في أسلمة الأيديولوجيا العربية

مقالة بقلم حمود حمود

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

يمثِّل صعود الإسلاموية اليوم مرحلةً أخرى، رغم أنَّها الأهم، تبرهن على التأزُّمات القارَّة في عمق الذات العربية. تناقش هذه المقالة السبب العميق، فيما وراء ذلك، لإعادة الأسلمة التي تجري في العالم العربي اليوم عموماً، وفي سوريا خصوصاً. إنَّها تنظر إلى هذا الإشكال من زاوية أنَّ مثل هذه الأسلمة ما هي إلا استمرار في البنى الثقافية الدفينة التي خرج من رحمها كلٌّ من الإسلامي والقومي؛ أي المخلوقان الَّلذان تقاسما طرفي الأيديولوجيا العربية. لهذا، فإنَّ النقطة التي تشدِّد عليها هذه المقالة أنَّ النظيمات الثقافية التأزُّمية الكبرى هي التي تحمل في طيَّاتها أحد أهم جوانب صعود الإسلاموية اليوم، لكن من غير استبعاد البعد السياسي وفشل بناء الدولة.

إذا كان الأمر لا يراوده الشك أنَّ ما نصطلح عليه بـ "التراث القديم"، وتحديداً الإسلامي، ليس من صنع أيدينا، بَيْد أنَّ عملية إعادة قولبته، إنتاجه، تنميطه، في حياتنا المعاصرة، نحن المسؤولون عنها بكل حال. وإذا كان من الأكيد أنَّ الثقافة هي، بألِف ولام التعريف، ما يتبقى فينا حينما يتم نسيان كل شيء إدوارد هيريو، فإنه من الأكيد كذلك أنَّ تلك الثقافة تمتزج امتزاجاً رهيباً بإعادة صنع التراث فينا من جهة، وبتسييدها على مسار حياتنا المعاصرة من جهةٍ أخرى. أيضاً نحن المسؤولون عن هذين المنحيين؛ وهو الأمر الذي شكَّل أرضاً خصبة لأنْ تقول الإسلاموية كلمتها اليوم، لا في معاركها الميدانية والأيديولوجية فحسب، بل حتى في مصائر الشعوب العربية. نحاول هنا في هذه العجالة تناول هذه الإشكالية، وذلك من خلال إلقاء الضوء على أهم الأسباب التي تُعاد فيها أسلمة الواقع العربي ومعه مرآته الأيديولوجية.

لا شك، لم يأت قول الإسلاموية اليوم لكلمتها من فراغ. فقد كانت هناك عملياتٌ تاريخيةٌ متكاملةٌ تضرب في عمق الواقع العربي، سواء على الصعيد الثقافي، المتقادم تاريخياً، أو السياسي المتعفِّن ديكتاتورياً -لا يمكن الفصل بين هذين الجانبين-. إنَّ من أهم ما أنتجته هذه العمليات هو الإفلاس الرهيب للأيديولوجيا العربية، وتحديداً الجانب القومي منها، في أنْ تقدِّم شيئاً لشعوبها. هكذا فإنَّه ليس من المفاجئ أنَّ صعود الإسلاموية في أزمنتنا قد زامنه واقعٌ مريض بعد أنْ حطّت الأيديولوجيا العربية رحالها وأعلنت سقوطها نهائياً -بالطبع لقد كانت بالأصل متهالكة تاريخياً-. هذا ما نجده بادياً للعيان بقوة منذ أنْ صرخت ثورة الياسمين بإسقاط مستبدِّها، زين العابدين بن علي، وما توالى بعد ذلك في بعض البلدان العربية. فكما أنَّ القومية العربية نمت في بواكيرها في ظل الخراب، وأنتجت لنا ثُلَّةً من الديكتاتوريين السياسيين وأيديولوجيات توتاليتارية ثقافية، فكذلك الأمر ينطبق على الإسلاموية، والتي هي الأخرى لا تستطيع الصعود سوى من الخراب.

بيد أنَّ الأمر الذي يجب تسجيله في هذا السياق أنَّه لا يمكن النظر إلى الإسلاموية في جانبٍ منفصل عن الأيديولوجيا القومية العربية. وإذا كان من الصحيح تماماً ما أكَّد عليه باحثون غربيون أنَّ الأيديولوجيا العربية بعمومها كان يتقاسمها الإسلاميون والقوميون، وكل من هذين الطرفين يتناوبان بين بعضهما البعض في السيطرة على الواقع العربي، فإنَّه من الصحيح كذلك أنَّ كلاً منهما يحمل في طياته الدفينة البنى التي يحملها الآخر: هكذا فإنَّ الإسلاموية هي في عمقها لا قومية في تطلعها الكوني فحسب، بل في تأسيسها الأقنومي، بل حتى تأسيسها المعرفي. الكلام نفسه ينطبق على الحالة القومية، والتي هي الأخرى تستند في بارادايماتها العميقة على الهياكل الإسلاموية التي تسيطر على الواقع الثقافي. هل من الغريب إذاً أنْ نقرأ من فم قسطنطين زريق، أحد أنبياء القومية العربية، التالي: ((التراث العربي هو جزءٌ من ثقافتنا الحاضرة، إنَّه الأساس الذي تقف عليه هذه الثقافة. فما يدعيه البعض، وبخاصَّة أولئك الذين يقولون بهجر التراث وتبني الثقافة الغربية، خاطئٌ تماماً))([1]).

من الصعب هنا التفريق هل زريق ينطق هنا من فم قومي أم إسلامي يبتغي دفاعاً عن التراث ضد الثقافة الحداثية الغربية. وعلى أية حال، زريق هو من الأنبياء العرب الذين يمكن أنْ نقرأ آثارهم الثقافية اليوم في الدفاع لا عن الإسلاموية فحسب، بل حتى عن الديكتاتورية نفسها -لنتذكر أنَّ محمد عابد الجابري في ظهوره في إذاعة لندن، أثناء حرب الخليج الثانية، كان يمجِّد صدام حسين. وإذا كان الحال هكذا مع صاحب مشروع "نقد العقل العربي"، فما بالنا بالانتفاضات الشعبية العربية التي سارت تدافع حينها عن صدام حسين. إنَّها الثقافة التي هتفت له حينما غزا الكويت ووصفته ببطل العروبة وسارت بتظاهرات هيجانية وقالت له: ((بالكيماوي يا صدَّام.. أهجم أهجم للأمام)).

الدفاع القومي واليساري اليوم عن بشار الأسد، أو غيره من ديكتاتوريي العرب، ينطلق من نفس التنظيمات التي كان الجابري وغيره من الأعمدة الثقافية ينطلقون منها. الأمر نفسه يمكن قوله في حالة الدفاع عن الإسلاموية كمناخ ثقافي لا يجب المساس به. ما الذي نقصده بهذه التنظيمات؟ إنَّها، بكلمة "الثقافة"، بالمعنى الإنثروبولوجي للاصطلاح.

والحال، أنَّه على مدار قرن كامل من الصراع بين القوميين والإسلاميين لم يجر درس الاستبطانات العميقة التي تسكن عمق خطاب هذين الطرفين. إنَّنا نشير إلى هذه النقطة مجرد إشارة، لا على سبيل تناولها -وخاصة أنَّ السياق لا يمكن أنْ يسعفنا بذلك-، بل على سبيل لفت الانتباه النقدي إلى مسألةٍ نعاني منها اليوم مع صعود كلِّ أشكال الشياطين في المشرق العربي والإيراني: كيف يتحوَّل مثقفو اليوم إلى مدافعين عن الإسلاموية أكثر من الإسلامويين أنفسهم؟ كيف لا يستطيع الكثير من المثقفين نقد الشارع، طالما أنَّ هذا الشارع هو الذي يقود دفَّة التغيير، وطالما أثبت هذا الشارع فشل قبائل المثقفين أنفسهم؟ المسألة، لا شك، لا تقف عند هذا الحد: ما هي الاشتراكات الأنثروبولوجية العميقة التي تجمع بين هذا المثقف وبين الشارع، وبين هذين وبين الديكتاتور؟ لدينا مجموعة من البنى الهيكلية يشترك بها هؤلاء الأطراف الثلاثة؛ ومرة أخرى، إنَّها الثقافة.

ليس هناك في العالم العربي، بالمعنى السياسي للكلمة، وضعٌ يمكن فيه دعوة المعارضات على أنَّها مرآة للسلطة. هذا الحال ينطبق على بلدان تُمارَس فيها السياسة. لكن إذا كان لا بدَّ من القول أنَّ المعارضة في العالم العربي هي مرآة السلطة، فهي مرآتها من حيث أنَّهما ينطلقان في إنتاج الأيديولوجيات وغيرها من قاعدة التنظيمات المعرفية والقواعد المنهجية والسلوكية نفسها التي تمنهج الأخلاق، الفكر، والممارسة ... إلخ، رغم أنَّهما يختلفان على السطح بالأفكار.

من هنا يمكن أنْ نفسِّر لماذا تصعد الإسلاموية من قاع السلطة السياسية -لننظر إلى السلطة السورية كيف تعيد إنتاج الأسلمة، لكن على طريقتها، مثلاً الحال الذي تجسِّده قبيسيات دمشق-، وكيف تصعد أشكال أخرى من الإسلاموية من قاع المعارضة -والشارع المعارض السوري يبرهن على هذا تماماً اليوم-؛ وأيضاً يمكن أنْ نفسر لماذا تسود داخل الكثير من أطراف المعارضة ذهنيات توتاليتارية إقصائية تعيد استنساخ ما تقوم به البنى الحاكمة.

المشهد لا شك بالغ التعقيد؛ لهذا لا يمكن تقديم إجاباتٍ تاريخيةٍ شاملة. بيد أنَّ النقطة التي نشدِّد عليها هنا هي أنَّ إعادة إنتاج الإسلاموية، وما يرافقها من الأشكال التوتاليتارية، هي نتاج عمليات تاريخية طويلة على مدار القرن الماضي لا في صراعهما، صراع القط والفأر، بل في تصلُّب تمأسُسِهما في عمق الخراب الثقافي، وبالتالي الثبات في إعادة إنتاج كل منهما للآخر من الرَّحم نفسه، طالما أنَّ كلاً منهما يسكن في الرَّحم الثقافي للآخر. ربيع العرب اليوم، أو كما يطلق عليه هكذا، هو من المراحل المهمة التي كشفت ما كان يجري في عمق ما أورثته بعض القبائل الأيديولوجية المثقَّفة العربية ومعها كل القبائل الإسلاموية.

 


([1]) Zuraiq, Qustantin, Arab nationalism and religion, in, Sylvia G. Haim, Arab Nationalism: An Anthology, Berkeley: University of California Press, 1962. p.169.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR