الثنائيات والثالوث

مقالة بقلم عبد الكريم بدرخان

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

العقل الشرقي المحكوم بالثنائيات، هو عقلٌ صداميّ إقصائي، يسير في خطّين متوازيين. هو عقلٌ لا يستطيع إثبات وجوده، إلّا بإقصاء الآخر من الوجود، ولا يستطيع إرساء نظريته المعرفية، إلا بإقصاء الآخرين من ميدان المعرفة. أما العقل الغربي القائم على الثالوث، فهو عقلٌ قادرٌ على الجمع بين الثنائيات المتناقضة، وإنتاج تركيبٍ يجمع طرفي الثنائية، بشكلٍ يحتوي الطرفين ولا يُقصي أحدهما. إنه عقلٌ تركيبي بنّاء، ثلاثي الأقطاب، لا يترك قطبين متضادّين إلّا ويجمع بينهما في ثالوث. أحاول في هذه السطور تعقّبَ أهمّ التيارات الفكرية في الشرق والغرب، وتحليلها وفقاً لـ "الثنائياتِ والثالوث" كآليتيّ تفكير.

أولاً - تمهيد

عندما أتحدثُ عن العصور القديمة، أي قبل سقوط روما عام 476م، فإنني أعني بالشرق: الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وفارس، وأعني بالغرب: مصر واليونان، أما بلاد الشام والأناضول فكانتا ساحة صراع بين العالَمين. وفي العصور الوسطى 476-1453م أعني بالشرق: البلاد العربية المسلمة وفارس، وأعني بالغرب: القارة الأوروبية المسيحية. أما في العصور الحديثة، أي بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م، فإنني أعني بالشرق: البلدان العربية، وأعني بالغرب: القارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية. كما أعني بالفكر الشرقي: ما يقوم على فهم شرقي للعالم، ولو ظهر شيءٌ منه في الغرب، كالفلسفة الرواقية. وأعني بالفكر الغربي: ما يقوم على فهم غربي للعالم، ولو ظهر شيءٌ منه في الشرق، كالأفلاطونية الجديدة.

وبما أن مصطَلَحي الشرق والغرب ينطويان على شيءٍ من التعميم، فإن دراسة الثنائيات كآلية تفكيرٍ للعقل الشرقي، ودراسة الثالوث كآلية تفكيرٍ للعقل الغربي، ستنطويان على شيءٍ من التعميم أيضاً، نظراً لقصَر حجم الدراسة مقارنةً مع سِعة الموضوع.

 

ثانياً - الثنائيات: آلية تفكير العقل الشرقي

الثنائيات هي الكلمات والمصطلحات والمفاهيم المتناقضة لغوياً وفكرياً، بشكلٍ يرتبطُ فيهِ ذكْـرُ إحداها بذكرِ الأخرى، ويتحدّدُ معناها بمعنى الأخرى- النقيض. ليست الثنائيات مجرّد كلماتٍ متضادّة لغوياً، بل هي تجسيدٌ لمواقف فكرية متناقضة، تصبح فيها هذه الثنائيات آلية تفكير تتحكم بعمل العقل، ويحدّدُ الإنسان من خلالها نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، وموقفه من الوجود وما وراء الوجود.

في اللاوعي الجمعي-كمرحلة أنثروبولوجية سبقتْ تشكّل اللاوعي الفردي-، كان الإنسانُ متماهياً مع الطبيعة جسداً وروحاً، وبدأ حينها باكتشاف الثنائيات الطبيعية كالليل والنهار، الشمس والقمر، الموت والحياة؛ ومع بدء الإنسان باكتشاف ذاتهِ المغايرة للطبيعة، بدأ اللاوعي الفردي بالتمييز بين الذكر والأنثى، كثنائيّة جديدة. وما كانت الرواية التوراتية عن شجرة المعرفة، واكتشاف آدم وحوّاء لعُريهما؛ تقصدُ المعنى الأخلاقي- الاجتماعي للعُري، بقدر ما تقصد اكتشاف الاختلاف البيولوجي بين الرجل والمرأة، كثنائية تبدأ منها الحياة.

قامت الديانة الزرادشتية على أهمّ ثنائية فكرية؛ أسستْ للعقل الشرقي حتى اليوم، وتتألف الثنائية الزرادشتية من أهورا مزدا إله النور والنهار والخير والمحبة والسماء، وأهريمان إله الظلام والليل والشر والكراهية والجحيم. ومع ظهور فكرة التوحيد عند أخناتون، كهروب من ثنائية الآلهة- ثنائية الفكر، وقع العقل الشرقي في معضلةٍ جديدة ألا وهي: إذا كان الإله الواحدُ هو مصدر الحق والخير والجمال في هذا العالم، وهو صاحب الإرادة العليا في الكون، فمن أين يأتي الباطلُ والشرّ والقباحة إلى العالم؟! وهل يكون الشرُ بإرادة الإله؟، ما ينفي عنه الخير المطلق، أم يكون الشرُّ دون إرادة الإله؟. وبالتالي ينفي عنه الإرادة المطلقة. قام العقل الشرقي بحلّ هذه المعضلة، عن طريق ابتكار شخصية الشيطان، ونسب جميع الشرور والآثام والكوارث إليه. وهكذا عاد العقل الشرقي محكوماً بالثنائية الزرادشتية أهورا مزدا-أهريمان، لكن بصيغتها الأخناتونية الموسوية الله-الشيطان. وقد جاءت الثنائية التوحيدية أكثر حدّةً وتناقضاً من الثنائية الزرادشتية، ففي الزرادشتية تتألف الثنائية من إلهين غريمين. أما في الأديان التوحيدية، فتتألف الثنائية من الخالق الكامل الصفات، والمخلوق الحقير الذي عصى أوامر خالقه. وبسبب هذه الحدّة في التناقض والانقسام، ظهرت الحروب الدينية لأول مرة، فالعالم لم يعرف حروباً دينية قبل الأديان التوحيدية.

ومع ظهور الإسلام، انتقل العقل الشرقي من توحيد الإله إلى توحيد شعائر عبادة هذا الإله، أي من توحيد الدين إلى توحيد المجتمع. فقبل الإسلام، كان الإنسان في الجزيرة العربية يعبد الإله الواحد عن طريق صنم هُـبَـل، وعندما يذهب إلى الشام يعبد الإله الواحد عن طريق صنم حَـدَد، إذْ كان لكلّ منطقة شعيرتُها الدينية الخاصة للتقرُّب من الإله الواحد. أما الإسلام فأراد توحيد هذه الشعائر، معلناً حربه على الشعائر المختلفة عنه، منطلقاً من تصنيف البشر ضمن ثنائية مسلم-مشرك، وبهدف تصنيف البشر في ثنائية أخرى وهي الجنة-النار. وبعد القضاء على المشركين في الحروب الإسلامية وحروب الردة، لم يتخلّص العقل الشرقي من ثنائية مسلم-مشرك، بل استبدلها بثنائية مؤمن- كافر، والكافر هو كل من يخالف ركناً من أركان الدين، أو يعصي أمراً من أوامره، ولو كان مسلماً قلباً وقالباً.

حاول واصل بن عطاء ترويضَ الصِدام الحادّ بين طرفي ثنائية مؤمن-كافر، عن طريق طرحه لفكرة المنزلة بين المنزلتين، ومع أنّ هذا الطرح لم يكن تركيباً بالمعنى الهيغيلي، أي أنه لا يشمل طرفي الثنائية، بل هو أشبه بحالة برزخيّة تخفّف من حدّة الصدام بينهما، إلّا أنه كان الطرحَ الأهمّ في علم الكلام، لكونه محاولةً للوصول إلى فكرة الثالوث. وفي النهاية كان الانتصارُ لمذهب ابن حنبل القائم على الثنائيات، على مذهب المعتزلة.

ومنذ تأسيس علم الكلام، وتأسيس المذاهب الفقهية الأربعة، وحتى هذا اليوم، يدور الفقه الإسلامي بين قطْبي ثنائية العقل-النقل، وينتجُ عنها تياران فكريان رئيسيان الأول تيار يأخذ بالنقل ولو خالف العقل، والثاني يضع العقل إماماً، ويربط النقل بظروفه الزمانية والمكانية، وبأسباب التنزيل. ويظهر هذا الانقسام الثنائي جليّاً، في بيتٍ شعري لأبي العلاء المعرّي قائلا:

((اثنانِ أهلُ الأرضِ، ذو دينٍ بلا ...... عقلٍ، وآخرُ عاقلٌ لا دينَ لَـهْ))

حاول ابن رشد تخفيف الصدام الحادّ بين قطبيّ ثنائية العقل-النقل، قائلاً بأنْ لا تعارضَ بين الدين والفلسفة، طالما أنهما يهدفانِ إلى خير الإنسان. وحاول إقامة تركيبٍ فكري يجمع طرفي هذه الثنائية، ولا يقصي طرفاً منها، في كتابه "فصل المقال" و"تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، لكنّ كُتبه أحرقتْ، وعُوقبَ كلُّ من قرأها، وكلّ من فكّر بمحتواها.

وبعد المرور على علم الكلام، لا يمكننا تجاوز الصوفية كواحدة من أهم التيارات الفكرية الإسلامية. فالصوفية بجذورها البوذية والبراهمية، وبما طرأ عليها من تأثيراتٍ زرادشتيةٍ وأفلاطونيةٍ حديثة، إلى أن بلغتْ صورتها الأكمل عند المتصوفة المسلمين، تشكّل التيار الفكري المعبّر أفضلَ تعبيرٍ عن العقل الشرقي. فالصوفية تقوم أساساً ومنهجاً على الثنائيات، ومعظم المصطلحات الصوفية مثنوية: الفناء والبقاء، التجرّد والتفرّد، السكرة والصحوة، الجمع والتفرقة، الكشف والستر...، وتدور الموضوعات التي ناقشها الصوفيون بين ثنائيات: الظاهر والباطن، التجلّي والحجاب، الروح والجسد، العبد والمعبود...، وتظهر هذه الثنائيات كآلية تفكير للعقل الصوفي بوضوحٍ جليّ في كتاب "المواقف والمخاطبات" للنفّري، فهو لا يناقش موضوعةً إلا بضربها بنقيضها، ليدخل العقل بعدها في صراع متناقضات. أما الفكرة الأهمّ التي قدّمتها الصوفية للشرق، فهي وحدة الوجود، لأنها فكرةٌ تحطّم الثنائيات -الروح والجسد، العالم المادي والعالم المعنوي، الخالق والمخلوقات...-، وتجعل منها وحدةً منسجمةً متكاملةً، وحدةً تجمع الثنائيات في ثالوث يشملُها ولا يقصيها. إذاً؛ تقوم الصوفية أساساً ومنهجاً على الثنائيات، أما اعتبارها تفكيراً ثالوثياً فهو يقتصر على مَنْ قال بوحدة الوجود مثل الحلّاج، ولا يشمل من رفض وحدة الوجود مثل ابن عربي القائل: ((من قال بالحلول فدينُه معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهلُ الإلحاد)). وأعتقد أن فكرة وحدة الوجود جاءتْ من الأفلاطونية الحديثة، ومن إيمانها بوجود إلهٍ يفيضُ عنهُ الكونُ والوجودُ بكلّ ما فيه من مخلوقات، بحيث لا تنفصلُ الأشياء عن الإله، ولا ينقطع الفيض. أي أنّ جمع المتناقضات في ثالوث، أو وحدةٍ كلّية، كان بتأثير من العقل الغربي.

أما الشعر العربي، فإنه ومنذ أوائل العصر العباسي وإلى اليوم، يعيش صداماً بين القديم والجديد، أو المقلّد والمجدّد، أو السلفية والإبداع. ولم يكن هذا الصدامُ حواراً ثقافياً، ولم يكن تركيباً حداثوياً يقدّمُ القديمَ بأسلوبٍ جديد، ولم يكن يعتبرُ الجديدَ امتداداً للقديم. بل كان صداماً إقصائياً بين طرفي ثنائية، كلُّ طرفٍ منها يحاول إلغاء الآخر، وقد اتضحتْ حدّة هذا الصدام الإقصائي في صرخة الأعرابيّ في وجه الشاعر أبي تمام: ((إذا كان هذا شعراً، فكلامُ العرب باطل))، كما اتضحَ في إجابة أبي تمام على سؤال لماذا تقول ما لا يُـفهم؟، فأجاب: ((لماذا لا تفهمون ما يُـقال؟)). وعندما قام أدونيس بدراسة التاريخ العربي-الإسلامي في ثلاثة مجالات: السياسة، الفقه، الأدب. درسه من خلال ثنائية الثابت-المتحوّل، ورأى أن الصراع في هذه المجالات الثلاثة، كان بين الثبات السياسي والفقهي والأدبي من جهة، ومحاولات التغيير في السياسة والفقه والأدب من الجهة المقابلة. وفي النهاية كان الانتصار لتيّار الثبات.

في فترة استقلال الدول العربية من الاستعمار الأجنبي، كان عصرُ القوميّات في أوجه، وكانت القومية العربية دافعاً رئيساً للثورة ضد الدولة العثمانية، ثم ضدّ الاستعمار الغربي، وهكذا حكمت الأنظمة العربية بعد الاستقلال، وفقاً لثنائية عربي-غير عربي، ثم عروبي-غير عروبي. وقد انطلقت هذه الثنائية من الإيديولوجيا، لا من الواقع. وكانت أداةً من أدوات ترسيخ النظام الحاكم بالقوة والقمع. أما بعد نكسة حزيران 1967، فكانت ثنائية وطني-عميل جاهزةً كوسيلةٍ لتثبيت أنظمة الحكم الانقلابية، ولتبرير قمعها لأيّ صوت معارض. وفي فترة الربيع العربي، انقسمت الشعوب العربية وفقاً لثنائية مؤيد-معارض، التي يُقصي كلُّ طرفٍ منها الآخر، ويُقصي ملايين الناس الذين لا تنطبق عليهم صفة من هاتين الصفتين.

وفي السنوات الماضية، تنّبه العربُ إلى مفهوم العلمانية القادم من الغرب، والذي ما زلنا نحاول اكتشافه. ومع أن العلمانية تركيبٌ يتألف من ثنائية الدين-الدولة، بشكلٍ يحتوي طرفي الثنائية، ولا يقصي أحدهما الآخر. إلّا أن العقل العربي لم يستطع استيعاب العلمانية كتركيب، لأنه عقلٌ محكوم بالثنائيات، فاعتبرها طرفاً جديداً في ثنائية جديدة. ولكي تكتمل الثنائية، أوجدَ للعلمانية نقيضاً سمّاه الإسلامي، علماً أنهما ليسا مفهومين متناقضين فكرياً أو لغوياً، وعلماً أن العلمانية صفةٌ لنظام حكم، وليستْ صفةً لشخص. وهكذا أصبحتْ ثنائية علماني-إسلامي تحكم الصراعات السياسية في الدول العربية، وينقسم المجتمع على أساسها، انقساماً حدّياً إقصائياً.

إذن فالعقل الشرقي الذي تحكمه الثنائيات، هو عقل صدامي وإقصائي، يسير في خطّين متوازيين مثل سكّة القطار. هو عقلٌ لا يستطيع إثبات وجوده، إلّا بإقصاء الآخر من الوجود. ولا يستطيع إرساء نظريته المعرفية، إلا بإقصاء الآخرين من ميدان المعرفة. هو عقلٌ غير قادر على أن يجمع الثنائيات في ثالوث، وبالتالي فهو غير قادر على إقامة نظام ديمقراطي تعدّدي، وغير قادر على إقامة نظام علماني، وغير قادر على السماح بالتنوّع الفكري والثقافي. إنه عقلٌ محكوم بالصراع الهدّام، لا بالصراع البنّاء.

 

ثالثاً - الثالوث: آلية تفكير العقل الغربي

ترتبط كلمة الثالوث اليوم باللاهوت المسيحي، لكنها في الحقيقة آلية تفكير أقدم من المسيحية، إنها رؤية تحليلة للعالم على أساس ثلاثي الأقطاب، ونظرة تركيبية للمستقبل على أساس ثلاثي الأقطاب أيضاً. الثالوث آلية تفكير تحكم العقل الغربي، ومن خلال الثالوث يقوم العقل بفهم العالم، ومن خلاله أيضاً، يؤسس للفكر الجديد.

أقدم ثالوث وأهمّ ثالوث عرفه العقل البشري، هو تقسيم الكون إلى ثلاثة عوالم وهي: السماء أو الجنة، الأرض، والجحيم أو العالم السفلي. فالسماء موطن الآلهة والملائكة والأبطال الخالدين، وقيم الحق والخير والجمال من جهة. والجحيم موطن الشياطين والعفاريت والأرواح الشريرة، وقيم الباطل والشر والقباحة من الجهة المقابلة. أما الأرض فهي ساحة صراع بين العالمين، فكِلا العالمين يؤثران بها، ويحاولان ضمّها إليه. والأرضُ ليست برزخاً أو منزلة وسطى بين العالمين، بل هي تركيبٌ يضمّ كلَّ ما في العالمين. فالأرضُ يمكن أن تصيرَ جـنّــةً وفقاً لنظريات اليوتوبيا والمدينة الفاضلة، ويمكن أن تصير جحيماً وفقاً لنظريات الديستوبيا والمدينة الفاسدة.

في مصر القديمة، كان العالم محكوماً بثالوث: أوزيريس، إيزيس، وحورس. أوزيريس إله السماء والزمن، إيزيس الأم أو الأرض والمكان، وابنهما حورس إله الشمس، الذي يمثل دورة الحياة في الطبيعة. وبما أن المسيحية القديمة تأسست لاهوتياً وفكرياً في مصر، وكانت كنيسة الإسكندرية سيدة الكنائس المسكونية في العالم القديم، فقد أخذت المسيحية من الإرث الديني الفرعوني، وقدمتْ ثالوثها الأب، الابن، والروح القدس؛ كامتداد للثالوث المصري. وهنا نلحظ أن الثالوث المصري كان زراعياً-واقعياً، بينما كان الثالوث المسيحي لاهوتياً-ميتافيزيقياً. ونلحظ في الثالوث المسيحي إقصاء المرأة من أقطاب الثالوث، بالرغم من المكانة العظيمة التي تحتلّها السيدة العذراء في الدين المسيحي. ويرجعُ ذلك إلى دخول المجتمع نهائياً في النظام الأبوي البطريركي، ويرجعُ أيضاً إلى الإرث اليهودي، ونظرةِ اليهود الدونيّة للمرأة، باعتبارها مرتكبة الخطيئة الأولى. وفي معرض حديثنا عن الثالوث، لا ننسى بأن الأهرامات الكبرى في مصر عددُها ثلاثة، وأن المسيح بقيَ على الصليب ثلاثة أيام، وأنه عاش 33 عاماً.

 وفي شمال مصر الفرعونية ثم المسيحية، كان الفكر اليوناني قائماً على الثالوث أيضاً، ومن أهم تجلّيات الثالوث اليوناني؛ نظرية الأخلاق عند أرسطو، المعروفة باسم "الوسط الذهبي"، والتي يعتبر فيها الفضيلة وسطاً بين رذيلتين. وكذلك نظريته في المنطق، التي تقوم على ثالوث: مقدمة كبرى، مقدمة صغرى، ونتيجة. وكان الجدل اليوناني قائماً على الثالوث أيضاً، ومن أهمّه الجدل الأفلاطوني القائم على ثالوث: الواقع، المثال، والعقل، فمن حالة التناقض بين طرفي ثنائية الواقع-المثال، جعلَ أفلاطونُ العقلَ تركيباً جامعاً بين طرفي الثنائية، فعندما يريد العقلُ الوصولَ إلى المثال، نسمّيه "الجدل الصاعد"، وعندما يريد العقلُ معرفة تفاصيل الواقع، نسمّيه "الجدل الهابط".

في العصور الوسطى، انتقلت المسيحية من الشرق إلى الغرب، حاملةً معها ما سمّاه أرسطو "الاستبداد الشرقي". وبما أن الثالوث المسيحي كان لاهوتياً-ميتافيزيقياً، فقد حصَرَت الكنيسةُ الثالوثَ والفكر الثالوثي في الغيبيّات والماورئيّات، أما الأرضُ وقوانين الواقع والعلوم الطبيعية، فقد حكمتْها الكنيسةُ وفقاً للثنائيات الحادة، ومن أهمها مسيحي-هرطوقي، والمغفور له-المطرود من رحمة الكنيسة. ولهذا لم يظهر في أوروبا خلال ألف عام من سيطرة الكنيسة، أي فيلسوف أو عالم أو مخترع أو مبدع في أي مجال.

وفي أواخر العصور الوسطى، كان الفيلسوف ابنُ رشد أكثر فلاسفة الشرق تأثيراً في الغرب، فهو الفيلسوف الشرقي الوحيد الذي وضعه الفنان رافائيل في لوحته الشهيرة "مدرسة أثينا"، ويعود ذلك إلى أنّ ابن رشد اتبع المنهج الثالوثي بالتوفيق بين الدين والفلسفة، تركيبيّاً لا إقصائياً، فاستقبل الغربُ فلسفة ابن رشد وكأنها امتدادٌ للفلسفة اليوناينة، وظهرَ لابن رشد الكثيرُ من التلاميذ والأتباع في أوروبا، وحتى داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها، ومن أهمّهم القدّيس توما الأكويني.

كان عصر النهضة Renaissance في أوروبا، تخليصاً للعقل الغربي من حكم الكنيسة، أي من حكم الثنائيات الإقصائية، والعودة به إلى الفكر اليوناني والروماني، أي إلى الفكر القائم على الثالوث. أعني الثالوث كآلية تفكير في الفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم الطبيعة، ولا أعني الثالوث المسيحي اللاهوتي المفارق للواقع، والمتعالي على الطبيعة والعقل. وبعد حركة الإصلاح الديني Reformation، أصبحت التربة مناسبة لظهور فيلسوف مثل ديكارت، الذي وجد أنَّ آلية تفكير العقل الأوروبي تسير في تيّارين؛  أولهما البداهة: أي التصوّر الذي يتكوّن في نفس سليمة منتبهة، وثانيهما الاستنباط: أي العملية العقلية التي تنقلنا من الفكرة البديهية إلى نتيجة تصدر عنها بالضرورة، ومن خلال الجمع بين هذين التيارين، وضع ديكارت نظرية المعرفة، التي تعرف اليوم باسم "المنهج الديكارتي".

في عصر التنوير Enlightenment الذي يمتدّ من جون لوك إلى الثورة الفرنسية، انتشرتْ نظريات الحرية الطبيعية، القائمة على اعتبار الإنسان حرّاً بطبعه، وخيّراً بطبعه. لكنّ هذه الحرية الفطرية المطلقة، راحتْ تصطدم بالسلطة الحاكمة، التي لا بدُّ من وجودها لتنظيم الحريات بين الأفراد. ومن خلال الصدام بين قطبي ثنائية الحرية-السلطة، أنتج العقل الغربي نظرية العقد الاجتماعي، عند لوك وهوبز وروسّـو، وفقاً لثالوث: الحرية مع سلطة تنتج العقد اجتماعي. ومن العقد الاجتماعي نشأت الليبرالية كفلسفة سياسية.

في بداية القرن التاسع عشر، كان هيغل أكثر الفلاسفة الغربيين اعتماداً على الثالوث كآلية تفكير، فقام مشروعه الفلسفي على جمع المتناقضات ووضعها في سياق وحدة عقلانية شاملة. تقوم جدلية هيغل المثالية على ثالوث: أطروحة مع نقيض ينتج التركيب، ووفقاً لفلسفته التي تعتبر الوعي سابقاً للمادة، ينطلق العقل معتمداً على الثالوث كمنهج تفكير- بتفسير الظواهر الطبيعية، وبالبحث في الفلسفة والمنطق وعلم الجمال، ولا ينتهي عند الماورئيات. وبعد هيغل بفترة قصيرة، جاء كارل ماركس وبنى نظرية المادية الجدلية، جامعاً بين الجدلية المثالية عند هيغل، والجدلية السكُونية عند فويرباخ. واستطاع ماركس بناء نظرية اقتصادية هامة، ذات أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية فيما بعد، مُنطلِقاً من جدلية هيغل المعتمدة على فكرة الثالوث. فمِنْ صراع الطبقات -ثنائية- تتحرّك عجلة التاريخ -ثالوث- ومن الصراع بين العامل وربّ العمل ثنائية- أوجدَ ماركس نظرية قيمة العمل ثالوث-، وكذلك الصراع بين الفلاح والإقطاعي. لكنّ الأنظمة السياسية التي انتهجت الشيوعية، فقد فرضتْ طبيعتُها الثوريةُ أو الانقلابية بأنْ تكون أنظمةً راديكاليةً في النهج والتطبيق، فكانت متحيّزةً إلى جانب العامل ضد ربّ العمل، مما أخلّ بقانون الثالوث.

تأسس علم النفس الحديث على يد سيغموند فرويد، وكانت نظريتُه في علم النفس أساساً بنيوياً لكل ما جاء من بعدها. قامتْ نظرية فرويد على ثالوث: الأنا، الأنا الأعلى، والـهُـوَ، فمن الصراع الدائم بين الرغبات المكبوتة في اللاوعي وهي الهُوَ من جهة، والقيم الاجتماعية والأخلاقية أي الأنا الأعلى من الجهة المقابلة، ينتج سلوك الإنسان وتصرفاته وأقواله ومواقفه التي تتجلى بالأنا. وهكذا لا يمكن تفسير سلوك الإنسان بالاعتماد على الغريزة فقط، ولا على القيم الاجتماعية فقط، بل لا بدّ من تركيب يجمع بين طرفي الثنائية، وفقاً لقانون الثالوث.

 صحيحٌ أن الغرب تخلّص من سيطرة الكنيسة على الدولة والمجتمع بعد حركة الإصلاح الديني، إلا أنه لم يستطع التخلّص من الصدام المتكرّر بين المؤسسة الكنسيّة والمؤسسة السياسية ثنائية-؛ إلّا بإيجاد تركيبٍ يجمع بين الطرفين، بشكلٍ يحتويهما ولا يقصي أحدهما، فجاء مفهوم العلمانية تركيباً جامعاً بين الدين والدولة، وفقاً لقانون الثالوث: دين مع دولة تنتج العلمانية. صحيحٌ أنّ جوهر العلمانية هو فصل الدين عن الدولة، أي عدم وجود علاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، إلا أنّ اللا علاقة هي علاقةٌ أيضاً، تمنع سيطرة أحد طرفي الثنائية على الآخر (وهنا أشيرُ إلى أنني أعتبرُ  العلمانية مفهوماً  Paradigm، لا مصطلحاً Term كما هو سائد).

إذن فالعقل الغربي القائم على الثالوث، هو عقل قادر على الجمع بين الثنائيات المتناقضة، وإنتاج تركيب يجمع طرفي الثنائية، بشكلٍ يحتوي الطرفين، ولا يقصي أحدهما. إنه عقل تركيبي بنّاء، ثلاثي الأقطاب، لا يترك قطبين متضادّين إلّا ويجمع بينهما وفقاً لقانون الثالوث. ولذلك فهو العقل الذي أنتج الدولة الديمقراطية، وأنتج العقد الاجتماعي والعلمانية...، بعكس العقل الشرقي المحكوم بالثنائيات الإقصائية. فالثالوث باقٍ مثل أهرامات مصر، ومنطق أرسطو، ومنهج ديكارت، وجدلية هيغل، أما الثنائيات فهي متناوبة البقاء والزوال، مثل الليل والنهار، ولا وجودَ لأحدِ أطراف الثنائية؛ إلّا بعدميّة الآخر.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR