دون جوان والدين

دراسة بقلم عمر الجباعي

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تحاول هذه الدراسة استشكاف العلاقة بين الدين والشخصية الدونجوانية، وفي محاولتها تلك تكشف أنَّ الدين ليس مجرد قواعدَ أخلاقيةٍ وطقوس عبادة، بل ووسيلة للسيطرة أيضاً. كذلك تكشف أنَّ دون جوان ليس مجرَّد شخصية متهتكة، بل على العكس، إنَّه وجهة نظر قلقة تجاه الوجود والميتافيزيقيا. وبالتالي فإنَّ محاولات الدين للسيطرة، ومحاولات دون جوان للتساؤل، تخلق بين الطرفين علاقةً متوترة. وتفرض هذه العلاقة المتوترة آليات تعاطي كل طرفٍ منهما مع الآخر، مع أنَّ الشخصية الدونجوانية تشبه شخصيات دينية هامة في كثيرٍ من صفاتها. الأسطورة والغريزة الجنسية والأخلاق وحتى إبليس مفرداتٌ استخدمناها في هذه الدراسة للوصول إلى هدفنا، آخذين بعين الاعتبار أنَّها مجرَّدُ بدايةٍ لبحثٍ طويل في الشخصية الدونجوانية، وربما في الدين أيضاً.

تمهيد

في عام 2003 كلَّفني الدكتور جمال الشحيد بكتابة بحث عن "النظرة الدينية إلى دون جوان" ضمن مقرر ندرسه في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق هو مقرر "موضوع خاص". لم أجد حينها مصادر أو مراجع باللغة العربية تتناول دون جوان من هذا الجانب، حتى "في الحب والحب والعذري" لصادق جلال العظم، و"أسطورة دون جوان" لجان روسيه والمترجم إلى العربية لا يخوضان في الشخصية الدونجوانية من هذا الباب، لذلك كان لابدَّ لي من الاعتماد على مصادر ومراجع أخرى باللغة العربية -أصلاً أو ترجمة- والبناء عليها تحليلاً واستنتاجاً لاستجلاء النظرة الدينية إلى دون جوان.

وكما سنلاحظ في الصفحات القادمة فإنَّ الشخصية الدونجوانية ليست تلك التي تعبِّر عن رجلٍ لعوبٍ وكاذب، إنَّها شخصية أكثر تعقيداً من ذلك، شخصيةٌ باحثة عن حقيقة الوجود، شخصيةٌ لا نعرف لماذا نحبُّها رغم أنَّها تخرق كل القواعد الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي ننعتُ خارقها عادةً بالكافر أو عديم الأخلاق أو المنافق أو غيرها.

لاستكشاف ماهية العلاقة بين دون جوان والدين، وأسباب كون هذه الماهية على ما هي عليه، كان لابدَّ من الخوض في نشأة كلٍّ منهما، دون جوان والدين، ثم استعراض الجوانب الأساسية لشخصية دون جوان وموقف الدين منها، ولتحديد تلك الجوانب اعتمدت على نصين مسرحيين عن دون جوان، الأول هو مسرحية "دون جوان" لجان باتيست موليير، والثاني هو "الزائر الحجري" أو "الضيف الحجري" في ترجمة أخرى لألكساندر بوشكين. أما لتحديد موقف الدين من تلك الصفات فكان لا بدَّ أن أحدِّد أولاً عن أيَّة أديان نتحدث، لذلك اخترت الدينين الأكثر انتشاراً في منطقتنا وهما المسيحية والإسلام، وبالتالي لم يكن من الممكن تجاهل اليهودية وهي الأكثر تأثيراً في هذين الدينين رغم ضيق انتشارها.

وكما يرفض دون جوان أي وسيط بينه وبين المعرفة ليفسر أو يحاول أن يفرض رأيه في تلك المعرفة المفسَّرة له، كذلك حاولتُ أن أعتمد على المصادر الأساسية من مسرحياتٍ وكتبٍ سماوية، دون العودة إلى التفسيرات الكثيرة، فالنص واضحٌ لا لبس فيه، رغم أنَّ ذلك قد يكون خطأً منهجياً في البحث، لكن لتكن هذه مجرَّد محاولةٍ لخلع غمامة التفسيرات والعودة إلى الأصل، لنرى ذلك الأصل بعقولنا لا بعقول المفسرين.

 

دون جوان كأسطورة

البحث في أصول الأساطير وقواعدها وشروطها وتاريخها بحث طويل لا مجال له هنا، هذه الفقرة مجرَّد مدخل لأسطورة دون جوان لا أكثر، والهدف منها إضاءة الطريق لباقي البحث.

((أنستطيع عند الحديث عن دون جوان أن نتكلم عليه باعتباره أسطورة؟))[1]. يفتتح جان روسيه كتابه "أسطورة دون جوان" بهذا التساؤل، ويجيب عليه بالإيجاب رغم مخالفة أسطورة دون جوان لبعض القواعد المشتركة بين الأساطير. وأهمُّ تلك القواعد التي تكسرها أسطورة دون جوان هي قاعدة الإغراق في القدم، إذ أنَّ معظم الأساطير مغرِقةٌ في القدم إلى درجةٍ تجعل من أصلها وتاريخ انطلاقها وكل ما له علاقة ببداية تكوينها غامضاً، إن لم يكن مجهولاً تماماً، وتتعرف عليها الأجيال اللاحقة من خلال الروايات الشفهية المتناقلة.

أمَّا دون جوان الحكاية والشخصية فله والدٌ ومكان وتاريخ ولادة، ((وقد تأكدت روايته الأولى في نصٍّ مكتوب))[2]، ففي عام 1630 كتب تيرسو دي مولينا مسرحية "المغوي" في إسبانيا، ومنها شقَّ دون جوان طريقه إلى حياة الناس وذاكرتهم، وهو مقيمٌ هناك حتى يومنا هذا، ويبدو أنَّه لن يغادر حياتنا وذاكرتنا في المدى المنظور. ولكن وكما أنَّ معظم التراجيديات الإغريقية تخرق قواعد أرسطو التي وضعها للتراجيديا، فكذلك تخرق الأساطير قواعدها هنا وهناك.

من جهةٍ أخرى، ورغم أنَّ دون جوان لا يحقِّق إحدى القواعد فإنَّه محمولٌ على قواعد أخرى أسطورية، لأنَّ شخصيته خرجت من نص دي مولينا إلى الشارع حيث شرع الخيال الشعبي بتطويرها وإضافة عناصر أسطورية جديدة عليها، واستلهمها الفنانون والكُتَّاب في أعمالهم كما فعل الفنانون والكُتَّاب الإغريق بأساطيرهم، عدا عن ذلك هناك قصة "الزائر الحجري" الشعبية التي ساهمت في تطوير حكاية دون جوان، والخيال الشعبي أو لنقل الجمعي هو أحد قواعد الأسطورة الأساسية. هذا عدا عن أنَّ شخصيات مثل التمثال في "دون جوان موليير" وزوج آنا المتوفي في "الضيف الحجري" لبوشكين تحمل صفاتٍ أسطوريةٍ كالعودة من الموت مثلاً، فإذا أضفنا إلى ذلك عمومية أو مرونة تعريف الأسطورة، نجد أنَّ ((أساساً أسطورياً دفيناً يطفو في دون جوان الذي ولد عام 1630))[3].

 

الأسطورة والدين

الأنبياء كشخصيات أسطورية:

ترتكز معظم الأديان، إن لم نقل كلها، على جذرٍ أسطوري. نجد ذلك جلياً في أساطير الآلهة عند الشعوب القديمة في العراق وسوريا ومصر، ثم عند الإغريق والرومان. إذ اعتمد الإنسان القديم في هذه الحضارات على خياله المبدع المرتبط بلاوعي جمعي لخلق أديان متكاملة إلى حدٍّ بعيد، وتعتمد على الأساطير بشكل ٍكامل، وربما من المستحيل أن نعرف أيهما أسبق على الآخر، الأسطورة أم الدين.

والأديان السماوية الثلاثة التي نعرفها اليوم هي خلاصة ذلك الخيال، أو بمعنى آخر هي ابنة التراكم الأسطوري/الديني عند البشرية، حتى أنَّ جوزيف كامبل لا يفرِّق في كتابه "البطل بألف وجه" بين أبطال الأساطير في مختلف الحضارات البشرية، وبين الرسل والأنبياء السماويين الذين حملوا رسائل توحيدية كإبراهيم ويسوع ومحمد.. إلخ.

قصة الخلق هي واحدة من القصص الأسطورية المشتركة بين الأديان السماوية الرئيسية، اليهودية والمسيحية والإسلام، إذ تُجمع ثلاثتها على أنَّ آدم هو أول البشر، وأن حوَّاء أمُّنا من ضلعه، وأنهما عوقبا بالخروج من الفردوس بعد أن خالفا الأوامر الإلهية بتناولهم فاكهة المعرفة. كذلك تشترك في قصص أخرى كثيرة كالطوفان ويونس في بطن الحوت وسدوم وعمورة وغيرها.

هذه القصص حملتها إلينا شخصيات مبعوثة من الله، تحمل بدورها صفات الشخصيات الأسطورية، فقدراتها قدرات خارقة للطبيعة، لا يتقبلها عقل الإنسان لو رُفعت عنها صفة القداسة، ويكفي أن نشير هنا إلى قيامة يسوع[4]، التي تشبه رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي وعودته منه، وإسراء وإعراج محمد[5]، الذي يشبه رحلة توائم النافاهو في البحث عن والدهم.

ثم يأتينا تشابه آخر هذه المرَّة بين رسل الله ودون جوان نفسه، فبنظرةٍ سريعةٍ على التوراة أو الإنجيل أو القرآن، وما يرد فيها من قصص عن الأنبياء سنجد أنَّه ما من نبي إلا وثمة امرأةٌ تلعب دوراً هاماً في تغيير حياته، وهي الحبيبة عادة، والزوجة أحياناً، وليست الأم غالباً. نرى ذلك في قصة إبراهيم مع سارة وهاجر، و ومع يوسف وزليخة زوجة بوتيفار رئيس وزراء مصر -عزيز مصر في الثقافة الإسلامية-، ثم يسوع ومريم المجدلية -التي شهدت قيامته-، ونهايةً بمحمد الذي لازالت علاقته بالنساء مثار جدل حتى اليوم. وما حياة دون جوان من دون امرأة؟!

ألا يؤكِّد هذا التقارب بين الشخصيات الأسطورية ومنها دون جوان والشخصيات الإلهية رسل الله أنَّ الأديان السماوية السائدة اليوم، وهي تدَّعي بعدها عن ((أساطير الأولين))[6]، ما هي إلا امتدادات لتلك الأساطير؟

 

الدين والمجتمع ودون جوان

إذا كان الدين هو مجموع ما يدين به المرء من أفكارٍ ميتافيزيقية، وطرق تعبيره عن هذه الأفكار من خلال طقوس العبادة والسلوك العام في المجتمع، فهذا يعني أنَّ الدين بالأساس فعل فردي ولا يحتاج إلى وجود الحاخامات أو الرهبان أو المشايخ أو غيرهم ممن يمثِّلون الأديان أو يشكِّلون وسيطاً بين الفرد والميتافيزيقيا. لكنَّ الدين بدءاً من الأديان الطوطمية وحتى يومنا هذا يسير في اتجاهٍ معاكسٍ تماماً، يسير في اتجاه سيطرة هؤلاء الوسطاء على الجموع، والتأثير في أكبر عددٍ ممكنٍ منها، ولنتذكر أنَّ محمداً كان يتلقَّى الولاء من قبائل كاملة بمجرد أن يبايعه زعماء تلك القبائل. أليس من الغريب أن تُسلِم قبيلةٌ كاملة دفعةً واحدة ولمجرد أن يقول أفرادها: لا إله إلَّا الله محمدٌ رسول الله؟!

نرى نفوذ الدين في المجتمع على الأفراد المؤمنين بشكل مباشر وذلك من خلال طقوس العبادة، كما نرى تأثيره على المجتمع بمؤمنيه وغيرهم بشكل غير مباشر، وذلك من خلال مفاهيم الحرام والحلال والجائز والممنوع والثواب والعقاب.. إلخ، وبذلك يصبح رجل الدين هو صاحب السلطة الدينية لأنَّه هو من يعرف ما هو المسموح وما هو الممنوع، وهو الذي يحدِّدُ المحرَّمات والمباحات، وهكذا يصبح رجلٌ واحدٌ قادراً على التحكم بمجموعة من المؤمنين، وقادراً من خلال ذلك أن يضغط على غير المؤمنين، ويتحوَّل الدين من كونه فعلٌ فرديٌ حر، إلى فعلٍ جماعيٍّ سلطوي يَفرض، أو يحاول أن يَفرض، خضوع الجميع لسلطةِ ممثِّل الله وأفكاره الدينية.

الطواطم أو الآلهة البدائية كانت جزءاً من الطبيعة، وجزءاً من المحسوس بإحدى الحواس الخمس ممزوجاً ببعض الخوف والخيال، لكنَّها تطورت مع تطور البشرية لتصعد إلى السماء في سوريا والعراق ومصر وغيرها لتصبح آلهةً سماويةً متعددةً وبعيدةً عن الحواس، ولكن بقي الخوف والخيال، ومع المزيد من التطور والاستقرار المديني ظهر الإله الواحد.

بين الطوطم والله ظهرت اختلافات كثيرة في العبادة والوسائل، لكنَّ مشتركاتٍ كثيرة ظلَّت كما هي أيضاً، ربما أحد أهم هذه المشتركات فكرة الثواب والعقاب المرتبطة دوماً بالحلال والحرام.

فالطوطم لا ينبغي أن يُمَسَّ بأذى، أو أن يُتلَف، أو أن يُساءَ إليه بأيِّ شكلٍ من الأشكال، وفي مقابل ذلك يقدِّم الحماية للعشيرة وينعم عليها، فإن انتهك أحد أفراد القبيلة الطوطمية حرمة طوطمها فإن ذلك ((يستتبع آلياً العقاب))[7].

يتبنَّى الفرد دينه بثواباته وعقاباته، ولأنَّ هذا التبني وراثي وتلقيني في أغلب الأحوال، ويترافق مع تجهيل متعمَّد بباقي الأديان والأفكار في أحسن الأحوال، ومع تشويه الأديان والأفكار الأخرى في معظم الأحوال، فلا يمكن القول إنَّ هذا التبني هو اختيارٌ حر، كما لا يمكن القول بأنه وليد تفكيرٍ عقلاني، فالفرد هنا يتبع منظومة كاملة ذات صبغةٍ مقدسة، شاملاً بذلك المحلَّلات والمحرَّمات وما ينتج عنها من ثوابٍ وعقاب.

بمقارنة سريعة للأديان الطوطمية ومتعددة الآلهة مع الأديان السماوية نجد أن الله -الإله الواحد- يحمل الكثير من صفات الطوطم، ولنأخذ هنا مثالاً يهمُّنا في بحثنا عن النظرة الدينية إلى دون جوان؛ يُعاقَبُ الزاني في اليهودية والإسلام بالموت، كذلك هو عقابه في القبيلة الطوطمية -مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ مفهوم الزنى قد تطور من زنى المحارم إلى مفهومه الحالي وهو النكاح خارج العلاقة الزوجية-. فمرتكب الزنى عند القبيلة الطوطمية ينتهك محرَّماً مما يغضب الإله الطوطم فـــ((تبادر القبيلة بأسرها إلى الثأر له))[8]. وفي الإسلام يُرجَمُ الزاني المحصن والزانية المحصنة، وعلى الملأ أيضاً. على الملأ أجل. أما يسوع المسيح الذي يُشتهر بتسامحه فإنَّه لا يبدو قاسياً في حكم قدر قسوته في الحكم على الزاني ((وسمعتم أنه قيل: لا تزنِ. أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة ليشتهيها، زنى بها في قلبه. فإذا جعلتك عينك اليمنى تَخطَأ، فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن تفقد عضواً من أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وإذا جعلتك يدك اليمنى تخطأ، فاقطعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن تفقد عضواً من أعضائك ولا يذهب جسدك كله إلى جهنم.))[9]. وبهذه البساطة، اقلع واقطع وارجم.

هنا ينتهي دور النص الديني ممهداً الطريق لدور رجل الدين -الوسيط، ممثل الرب- ليفسِّر ويحوِّر ويسيطر على المجتمع، والمجتمع الساعي للأمان يبهرج القواعد الدينية أيضاً ويلوي عنقها حتى تخرج من إطار الدين إلى إطار العادة الإجتماعية غالباً، فالله لم يحرِّم الحب مثلاً، لكن الحب مُحرَّم إجتماعياً في كثير من البيئات انطلاقاً من الجذر الجنسي لهذه العاطفة، الدين يُحرِّم الجنس خارج نطاق العلاقة الشرعية ولا يُحرِّم الحب، فيما المجتمع بانقياده لرجال الدين يُحرِّم الحب ويدينه، وهذه عادةٌ إجتماعية اخترقها دون جوان، وبالتالي اخترق الأمان الذي يسعى إليه المجتمع وهدَّد أمنه.

 

الرفض الديني للأسطورة

لو زار الدين محللاً نفسياً، فسيجد نفسه أوديبياً من ناحية العلاقة بوالده الأسطورة، فالأوديبي يسعى إلى مشابهة والده، وإلى قتله في نفس الوقت. كذلك الدين، يسعى إلى التشبه بالأسطورة ليدخل اللاوعي الجمعي، ثم يحاول طمسها داخل ذاكرة الجماعة.

أحد أسباب رفض الدين للشخصية الدونجوانية هو الصبغة الأسطورية لهذه الشخصية، لأنَّ الدين يرفض أسطرة شخصياتٍ لم يلدها هو، فهو يقبل أسطورة الخلق كما وردت في الكتب السماوية -وبالأخص سفر التكوين التوراتي، وهو منشأ أسطورة الخلق في اليهودية والمسيحية والإسلام- ويقبل الرسل كشخصيات أسطورية لا تختلف معجزاتها عن معجزات هرقل وأخيل، وأكثر من ذلك يقبل أسطرة الحواريين والصحابة وأصحاب الكرامات الذين يصبحون أولياء وقديسين تُزار قبورهم للتبرُّك والتقرُّب من الشخصية الأسطورية الأعظم وهي الله.

ولكن في الوقت ذاته الذي يقبل فيه الدين أن يُطعِمَ يسوع المسيح خمسة آلاف شخص خبزاً وسمكاً، وأن يسبق النبي محمد سرعة الضوء على حصان خاص، في هذا الوقت عينه يرفض شخصيةً كفاوست ويحوله من عبقريٍّ يسعى إلى كشف الحجب ونيل المعرفة التامة، إلى رجلٍ تلبسه الشيطان. وهو يرفض أفعال شخصياتٍ أسطورية أو صفاتها بحجة أنَّها منافية للعقل، في حين يبرر المعجزات المنافية للعقل لمن يُأسطرهم هو بأنَّها دلائلٌ على القدرة الربانية.

سبب هذا التناقض ربما يعود إلى الطبيعة التسلطية للأديان ، فلتفرض سلطتها يجب أن يسيطر الله على الوجود المادي والروحي للمجتمع، لذلك لا تقبل الأديان شيئاً إلا إذا رُبط بالله أو استخدم لصالحه.

ثم إنَّ الأسطورة تعطي لأبطالها صبغات ألوهية -ما لم يكن أبطالها آلهة أساساً-، وبالتالي فليس بعل أو زيوس هما الخطر الوحيد على الإله الواحد المعبود في الأديان السماوية، بل شخصيات مثل دون جوان أيضاً، لأنهم باقترابهم من الله في قدراتهم أو صفاتهم فإنهم يهزُّون هيبته السرمدية القائمة على كليَّة القدرة والمعرفة، عدا عن كون هذه الشخصيات تحمل من الشَّر بقدر ما تحمل من الخير، في حين يُفترض بالله والشخصيات الأسطورية التي تتفرع عنه أن تكون خيِّرة بل ومعصومة -باستثناء إبليس الذي سنتحدث عنه لاحقاً-.

ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ رفض الأسطورة اللادينية لا يأتي بالضرورة من الإله الواحد عبر ما يوحي به هو شخصياً للأنبياء، بل يأتي من رجال الدين الذين يفسِّرون الدين ويفتون فيه وفق مصالحهم السلطوية.

 

دون جوان المغامر

((إنَّ سيدي لرجلٌ متهورٌ جداً حين يعرض نفسه لخطر لا يسعى إليه))[10] يقول سغاناريل خادم دون جوان عن سيده عندما يدخل الأخير في معركة غير متكافئة لينقذ دون كارلوس.

روح المغامرة عند دون جوان أكثر من مجرد تهور، وأكثر من شجاعةٍ فطريةٍ أو روبنهودية، إنَّها تعبير عن روحه الطموحة للمعرفة، الساعية إلى تكسير الحواجز والتمرد على القيم والأخلاق السائدة، رفض للسَّائد وبحثٌ عن الجديد، بحثٌ عن الذات والفردانية ((الرَّفض إنما هو كامنٌ جوهرياً في عناد الفرد الذي لا يريد أن يسمح بالتخلي عما يرى فيه مصلحته الخاصة)).[11]

دون جوان يخوض عدَّة مغامرات تدلُّ على رفضه لقيم دينية، لربما أبسطها خطفه لدونا ألفير من قلب الدير، من قلب المكان المقدس، إنَّه يسرق حبَّهُ من قلب المعمل الديني، إنَّه رفض للمنتج الديني وتحدٍّ له، أليس كذلك؟

في المشهد الأخير من مسرحية "الضيف الحجري" لبوشكين تظهر روح المغامرة جلية عند دون جوان، تمثالٌ لرجلٍ ميت هو دون دييغو يطلب من دون جوان أن يعطيه يده، فيمد دون جوان يده دون أي تردُّد قائلاً: خذها، ولا ينسحب رغم الألم الذي سبَّبه له ضغط اليد الحجرية الثقيلة[12]. يقدِّم دون جوان يده لتمثال دون دييغو دونَ وجل، رغم أنَّه كان قد غازل زوجة صاحبه، أو أرملته بالأصح، وأين؟ عند قبر زوجها دون دييغو نفسه، ودون أن يحاول معرفة مبتغى التمثال من ذلك، يريد أن يجرِّب المعرفة بذاته، أن يعيشها بكليِّته، لا أن يأخذها من فم التمثال. ثمَّ إنَّه يمدُّ يده لتمثال، وأيُّ تمثال يقبل دعوات العشاء -يدعوه دون جوان إلى عشاء فيقبل- ويتحرَّك ويتكلَّم، وأكثر من ذلك فإنَّه تمثال رجل ميت. في هذه المغامرة يسعى دون جوان لاكتشاف سر الأسرار، الموت، الذي هو ربما السبب الرئيسي في اختراع الإنسان للآلهة، للدين، لكل ما هو ميتافيزيقي.

أمَّا دون جوان موليير فيخوض مغامرة مختلفة، لكنَّها تحمل ذات الفكرة: معرفة المحرَّم، معرفة حقيقة الوجود، وذلك حين يشترط على الشحَّاذ أن يجدف على الله مقابل النقود التي سيعطيه إياها[13]، تكمن المغامرة في هذا الطلب فلا يبدو فيه شيئاً منها، لكنِّي أفكِّر بنفسي أسير في أحد شوارع مدننا العربية، أوقف شحاذاً وأطلب منه أن يكفر بالله -وهو غالباً ما ينادي: من مال الله يا محسنين- على الملأ، بالله عليكم أليست مغامرة؟! أليس تمرُّداً؟ أليس رفضاً للسائد والثابت وغير المشكوك فيه؟ وأليست مهمة رجال الدين الوقوف في وجه هذا التمرُّد والرَّفض والشك؟

التمرُّد يعني تجاوز المسموح به الحلال-، والرَّفض والشك يستدعيان التفكير المستمر وعدم الإيمان بالمسلَّمات. والدين لا يقبل ذلك بحالٍ من الأحوال، لأنَّه منظومةٌ متماسكة تدَّعي الكمال، فإذا تمَّ رفض أيُّ جزءٍ في هذه المنظومة انهارت كلها، ولذلك أصرَّ رجال البابا على أنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض، ولذلك تسعى دوائر السلطة الدينية إلى مواكبة العلم بتفسيرات دينية دائماً ما يخرجونها من تحت أظافر الكتب السماوية وسير الأنبياء والقدسين.

قد يقول قائل هنا إنَّ الكنيسة مازالت قائمة حتى يومنا هذا رغم انهيار جزءٍ أساسيٍّ من منظومتها وهو مركزية الكرسي البابوي الكونية، وهذا صحيح، لكنها فقدت سطوتها شبه الكليَّة التي كانت تتمتَّع بها قبل دوران الأرض حول الشمس، الكنيسة اليوم هي التي تتأقلم مع الحياة، في حين كانت تُأقلم الحياة مع أفكارها من قبل، وربما هذا التحول هو ما يحتاجه الإسلام اليوم.

التمرٌّد والرَّفض والشك، وقبل كلِّ ذلك البحث عن الحقيقة، عن المعرفة، كلُّ هذه أسبابٌ تجعل من دون جوان خطراً على سطوة رجال الدين وسلطتهم، خاصةً أنَّه يريد أن يعرف بنفسه، لا من خلالهم، لذلك لا بدَّ لهم من الوقوف ضده.

 

شيخ الزناة

يرفض الدين رفضاً قاطعاً أن تأخذ الغريزة الجنسية طريقاً غيرَ الطريقة الشرعية -حسب النظرة الدينية لمعنى الشرعية، أي ما حلَّله الإله وهو بشكل أساسي الزواج- وإلَّا وقع الزنى ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ))[14]، هذا لغير المحصنين في الإسلام، أما المحصنون والمحصنات فعقابهم وعقابهنَّ لربما أقسى أنواع العقاب -إن لم نقل الجريمة- إنَّه الرجم، وآية الرجم منسوخة نصاً من القرآن ولكنها مثبتة في السنة النبوية.

ودون جوان شيخ الزناة، يسعى دائماً لتلبية رغبته الجنسية دون قيدٍ أو شرط إن أمكن، فإن استعصت الأنثى عليه إلا بالزواج تزوجها لفترةٍ قصيرة ثم طلَّقها، والطلاق عند الله أبغض الحلال، أمَّا عند الرب ((من طلّق امرأته إلا في حالة الزنى جعلها تزني، ومن تزوج مطلقة زنى))[15].

والغريب أنَّ هذا الموقف القمعي من الغريزة الجنسية ليس حكراً على الأديان الحديثة، بل حتى الإنسان الطوطمي الذي ربما كان أكثر حرية في تلبية غرائزه من الإنسان المتمدن- كانت لديه قيودٌ على الغريزة الجنسية تحديداً نستشفُّها مما يقوله فرويد: ((قليلة هي خصائص الحياة الجنسية لدى البدائيين التي تبدو لنا غريبة غرابة موقفهم من البكارة، أي من كون المرأة بكراً لم يمسَّها أحد))[16]. ورغم أنَّ الحديث هنا يطال تقييد حرية المرأة الجنسية بشكلٍ خاص، لكنَّه يعكس بالضرورة تقييداً للذكر أيضاً.

لماذا كل هذا الحقد على غريزة هي من الله أُعطِيَت لابن الإنسان؟! لماذا يقدِّم الله لنا تلبية هذه الرغبة على أنَّها أمتع المتع ثم تُقيَّد تلك التلبية أشدَّ تقييد؟! الجواب في السؤال كما أظن، إنَّها قوة هائلة، أمتع المتع، ونقطة ضعفٍ يستغلِّها الشيطان.

في مسرحية "فاوست" لـ غوته أول ما يسعى إليه مفستوفيلس الشيطان- لكي يُخرِج فاوست عن صراط الله هو إيقاعه -أي د.فاوست- في شراك الرغبة الجنسية فيغريه قائلاً: ((بهذا الشراب في جوفك ستشاهد هيلانة في كل امرأة تراها))[17]. وهيلانة هي المثال الجنسي عند فاوست.

أما دون جوان فيصفه خادمه سغاناريل بأنه متهتك كسردنابال، وأنَّه لا يكتفي بالكذب والخداع ليحصل على ما يريد، بل هو مستعد لأن يفعل أكثر من ذلك لإرضاء شهوته[18].

في الحالة الأولى فاوست- يستحوذ الجنس على حياة الإنسان، بل ربما يكون دافع إشباع الغريزة الجنسية هو الدافع الأقوى عند الإنسان، وقد يكون من باب النكتة أكثر منه من باب الواقع أن يفكِّر ذكر أو أنثى بعبادة الله أثناء ممارستهما للجنس، أو أن يحمدا الله فور انتهائهما من المعاشرة، وهذا فيما أظن أحد الأسباب التي تدفع الدين للتشدد اتجاه الجنس، فحياة الإنسان ينبغي أن تكون مكرسة لعبادة الله التي ستقوده إلى الجنة، وهناك يمكنه ممارسة الجنس كما يشاء، ولكن قبل ذلك هو ممنوع لأن الغريزة الجنسية قويةٌ جداً بحيث لا يمكنك تذكر الله خلال إشباعها أو البحث عن إشباعها ربما، ولذلك لا نقول الحمد لله بعد الانتهاء من تلبيتها.

بالعودة إلى دون جوان، الذي ينطبق عليه المثال الفاوستي لأنَّه مثل فاوست يسعى للمعرفة الكلية، عدا عن الصفات المشتركة الكثيرة بين الشخصيتين، بالعودة إلى دون جوان إذن كعينة ذكورية نجده ذكراً ذكياً حاضر البديهة، وسيماً بهي الطلعة، شجاعاً ومغامراً وذا تجربة...إلخ، وبهذه الصفات يكون عدواً لأيِّ ذكر، لأنَّه يشتمل على مجموعةٍ من الخصال التي لا تتوفر مجتمعة في ذكرٍ واحد إلا فيما ندر، وبالتالي سيكون الأقدر بين الذكور على -اصطياد- الإناث قبل غيره وأكثر من غيره فيما لو لم توضع ضوابط تقيده، لذلك أُحيلَ تحريم الزنى وعقد الزاوج لتشريع ممارسة الجنس، إلى السيطرة الذكورية على العالم، إلى الأكثرية بين الذكور الذين يسعون لتحريم كل ما قد يؤذي وجودهم أو يقلق جهازهم النفسي فيما لو لم يحرَّم.

ويؤكِّد ذلك عدم وجود مفهوم الزنى في بداية الخليقة -بداية الخليقة حسب قصة الخلق الدينية-، فآدم وحواء كانا يمارسان الجنس رغم أنَّهما أكثر من شقيق وشقيقة -هي من ضلعه-، وقابيل قتل شقيقه هابيل لتكون شقيقتهما له وحده، وأساطير الخلق الأخرى مليئة بحالات كهذه، إذن لم يكن مفهوم الزنى ولا مفهوم زنى المحارم موجوداً، فكيف ظهر هذا المفهوم؟ يقول فرويد: ((التحظيرات الحرمية لا تستند إلى أي سبب أو اعتبار، وأصلها مجهول، ولئن بدت غير مفهومة لنا، فهي تبدو طبيعية لأولئك الذين يحيون تحت سلطانها))[19].

 

دون جوان ودون لويس

((واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً))[20].

((سمعتم أنه قيل لآبائكم: لا تقتل، فمن يقتل يستوجب حكم القاضي، أما أنا فأقول لكم من غضب على أخيه استوجب حكم القاضي))[21].

هذا ما يطلبه الله من المؤمنين به، الإحسان للوالدين، وعدم الغضب من الأخ، فما بالك من الوالدين، ولكنَّ دون جوان لا يقيم وزناً لهذه الأوامر الإلهية، لا بل يعامل دون لويس والده- بعدوانيةٍ وبغضب، ويُثخِن له القول، ويتمنَّى له الموت قائلاً ذلك في وجهه: ((مُت بأسرع ما تستطيع أن تموت، فهذا خير ما يمكن أن تفعله))[22].

يرى جان روسيه مؤلف كتاب "أسطورة دون جوان" أنَّ دون جوان مثل أوديب، يسعى لقتل والده، ورغم أنَّ القتل لا يتمُّ بشكله المادي الملموس، إلَّا أنه تمَّ في دخيلة دون جوان ((إن هذه الأقوال القاتلة جريمة قتل ارتكبت في النفس))[23].

إنَّه يرتكب معصيتين إذن، فهو ولدٌ عاق وقاتلٌ أيضاً. الأم لا تظهر في أي من النصوص التي كتبت عن دون جوان، لذلك لا يمكننا الحديث عنها، ولكنَّ غيابها هذا ربما يحيل إلى غيابها من حياة الشخصية أيضاً، وهذا يعزِّز النظرية القائلة بأنَّ علاقات دون جوان العاطفية المتعددة إنَّما هي محاولات مستمرة لملء الفراغ الذي خلَّفته الأم، إنَّها بحثٌ دائمٌ ودائبٌ وأوديبي عن الأم كرمز مطلَق للأنثى.

 

المغوي

((آه، أنت بليغ دون جوان، أعرف، جاءتني الأخبار. إنك غاوٍ ماهر، يحكى إنك غادرٌ كافر، شيطانٌ أصلي))[24]. لا يكتفي دون جوان بالإغواء الجنسي، بل هو مغوٍ بالمعنى الشيطاني للكلمة، إنَّه إبليس: ((تدلُّ كلمة إبليس عند الجميع على الدس والفتنة والوسوسة والإفساد والعصيان وما إليه من الصفات المشينة والقبيحة التي جسدها خيال البشر في شخصية واحدة هي الشيطان))[25].

ولا تقتصر التشابهات بين دون جوان والشيطان على صفاتهما فقط، بل على:

أهدافهما، فكما أنَّ هدف الشيطان هو إبعاد البشر عن الإيمان بالله، كذلك دون جوان، ويتضِّح ذلك في مشهد من مسرحية موليير ذكرته سابقاً، بين دون جوان والشحاذ، إذ يحاول دون جوان إقناع الشحاذ بالتجديف مقابل أن يعطيه بعض النقود.

وسلوكهما، كما يتضح من علاقتهما مع المرأة مثلاً :((الشيطان يربط المرأة إليه بقيودٍ متينة))[26]، وكذلك يفعل دون جوان.

ونشأتهما، فجوان هو "دون" أي أنَّه من أسرةٍ أرستقراطيةٍ نبيلة، والشيطان هو ملاكٌ في الأصل، كان الملاك الأكثر حبَّاً لله وقرباً منه: ((سيرته تبدأ بوصف لمكانته المرموقة في نظام الملائكة الأعلى وعرض لمنزلته الرفيعة التي كان يتمتع بها بين الملائكة قبل طرده من الجنة))[27].

هذه التشابهات تجعل من دون جوان ملعوناً ومطروداً من الجنة كما هو حال الشيطان، ومحارباً وملاحقاً من قبل رجال الدين في الدنيا كما هو حال الشيطان أيضاً.

 

خاتمة

ليس دون جوان مجرَّد رجلٍ يبحث عن الجنس إذن، إنه باحثٌ نهمٌ عن الحقيقة، يجعل من التمرد والمغامرة وكسر المحرمات وسيلته لذلك، وهو ذو طبيعة شكَّاكة قلقة لأنَّه يصبو إلى المعرفة المطلقة، إلى حقيقة الوجود، وهذا مستحيل، واستحالته تجعله قلقاً حتى آخر أيام حياته.

لا يتوانى دون جوان عن مدِّ يده لتمثال لإشباع رغبته في معرفة ما وراء عالمنا الحي المحسوس، ولقاءه بالتمثال يتمُّ قرب مقبرة، حيث يلتقي العالمان، ((من الضروري أن تكون رحلة البطل الميثيولوجي قد حصلت على الأرض، الأساس أنَّها حصلت فيها، ثم قادت إلى الأعماق، حيث يتم تجاوز عقبات مظلمة))[28] .

الشكُّ والأسئلة والبحث عن المعرفة هم نقيض الدين القائم على التسليم، على التوقف عن السؤال بكل ما قد يشكِّك بوجود الله وبالتالي يشكِّك بسلطة رجال الدين، ودون جوان لا يكف عن البحث والتشكيك.

يموت دون جوان شاباً في ذروة بحثه ذلك، يقتله بحثه، التمثال يأخذه إلى عالم الموت وكما يقول جوزيف كامبل: ((بطل البارحة يصبح طاغية الغد، ما لم يصلب نفسه بذاته هذا اليوم))[29].

ولكن قبل أن يموت يواجهنا بأخطائنا ورغباتنا التي نراها دنيئة، يواجهنا بأنَّ لا حقيقة مطلقة في هذا العالم، وأنَّ الأمان الذين نستقيه من الإيمان ليس إلا محاولة هرب من مواجهة أسئلة الوجود، لذلك نكرهه نحن الذكور، لأنَّه أقوى منَّا، وأصدق منا، ولذلك تحبُّه الإناث أيضاً، أما رجال الدين فلا يرون فيه إلا خطراً عليهم وعلى سلطتهم، لذلك يحاربونه بكل ما يستطيعون من سطوة وكتب منزلة.

((مفستوفيلس: إني مثل أيوب، شخص كله قروح))[30].

((وبكى إبليس.. وترك السماء مذعناً.. وهبط الأرض مستسلماً.. ولكنَّ زفرة مكتومة انطلقت من صدره وهو يخترق الفضاء. . رددت صداها النجوم والأجرام، في عين الوقت اجتمعت كلها معها لتلفظ تلك الصرخة الدامية: إني شهيد ... إني شهيد))[31].

المصادر والمراجع:

المصادر

الإنجيل المقدس: العهد الجديد، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، لبنان-بيروت، 2004.

بوشكين (الاكساندر)، ترجمة: نوفل نيوف، مجلة الحياة المسرحية: العدد 24-25، دمشق.

جيته، فاوست_2، ترجمة وتقديم: عبد الرحمن بدوي، سلسلة من المسرح العالمي، العدد233، الكويت: وزارة الإعلام، شباط 1989.

جيته، فاوست_3، ترجمة وتقديم: عبد الرحمن بدوي، سلسلة من المسرح العالمي، العدد234، الكويت: وزارة الإعلام، آذار 1989.

القرآن الكريم، دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، لبنان-بيروت، د.ت.

موليير، دون جوان، ترجمة وتقديم: محمد يوسف رضا، الطبعة الثانية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1985.

المراجع

إيفلسن (برنارد)، ميثولوجيا الأبطال والآلهة والوحوش؛ ترجمة: حنا عبود، منشورات وزارة الثقافة-المعهد العالي للفنون المسرحية، دمشق، 1997.

روسيه (جان)، أسطورة دون جوان؛ ترجمة: زياد العودة، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1985.

العظم (صادق جلال)، في الحب والحب العذري، دار المدى للثقافة والنشر وجريدة السفير، سلسلة الكتاب للجميع، العدد 32، 2004.

العظم (صادق جلال)، نقد الفكر الديني، الطبعة السادسة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، آذار 1988.

فرويد (سيغموند)، الحياة الجنسية؛ ترجمة: جورج طرابيشي، الطبعة الثالثة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، أيار1999.

فرويد (سيغموند)، الطوطم والحرام؛ ترجمة: جورج طرابيشي، الطبعة الثانثة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، شباط1997.

كامبل (جوزيف)، البطل بألف وجه؛ ترجمة: حسن صقر، الطبعة الأولى، دار الكلمة للطباعة والنشر، دمشق، 2003.

وودز (وليم)، تاريخ الشيطان؛ ترجمة: ممدوح عدوان، دار الجندي للطباعة والتوزيع، دمشق، 1996.

 


[1]- جان روسيه، أسطورة دون جوان، ص5، منشورات وزارة الثقافة، دمشق-سوريا.

[2]- المرجع السابق ص7.

[3]- المرجع السابق ص6.

[4]- الإنجيل المقدس: متّى 28: 1-8، مرقس 16: 1-8، لوقا 24: 1-12، يوحنا 20: 1-10

[5]- القرآن الكريم: سورة الإسراء، الآية1

[6]- القرآن الكريم: سورة الفرقان، الآية5

[7] - سيجموند فرويد، الطوطم والحرام ص10، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت.

[8] - المصدر السابق ص12.

[9] - الإنجيل المقدس، متى: 5 : 27- 30 .

[10] - موليير، مسرحية دون جوان ص 89، ترجمة: يوسف محمد رضا، دار الكتاب اللبناني، لبنان-بيروت.

[11] - جوزيف كامبل، البطل بألف وجه ص68، ترجمة: حسن صقر، دار الكلمة، سوريا-دمشق.

[12] - ألكساند بوشكين، مسرحية الضيف الحجري، مجلة الحياة المسرحية العدد 24-25، ترجمة: د.نوفل نيوف.

[13] - موليير، مسرحية دون جوان، المشهد الأول من الفصل الثالث.

[14] - القرآن الكريم، سورة النور: الآية 2.

[15] - الإنجيل المقدس، متى: 31-32، مرقس: 11-12، لوقا: 16-18.

[16] - سيجموند فرويد، الحياة الجنسية ص91، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، لبنان بيروت.

[17] - غوته (جيته)، مسرحية فاوست، الجزء الثاني ص103، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، من المسرح العالمي العدد 233، الكويت.

[18] - موليير، مسرحية دون جوان ص21.

[19] - سيغموند فرويد، الطوطم والحرام ص32.

[20] - القرآن الكريم، سورة النساء: الآية 36.

[21] - الإنجيل المقدس، متى: 21-22.

[22] - موليير، دون حوان ص 132.

[23] - جان روسيه، أسطورة دون جوان ص87.

[24] - بوشكين، الضيف الحجري، الحياة المسرحية، العدد 24-25 ص94.

[25] - صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني ص56، الطبعة السادسة، دار الطليعة، بيروت 1988.

[26] - وليم وودز، تاريخ الشيطان ص22

[27] - المرجع السابق ص59.

[28] - جوزيف كامبل، البطل بألف وجه ص40.

[29] - المرجع السابق ص356.

[30] - جيته (غوته)، مسرحية د.فاوست ، الجزء الثالث ص281. ومفستوفيلس هو أحد أسماء الشيطان.

[31] - صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني ص87.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR