في الدجل السياسي

مقالة بقلم هوازن خداج

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

إنَّ مقولة "الإسلام والغرب" التي تصدَّرت واجهة الحوارات في البحث عن حلولٍ لمشكلة الإرهاب التي يتمُّ دعمها وتوجيهها لأهدافٍ سياسيةٍ وليست دينيةٍ فقط، ما هي إلَّا ضربٌ من الدجل السياسي. فهذا الخلط المقصود بين الدين والدول في إطلاق شعارٍ دينيٍّ سياسيٍّ ما هو إلَّا سعيٌ لخلق تصنيفٍ آخر لدول العالم العربي، يُراد منه دمج الهوية الوطنية بالهوية الدينية فهويتنا إمَّا يهودية أو مسيحية أو إسلامية، وهويةُ المسلمين إما شيعة أو سُنَّة، وهذا يعني إشعال الحرائق والاقتتال الديني المذهبي وصب الزيت على ما تبقى من النيران الخامدة تحت رماد بلدان الوطن العربي.

مع انتشار موجات العنف الديني الذي شكَّلت فيه المسألة الإسلامية مِفصلاً هاماً في الغرب، حتى باتت عنواناً لأيِّ عملٍ إرهابي يحدث من قبل شخص مسلم، تمَّ طرح مقولة "الإسلام والغرب" وتبنِّيها من قبل الغرب بما تحمله في عمقها من خللٍ فاضح.

شَغَلت العلاقة مع دول العالم الإسلامي مساحةً كافيةً في تغطية وسائل الإعلام لأسبابٍ متنوعة على رأسها وجود النفط والغاز؛ عصب التطور المستدام في هذه البقعة من العالم التي لا تشترك إلَّا هامشياً في عملية الإنتاج الصناعي، والتسابق للسيطرة عليه من قبل الدول الصناعية المتطورة، وهنا لا توجد علاقةٌ مباشرة للدين في موضوع اقتصاديٍّ سياسيٍّ بحت، لكنَّ السياسة والاقتصاد كانا، وما زالا، يعملان بالتوازي كأسبابٍ لسيطرة وفوز الأقوى.

أمَّا السبب الثاني هو موضوع الهجرة الإسلامية إلى الدول المتطورة والمنفتحة للبحث عن موارد الرِّزق، وما نتج عنها من تجمعات تعجز نسبياً عن التوفيق بين ثقافتها وهويتها، وبين المحيط الاجتماعي والبيئة الثقافية المنفتحة والمناخ الفكريِّ العام الذي يعيشونه داخل هذه الدول العاملة والمنتجة. وفي معظم الأحيان يتمُّ اختزال الجالية الإسلامية في العالم الغربي في هويتها الدينية وحسب، حيث تنظر الحكومات الغربية إلى المسلمين باعتبارهم فئة ذات إشكاليات اجتماعية، فقد احتلَّ الأشخاص ذوي الخلفية المسلمة منذ السبعينات مكانةً متقدمةً في التقارير التي تتناول المشاكل الاجتماعية والجريمة والاضطرابات والعنف والفقر في كثيرٍ من الدول الأوروبية، بعد أن عانت مدنٌ فرنسيةٌ وبريطانية من العنف الذي تمَّت ترجمته وتصنيفه تحت لواء الدين، ولم يتم تبيُّن الأسباب والعوامل المختلفة من الفقر إلى البطالة وغيرها مما يساهم في بروز العنف بشكله العام والخاص.

ومع أحداث الحادي عشر من سبتمبر برز اسم الإسلام واضحاً، وتحوَّلت مشكلات العالم الغربي الاجتماعية إلى مشكلاتٍ أساسها الدين بين الأفواج الأولى من المهاجرين من العالم الإسلامي إلى البلدان غير الإسلامية وبين سياسة تلك البلدان، وحوَّلت الانتباه إلى ما يسمَّى نظرية صراع الحضارات والأديان التي لم تفارق كونها لعبةً سياسيةً بعيدةً عن الأسس الصحيحة في استقدام الحلول.

أمَّا السبب الثالث والأهم فهو بروز الفكر الإسلامي السلفي المتعصب والتيارات المتطرفة، التي تسعى لتحقيق دار السلام -وهي دار الإسلام- حيث يتعيَّن أن يكون العالم أمَّةً واحدة، تحكمها تقاليد الإسلام، وأنَّ الذي يخرج عن قوانينها يتعيَّن محاربته لردِّه إلى الصواب، ضمن خطابٍ سياسيٍّ أيديولوجي يحطُّ من كرامة الإنسان عبر آليةِ الفرز بين كافرٍ أو مؤمن، والسعي لإقامة دولٍ شموليةٍ استبداديةٍ ترفض التعدُّديات السياسية أو الدينية أو الفكرية، بالإضافة إلى مناهضة الحداثة وكره الثقافة الغربية. وهذا ما تسعى الدول الغربية إلى محاربته أو تقليصه، باعتباره يشكِّل تهديداً مباشراً على دولها وعلى كافة دول العالم، مع إهمالها لإحدى البديهيات وهي أنَّ هذه الحركات الأصولية والإرهاب، يتمُّ دعمها وتوجيهها لأهدافٍ سياسيةٍ وليست دينيةٍ فقط، وإنَّها بشكلٍ ما تمثِّل أبرز التعبيرات عن التناقضات والإخفاقات والفشل الاقتصادي والثقافي والفكري في الدول العربية.

تصدّرت مقولة "الإسلام والغرب" واجهة الحوارات في البحث عن حلولٍ لمشكلة الإرهاب أو خطوط تقاربٍ بينهم منذ تمَّ طرحها على لسان الرئيس باراك أوباما الذي حاول في بداية عهده عام 2009، إعادة بناء التحالفات الأمريكية تبعاً للمصلحة الأمريكية وتحسين صورة أمريكا أمام شعوب المنطقة بعد انهيارها في زمن الرئيس بوش واجتياح العراق، ومقولته الشهيرة عن ((حربٍ صليبةٍ قادمة)). فكانت زيارة أوباما لتركيا ومحاضرته في القاهرة التي عنونها "الغرب والإسلام" ضمن محاولة الرئيس أوباما للتأكيد على أنَّ أمريكا ليست عدواً للإسلام، لتسقط الكثيرين في فخ الكلمات، إذ أنَّ حالة الجمع بين الأديان وخصوصاً الدين الإسلامي ودول الغرب في عنوانٍ واحد، والسعي للمقارنة بينهم هي أكثر ما تكون ضرباً من الدَّجل السياسي الذي يسود العالم على اتساعه. فالإسلام دينٌ لا حدود جغرافيةٍ له، ينتشر في دول العالم كما انتشرت المسيحية واليهودية وغيرها. وبالتالي يمكن المقارنة بين الأديان في محاولة لخلق نوعٍ من التقارب بينها يقوم على مبدأ محبة الله والتسامح الإنساني بين البشر. أمَّا البحث عن نقاط تقارب بين دين الإسلام وموقع جغرافي متمَّثلٍ بدول الغرب القومية التي تحتوي كافة الأديان المتعايشة في مجتمعات ديمقراطية علمانية، ليس للدين فيها أيُّ تأثيرٍ على حركة المجتمع وتطوره. بالتأكيد ليس المراد من هذه المقولة توجيه الأنظار إلى مسيحية الغرب لأنَّ هذا لا يمثل حقيقة المشكلة، فالإسلام لا يعادي مسيحيي الغرب، والعالم المسيحي نفسه عانى من صراعات دموية حصيلة الصراع على المصالح، والمسلمون المنتمون إلى الهويات القومية الأوروبية أو الأميركية يُحارِبون تحت علم دولهم لا علم الإسلام. فالعديد من المسلمين الأميركيين حاربوا في العراق وأفغانستان وسيحاربون أيَّة دولةٍ غالبية سكانها مسلمة باسم مصالح دولتهم، لهذا فإنَّ هذه المقولة ما هي إلَّا سعيٌ لخلق تصنيفٍ آخر لدول العالم العربي وفتح أبواب أخرى في التهميش واختزال الدول العربية ذات الطابع الإسلامي إلى مجرَّد أديان، كما تمثِّل دعوةً صريحةً لتحييد الغرب بمجمله عن مرمى السلفية الإسلامية، ولجعله جبهةً واحدةً في مقابل الإسلام كموقع جغرافي متمثِّلٍ في الوطن العربي والعالم الإسلامي الذي لا يمكننا التعميم تجاهه واعتباره بالكامل أصولي أو متطرف، دون النظر إلى اختلاف الرؤية وتفسير الدين الإسلامي بين المسلمين أنفسهم وانقسامهم بين إسلاميين معتدلين يحملون راية قبول الآخر ويسعون إلى خلق حالة الوفاق بين مكوِّنات مجتمعهم، وإسلاميين متشددين يستندون إلى فلسفة الإقصاء وكراهية الآخر المشبعة بالتكفير الممنهج ويسعون لفرض الدين الإسلامي كحلٍّ نهائيٍّ لمشكلات البشر حتى لو أدَّى ذلك إلى إزهاق آلاف الأرواح، مستمدِّين خطابهم من أسطورة العصر الذهبي الإسلامي مع إهمالهم لحتميةٍ لا مفرَّ من مواجهتها يوماً بالنسبة لهذه التيارات، وهي أنَّ الزمن يسير إلى الأمام فقط وأنَّ الفكر الديني المتطرِّف هو فكرٌ آيلٌ للسقوط بفعل التقادم، ودون النظر إلى خصوصية البلدان والتأثر بالطابع الحضاري الخاص فيها.

هذا التعميم يعني أنَّ إسلاميي باكستان أو تركيا أو إيران يعيشون المشكلات ذاتها ويواجهونها بنفس الطريقة، فرغم أنَّ القيم الروحية بمجملها لها تأثيرها على الواقع المعاش باعتبارها عصباً له جانبٌ كبيرٌ من الأهمية في تحريك علاقات الجماعات البشرية المختلفة وطبائعها وأنماطها، ويوجِّه دوافعها ومساراتها في مجرى التاريخ، هذه القيم الروحية متمثِّلةً بشكل أساسيٍّ في الدين؛ الذي تحوَّل إلى حالةٍ من التعصُّب وعدم قبول الآخر عند كثير من الجماعات، وفرض وجوده كأزمة من أزمات العصر في ظلِّ غياب الحكومات العلمانية التي تبقيه في إطار العلاقة الخاصة للفرد مع ربِّه وتبعده عن السياسات العامة للدول، لكنَّ هذا الخلط المقصود بين الدين والدول في إطلاق شعار دينيٍّ سياسيٍّ يُراد منه دمج الهوية الوطنية بالهوية الدينية، فهويتنا إما يهودية أو مسيحية أو إسلامية، وهوية المسلمين إما شيعة أو سُنَّة، وهذا يعني إشعال الحرائق والاقتتال الديني المذهبي على اتساع حدود الوطن العربي.

هذه المقولة التي يجري استعمالها وكأنَّها مبادرةٌ لفتح أبواب الحوار مع هذا الخلط المقصود والوقوع في فخِّ التعميم تجاه العالم الإسلامي الذي لا يمكن وضعه في سلة واحدة، ما هو إلَّا حوارٌ عبثيٌّ في المنحى الديني للدول العربية التي اختلطت فيها الأمور الدينية والثقافية بالأمور الاقتصادية والسياسية، وحوار مصالح في المنحى الاقتصادي السياسي للعالم الغربي، وذلك لعدم التوافق فيما يتحاورون لأجله وإلى ما سيصلون إليه، فهل هو بشأن الأديان؟ أو أنَّه مجرد محاولاتِ التفافٍ على الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية؟ أو صب الزيت على ما تبقى من النيران الخامدة تحت الرماد في هذه البلدان؟



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR