآماله، مع ذلك الرواية لا تمت بصلة لما يحدث في سوريا الآن، بل تحاول أن تسبر جذور المدينة والحياة ضمنها في ظل الفساد وكيف يمكن لذلك أن يؤثر على حياة الأشخاص، كذلك تذكر نغم حيدر[4]، الكاتبة السورية الشابة التي صدرت روايتها الأولى "مرّة" عن دار الآداب ضمن "محترف نجوى بركات"، حيث تتحدث عن ثلاث نساء يعشن في كنف رجل واحد، والضرر العاطفي الذي أصابهن لخلطهن بين مفهومي العبوديّة والزواج، الغضب هو العاطفة التي يمكن أن تملا قلبنا تجاه هذه النسوة والشلل الذي يعشن به، فهن غير قادرات على فعل أي شيء تجاه حاضرهن ومستقبلهن، فهنَّ أقرب للمومياءات.

غريب كيف يمكن لكتّاب سوريين مقيمين في الداخل السوري وينتمون لجيلين مختلفين وذوي شهرة متفاوتة أن يقفوا على الحياد فيما يخص الكتابة الأدبيّة المتعلقة بما تمر به سوريا، في حين تجرأ آخرون على الكتابة عن الموضوع مثل نبيل الملحم[5] في "بنسيون مريم" الصادرة عن "دار أطلس" في دمشق، حيث يتحدث في الرواية عن بداية الحراك في سوريا والصيحات التي تنادي بالحريّة في أنحاء البلاد، كذلك الأمر مع هيفاء بيطار[6] في كتابها "وجوه من سوريا" الصادر عن "دار الساقي" حيث تتحدث عن الموت والحرب الأهلية والكراهيّة، في محاولة لالتقاط تفاصيل الحرب التي تمر بها سوريا وتأثيرها على حياة السوريين.

الكثير من الروايات نشرت وأخرى قيد النشر، وتختلف فيها الأحداث والحبكة المستخدمة وقد حاولنا الحديث عن بعضها بصورة مختصرة وذلك للإضاءة ولو بصورة بسيطة على الحركة الروائية داخل سوريا لكن السؤال الآن، ما العلاقة بين الكاتب والمتمرد الثائر؟

 

المتمرد على الأرض

إنَّ التمرد فعل شامل، يتناول كافة جوانب الحياة وكل الأفراد -عدا المُتمرد ضده- في كل المستويات وفي كل الجوانب، والعديد من المثقفين والكتَّاب والفنانين شاركوا في فعل التمرد عبر الانضمام إليه على الأرض ومشاركة الجموع في حراكها، ليتحولوا كما يسميهم لينين[7] إلى "محرّضين"، وهم الناس الذين يقودون الجموع ويستخدمون التحريض العاطفي والحجج العقلية البسيطة ليقنعوا الناس بأفكارهم، الشيء ذاته حصل في الثورة المصرية حيث قاد المثقفون الشباب الحراك على الأرض قبل أن يستولي عليه الأخوان المسلمون.

جان بول سارتر[8] يعتبر واحداً من أولئك، ففي عام 1968 وخلال ثورة الطلاب في باريس، شارك الجموع ووقف إلى جانبهم على سطح برميل موزعاً المناشير التي تنادي بالثورة ضد القيم الدينية والشخوص الثقافية ومنادياً أيضاً بأهمية التغيير، لم يقف سارتر على الحياد، بل تورط بشكل كلّي في التمرد، مثال آخر على هذه الحالة يمثّله ألبير كامو[9] الذي شارك وكتب عن حقوق الجزائريين بالدفاع أنفسهم في وجه الاحتلال الفرنسي لكن المثال الأوضح على ذلك يتمثل بجان جينة[10] الكاتب والمسرحي الفرنسي الذي انضم إلى التمردات في أنحاء العالم من النمور السود في أمريكا إلى المقاومة الفلسطينية ويشير إلى نشاطه هذا وعلاقته بالكتابة بقوله: ((انا أشعر بالسلام والتناغم حين أقضي وقتي مع المقاومة الفلسطينية والنمور السود، ليس بإمكاني الكتابة والعمل على الأرض بنفس الوقت)).

إن المواقف التي اتخذها أولئك الكتاب والمثقفون تعتبر تصريحات واضحة عن رغبتهم بكسر الحاجز بين الناس وبين شخص المثقف، وهي طريقة للقول بأن المثقفين لا يعيشون في أبراجهم العاجية. الحالة ذاتها حصلت في الحراك السوري وذلك في دمشق في "تظاهرة المثقفين" في تموز 2011 حيث شارك الكتاب والفنانون في التظاهرة، ما أدى إلى أذيّة بعضهم جسدياً وسجن بعضهم، ما دفع العديدين منهم إلى مغادرة البلاد. ومع ذلك لم يشهد الحراك السوري حتى الآن أسماء كبيرة وذات وزن موجودة على الأرض، أما الذين غادروا البلاد فقد تحول الكثيرون منهم إلى نجوم في وسائل الإعلام ليتحدثوا دائماً عن التمرد بالرغم من عدم تورطهم الجسدي به.

إنَّ فعل التواجد في الساحات أو على الأرض هو دعوةٌ للمساواة مع الآخرين، يجعل الجميع في ذات النقطة يهتفون بما يريدون وبما يؤمنون به، عبر صرخة تجعل أصواتهم  أشد وقوعاً وتأثيراً من موقف أولئك الذين ما زالوا يقفون على الحياد مترددين بالانضمام.

 

نصوص أعلنت التغيير-التمرد

هل من الممكن لنص مهما كان نوعه أن يُشعل تمرداً؟

على صعيد الأدب نعم، بإمكاننا القول أن هناك نصوصاً كانت ثورية وأسست لخطاب أو أسلوب جديد، أوحتى لتيار أدبي أو فني جديد، وأعلنت القطيعة مع ما الماضي. هذا يشابه ما قام به الفرنسي ستيفان مالارميه[11] حيث "اكتشف" قصيدة النثر حسب تعبيره. لكن على مستوى الحراك على الأرض، لا بد للنصوص أن تنتقل إلى الأرض عبر التحرك وأن يكون لها قائد،؛ رجل قادر على توجيه الجموع حيث عليها أن تكون. لينين هو المثال الأوضح، إذ لا يمكن إنكار أن عمله في الكتابة ومنجزه الفكري لم يمنعه من العمل على الأرض ومشاركة الناس والجموع في مطالبهم. البعض يعترض على ذلك، ويرى أنه بإمكان كتاب أو نص من نوع ما أن يقوم بالتغيير؛ نعم يمكن ذلك مثلاً على مستوى فردي، أو على مستوى جماعة من الناس كالطوائف والتجمعات الدينية، لكن التمرد على الأرض بحاجة إلى رجل أو مجموعة من الرجال كما يسميهم لينين "الطليعة الثورية". هذا المفهوم من الممكن أن يفقد قيمته في ظل التطورات الحالية للعصر وانتصار وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تتدخل في كافة جوانب الحياة، لكن هذا لا ينفي وجود جماعة ولو صغيرة تعمل على الأرض وتقوم بالكتابة. هنا يطرح أمامنا تساؤلان< من يمتلك الحق بأن يدعو نفسه متمرداً؟ وما هودور الكتابة؟

بالنسبة للسؤال الأول، فكل من ينضم يعتبر متمرداً ما دام على الأرض، في حين أن الآخرين من لم ينضموا يعملون على خطاب التمرد، وعلى مقولاته، وهنا يبرز دور الكتابة أي جواب السؤال الثاني. والمقصود بالكتابة هو كافة أشكال الإنتاج الفكري، سواء كان عبر وسائل الإعلام أوالرواية أوغيرها، أي توليد الرموز والأفكار. ينطبق هذا على ما يحدث في سوريا وعلى كل ناشط وصحفي ومصور، وكل من يقوم بتوليد المعنى على شكل كلمات ورموز. وفي ذات السياق نرى أن الكتابة في حدِّ ذاتها هي فعل لاحق على التمرد، كوسيلة لتوثيق ما يحصل في فعل التمرد، فالبعض يحاول تفسير ما يحدث عبر الكلمات، إلا أن فعل التمرد في جوهره هو فعل عبثي، لا يمكن استيعابه بشكل كامل، بل نراه مرتبطاً بالوجود الجسدي في المكان، فالجموع هي التي تمتلك القوة، والانضمام إليها يعني أن تكون جزءاً من الفعل لا الخطاب.

 

ألبير كامو "الإنسان المتمرد"[12]

يعتبر هذا الكتاب من الكتب القلية التي تناقش فعل التمرد وحالاته على عدد من المستويات الأدبية والتاريخية والفنية. في هذا الكتاب يقدم لنا كامو تشريحاً لفعل التمرد، بوصفه يقف بوجه العبث وبوجه ما هو قائم، في محاولة لفرض معايير جديدة حين تصبح تلك القائمة غير صالحة. وبالرغم من أن البعض يرى في الكتاب مجموعة من الآراء الشخصية إلا أنه يقدم الكثير من التفسيرات وبالأخص تلك المتعلقة بفعل التمرد. وإحدى تلك الأفكار الهامة التي يناقشها كامو هي أطروحة "أنا أتمرد، إذاً نحن موجودون". في هذه الأطروحة يرى كامو أن فعل التمرد يتطلب وجود الفرد بمواجهة الآخرين لدفعهم لإثبات قيمة، لكن أي قيمة؟ القيمة هنا هي تلك الأفكار المهمّشة في محاولة لإعادتها إلى المركز؛ فالتمرد هو إعادة الاعتبار لهذه القيمة المهمشة على حساب كل ما هو قائم، بدون التفكير بغيرها أو بما قد ينتج عنها وعن المطالبة بها، وهذا ما يورط الآخرين، فصرخة واحد تفرض على الآخرين مسؤولية الانصياع لهذه الصرخة أو يتحولون في ذاتهم إلى هدف لهذا التمرد، فصرخة التمرد هي وسيلة لإعادة إحياء أصوات أولئك المهمّشين ليستعيدوها ويثبتوا قيمتها.

فكرة أخرى يناقشها كامو في كتابه هذا متمثلة بـ "موت الملك" حيث يضرب مثال لويس السادس عشر والثورة الفرنسية التي أدت إلى إعدامه بالمقصلة. فالتمرد قائمٌ على الملك بشخصه والمطالبة بالصيغة المسرحية لقتله واستعراضه، وهذا مشابه لما حصل مع معمر القذافي؛ فبعيداً عن تفاصيل موت الأخير،  فقتله ووضعه في غرفة لينظر إليه الناس، هو أسلوبٌ للتأكيد على انتصار قيمة قتل الملك، والتي يجب أن تحصل في العلن وعلى الجموع أن تشهد على هذا القتل لتقتنع بأن القيمة التي يحاول التمرد أن يثبتها قد وصلت لأوجها، فالملك يمثل القيمة المضادة وعليه أن يختفي، لكن أيضاً ما علاقة هذا بالكتابة؟.

إنَّ موت الملك هو موتٌ للخطاب الذي يمثله وأساليب التعبير التي كانت راضخة له وتنال اعترافه، والتي فرضها على الجموع. بموته، الكلمات والرموز والأفكار المرتبطة به يجب أن تموت، وأن تتولد أساليب جديدة للتعبير في سبيل بناء وتأسيس رؤية جديدة للعالم بعيدة عن وجوده السابق.

إنَّ الكتابة مرتبطةٌ بالتمرد على صعيد الخطاب لا على صعيد الفعل، فبالرغم من أننا نكتب عن سوريا ونولد المعاني والأفكار إلا أن فعل الكتابة يكون أحياناً بعيداً عما يجري على الأرض، وبعد نهاية فعل التمرد لا يبقى إلا ما كتبناه عنه. هذا يعني أننا نقف أمام صيغة جديدة للتمرد، تلك الموجودة في الرموز والكلمات، وهنا تبرز أهمية الرواية ودورها في رسم عالم جديد، عالم يتحكم به الكاتب. ومهما حاول هذا الكاتب أن يتوخى الدقة إلا أنَّ الأمر سيبقى على المستوى المايكروي مرتبطاً بخياله، فالأجيال اللاحقة سترى سوريا كما هي موجودة في الكتب والكلمات ووسائل الإعلام لا عبر ما حصل حقاً. لكن ما يجعل الأمر يستحق التدوين هو أن الكاتب سيقدم لنا رؤية شعرية للتمرد أو الحرب، وذلك مرتبط بحساسية الكاتب للظواهر المختلفة.

لذلك يمكننا القول أن الكاتب كمتمرد هو أحد الأشكال التي تجعل الحياة تستحق أن نحياها خلال الحرب لذا نشعر بأن علينا واجباً بأن نكتب لنخلِّد ما خسرناه.

 

التمرد المضاد

ما هو التمرد المضاد؟ وما هي علاقته بالكتابة؟ كل فعلٍ للتمرد يمتلك كلماته ومفرداته الخاصة وخلفيته النظرية. لكن بعد فترة يتوقف الفعل، وتتورط الجموع في خطاب التمرد وصناعته، وما أن يتم التأسيس للخطاب والتأصيل له، نرى أنفسنا بصدد التأسيس لتمرد جديد، ويصبح الخطاب هدفاً ليُتَمَرَّدَ عليه، لأنه يتحول إلى المركز مهمشاً قيمةً لا نعرفها، وهذه القيمة المهمشة بحاجة لتتحول إلى المركز. فالكتابة والتأسيس لخطاب التمرد يجعل من التمرد في حدِّ ذاته هدفاً مستقبلياً للتمرد؛ بالتالي فعل التمرد مستمر، ولا ينتهي، وهو يكتسب قيمته من ثنائية "الآن/هنا"، من الحضور الآني. أما ما يحدث لاحقاً فغير مهم، فالفعل يحدث الآن، والكتابة تأتي لاحقاً، لذا نجد أنفسنا عالقين في حرب؛حرب موازية نحاول فيها أن نثبت أي وجهة النظر هي الأصح، وأي نسقٍ من أنساق الحقيقة علينا أن نصدقه.

 

النصالجسد-الصوت

كل من الكاتب والمتمرد يتعاملان مع الكلمات: المتمرد يصرخ، وصوته ليس ثابتاً ويتغير بحكم اللحظة، بينما الكلمة خاضعة للقارئ ولهوى القراءة. جاك دريدا[13] هو من يطرح فكرة أن الكتابة سابقة على الصوت، لكن للصوت تأثير أكبر لارتباطه بلحظة الآن وهنا، ولحضوره تأثير السحر، فالصوت يستدعي الكرنفال، وهو بيان واضح ضد ما هو قائم ولا يمكن له أن يتكرر أو يتعدد معناه، بينما الكتابة تختلف معانيها حسب القارئ. المتمرد الحقيقي يستخدم الصوت لا النص، المزيد من الصوت يعني المزيد من الحقيقة. المزيد من الكتابة يعني المزيد من خطاب التمرد، وحين يحاول الكاتب تناول فعل التمرد يجد نفسه منساقاً ولو بدون علمه بعيداً عن هذا الفعل، فهو يحاول توليد المعنى إلا أنه محكوم عليه بالكلمات التي تمتلك معناها الخاص السابق على وجوده، ذاك المعنى الذي يفرض قوته على ما يريد قوله، بعيداً عما يحاول الكاتب بوعيه أن يعبر عنه من التقاطٍ لجوهر فعل التمرد.

 

الكتابة في عالم متغير

من المعروف أن آخر التغيرات الكبيرة التي شهدها العالم على الصعيد الثقافي هي ثورة الطلاب الفرنسية في باريس عام 1968، حيث تعتبر بداية حقبة ما بعد الحداثة، انهارت معها السرديات الكبرى لنجد أنفسنا نقف في وجه عصر جديد كل فعل يمتلك فيه قيمة مضافة على تلك التي يحويها في جوهره. هذا مرتبط بوسائل الاتصال الجديدة التي سمحت للثقافات الهامشية بأن تنهض وتؤسس لصوتها، وهو مرتبط أيضاً بانهيار المركزية الأوربية والنظرة الاستشراقية للعالم. هذه التغيرات جعلت الكتابة تقف أمام العديد من المتغيرات التي جعلتها أحياناً تفقد معناها، وهذا ما جعل مفهوم ما بعد الحداثة نفسه أكثر ضبابية لاعتماده على حالة الما بعدية، وتجاوز ما هو قديم، في محاولة لتقديم معنى أصيل مرتبط بما هو محرّم، وهذا يتجلى في الشاعرات اللواتي كتبن أثناء ثورة الطلاب على جدران باريس مثل "أقرا أقل وأحيا أكثر" و"المنع ممنوع"، لكن كيف أثر ذلك على الكتابة نفسها؟

المنّظر وعالم الاجتماع الفرنسي جان بودريا Jean Baudrillar[14]  تحدث عن هذه الظاهرة في كتابه "الصناعي والمصطنع" حيث ناقش العديد من الأفكار المتعلقة بما بعد الحداثة مشيراً إلى أن الكتابة قد وصلت إلى حدود العَدَمية، ولم تعد قادرة على مواجهة الأساليب الجديدة في توليد المعنى، والمقصود به الصورة، وأنها تسعى إلى تفكيك ذاتها في سبيل اكتشاف الاختلاف الذي يحكم ثنائيات العالم، وبالأخص تلك المرتبطة بما هو ماكر واختلافه عمّا هو ماكر على صعيد الخطاب، وهذا له تأثير واسع على العلاقة بين الكتابة والتمرد لكن كيف؟

لم يعد ممكناً في عالم ما بعد الحداثة تحديد معنى التمرد، فكل الحنين إلى مقولات الماضي والمعاني القديمة المرتبطة بحقبة ما قبل الحداثة انهارت، ونحن اليوم نواجه عالماً يحوي العديد من النسخ المتشابهة من الواقع، ولكل فريق يسعى للتمرد خطابه الخاص وشخوصه ومنطقه المتماسك داخلياً المرتبط بالنسخة المصطنعة عن الواقع. السؤال المطروح الآن، هل نحن حقاً بحاجة للتمرد لنغير ما هو قائم؟ واقعياً ما زال هذا السؤال بدون أي جواب. وتعتبر سوريا مثالاً واضحاً على ذلك، حيث نواجه أشكالاً مختلفة من التمرد، لكل منها تعريفاته الخاصة ونصوصه المكتوبة التي تؤصِّل له وتفككه في الوقت ذاته، جاك دريدا يقول: ((لا يمكننا تفكيك بنية بذات الأدوات التي تكونها))، هذا يعني أننا بحاجة إلى كتابة جديدة، من أجل التأسيس لحضور جديد قادر على تجاوز الواقع الفائق المبني من خلال وسائل الإعلام المعاصرة. فـ "دولة الإسلام" (داعش) يمكن أن تعتبر حركة ما بعد حداثيّة إذا نظرنا إليها من ناحية استخدام الأيديولوجيا، فتمردها يحاول إعادة إحياء حركة مهمّشة، وما يجعلها تزداد قوة هو أنها ليست في حاجة لتوليد نصوص جديد تؤصل لحضورها، فهذه النصوص موجودة وبانتظار أن يتم تحقيقها، فلا حاجة للكتابة، بما أن كل شيء قد تمت كتابته عبر التاريخ بالنسبة لهذه الحركة المتمردة.

 


[1] روائي سوري، كاتب سيناريو، وشاعر. جذبت روايته "مديح الكراهية" اهتمام وسائل الإعلام حول العالم، ووصلت الرواية للقائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الاولى عام 2008. ترجمت روايته إلى اللغات الفرنسية, الإيطالية, الألمانية, النروجية, الإنكليزية والإسبانية.

[2] صحفي وكاتب سوري، له أعمال أدبية قصيرة منشورة على موقع بلوكة، منها سلسلة قصص قصيرة بعنوان "الفزاعة". نشر عمله الأدبي الأول (رواية "قليل من الموت") في العام 2013 في بيروت، والذي ترشح عنه لجائزة الشيخ زايد - فرع المؤلف الشاب.

[3] روائي ومترجم، ولد في الرقة عام 1956، وتخرج من جامعة حلب، قسم اللغة العربية عام 1980. سافر إلى موسكو عام 1984، ودرس اللغة الروسية وعمل في إذاعة موسكو حتى عام 1993. يعمل في مديرية التأليف والترجمة في وزارة الثقافة منذ عام 1996.

[4] كاتبة سوريّة شابة من مواليد عام 1987،تعمل كطبيبة أسنان. نشرت روايتها الأولى مرّة عام 2014 في إطار "محترف نجوى بركات".

[5] كاتب سوري من مواليد السويداء يعمل كصحفي في عدد من الصحف العربية له عدد من الروايات المنشورة ومقيم حالياً في دمشق.

[6] كاتبة وقاصّة سورية من مواليد مدينة اللاذقية لها العديد من المجموعات القصصية، وتعمل كطبيبة للعيون.

[7]فلاديمير ألييتش أوليانوف المعروف بـلينين، ولد في 22  نيسلت/أبريل عام 1870 توفي 21  كانون الثاني/يناير عام 1924 ثوري روسي ماركسي كان قائد الحزب البلشفي والثورة البلشفية، كما أسس المذهب اللينيني السياسي .

[8]جا ن-بول شارل ايمارد سارتر ولد عام 1905 وتوفي عام 1980. فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وكاتب سيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي.

[9] ألبير كامو ولد عام 1913 وتوفي عام 1960 فيلسوف وكاتب مسرحي وروائي فرنسي-جزائري. 

[10]جان جينية شاعر وروائي وكاتب مسرحي فرنسي شهير، ولد في 19 كانون الأول/ديسمبر 1910 في باريس، وتوفي بها في 15  نيسان/أبريل.1986.

[11]ستيفان مالارمية شاعر فرنسي، وُلد في باريس 18 مارس عام 1842. ينتمي مالارميه إلى تيار الرمزية ويعد واحدًا من رواده.

[12]كتاب نشر عام 1951 يناقش فيه عبر مجموعة من المقالات حالات التمرد الميتافيزيقي والاجتماعي والسياسي والأدبي.

[13] منظر وفيلسوف فرنسي عاش بين  1930 و2004، ذو شهرة واسعة  في عالم الفلسفة والنقد الأدبي ويعتبر مؤسس المدرسة التفكيكية.

[14]منظر وعالم اجتماع فرنسي عاش بين 1929 وتوفي عام 2007 تنتمي أعماله إلى حقبة ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR