في أعقاب حادثة تشارلي إيبدو

مقالة بقلم عزام القصير

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

في أعقاب حادثة الاعتداء على مكتب صحيفة تشارلي إيبدو، برزت الحاجة لاتِّخاذ إجراءاتٍ أمنية؛ وبدون شك أصبح من الضروري تأمين مراقبةٍ كثيفةٍ ومستمرةٍ لأيِّ تهديدٍ محتمل. قد يتفهَّم الكثيرون في الغرب أن يكون المسلمون هم أكثر المجموعات الاجتماعية المستهدفة بتلك التدابير، إلا أنَّه من غير المقبول أن نصفهم جميعاً بذات السمات الفكرية والسلوكية. حان الوقت للبحث بشكلٍ أعمق عن جذور الغضب الإسلامي المتنامي، وحان الوقت للإقرار بأنَّ الخطاب الإعلامي قصير النظر يلعب دوراً محورياً في زيادة ذلك الغضب. وبالتأكيد فإنه من غير المجدي التعامل مع الإسلام كمولِّد لنمط سلوكٍ واحد أو لذهنيةٍ واحدةٍ مشتركة.

منذ ما يقارب العشرين عاماً، اعتبر المنظِّر السياسي الشهير صاموئيل هنتنغتون أنَّ ((بعض الغربيين بمن فيهم الرئيس بيل كلينتون جادلوا أن لا مشاكل للغرب مع الإسلام إنَّما المشكلة هي مع المتطرفين الإسلاميين. تثبت ألفٌ وأربعمئة عامٍ من التاريخ عكس ذلك))1. هذه المقولة هي جزءٌ لا يتجزأ من أطروحة هنتنغتون المثيرة للجدل "صراع الحضارات" والتي يبدو أنَّها تكتسب زخماً في هذه الأيام.

كان لانتشار الانتفاضات الشعبية في العالم العربي تأثيرٌ مزلزلٌ على المنطقة بأكملها، كما أنَّه لعب دوراً في زيادة التطرف الإسلامي في العالم. من المهمِّ جداً في الدول الغربية مواجهة الخطر القادم بخاصة من مسلمين متعصِّبين، ولكن لا علاقة للتغطية الإعلامية الأخيرة  بهذه المساعي المطلوبة في سبيل "محاربة الإرهاب". صحيح أنه يجب اتِّخاذ إجراءاتٍ أمنية، وبدون شك يجب أن تكون هناك مراقبةٌ كثيفة لأيِّ تهديدٍ محتمل، وقد يتفهَّم الكثيرون أن يكون المسلمون هم أكثر المجموعات الاجتماعية المستهدفة بتلك التدابير، إلَّا أنَّه من غير المقبول أن نصف المسلمين جميعاً بذات السمات الفكرية والسلوكية. حان الوقت للبحث بشكلٍ أعمق عن جذور الغضب الإسلامي المتنامي، وحان الوقت للإقرار بأنَّ الخطاب الإعلامي قصير النظر يلعب دوراً محورياً في زيادة ذلك الغضب، وبالتأكيد من غير المجدي التعامل مع الإسلام كمولِّدٍ لنمط سلوكٍ واحدٍ أو لذهنيةٍ واحدةٍ مشتركة.  

يبدو أنَّ النقاد السياسيين فشلوا في تقدير مدى حساسية وجدِّية دورهم في أعقاب الهجوم الشنيع على تشارلي إيبدو. امتلأت الصحف اليومية التي توزع في لندن، على سبيل المثال، بتحليلاتٍ ومقالاتٍ تتبنى بشكلٍ مقصودٍ أو غير مقصود قراءاتٍ معينة عن العلاقات بين الثقافات. قرأتُ مقالةً في صحيفة "لندن إيفننغ ستاندرد" دفعتني إلى كتابة هذا التعليق، حيث وجدتُ من الصعب عليَّ قبول التعميم في جملة مثل ((الإسلام لم يعد كما كان))، مع أن هذه الجملة قد صدرت عن خبير هو البروفيسور إيان موريس. وأزعم أنَّ هذا النوع من الخطاب هو تحديداً ما يطمح إليه المتطرِّفون الإسلاميون، فهو اعترافٌ صريح بنصرهم. إذ يتابع موريس القول: ((مؤسِّسو الإسلام كانوا رجالاً قساة، قتلوا الآلاف في حروبٍ وحشية في طريقهم لتشكيل ممالك من الإمبراطوريات البيزنطية والفارسية المنهارة، لكنهم لم يذبحوا الناس فقط بسبب سخريتهم من نبيهم))2. الرسالة التي وصلتني من هذه العبارة هي أنَّ مسلمي اليوم جميعهم- على استعدادٍ لذبح الناس الذين يسخرون من النبي محمد. من المهم الانتباه لكيفية استخدام اللغة لأنَّ سوء استخدامها هو المحرِّك الرئيسي لما يسميه إدوارد سعيد "صراع الجهل".3

أنا أؤمن بالحوار، وسأبقى استخدم الكلمات لتسليط الضوء ومواجهة هذا الخطاب الاختزالي السائد. مع ذلك أنا أعلم أنَّ المسلمين ليسوا جميعاً قادرين على التعامل بطريقةٍ تشجِّع على الحوار. وهنا من المهم الاعتراف أنَّ ضعف ثقافة الحوار هو في صميم الأزمة الحالية في الثقافة الإسلامية. ولكن، هل عملنا على التقليل من سلبيات غياب هذا النوع من التسامح والانفتاح الثقافي؟ أم أنَّنا نقول ضمنياً أنَّ التعايش غير ممكن وأنَّ الحواجز الثقافية ثابتة؟ أعتقد أنَّنا بحاجةٍ ماسةٍ لإجراء إصلاحٍ عميقٍ في الفكر الإسلامي, ولكن كالعديد من المسلمين أشعر بالعجز، وحيداً ومهمشاً في مواجهة المتعصِّبين في معركةٍ غير متوازنة.

يُطلب مراراً من المسلمين قبول الحداثة والعقلانية ونسبية الحقيقة، إلَّا أنَّ هناك مجموعةٌ من الأسئلة التي ينبغي توجيهها قبل التوصل إلى النتائج فيما يتعلق بالتوافق/عدم التوافق بين الإسلام والقيم الحديثة التي سبق ذكرها. ألا ينبغي على الناس الذين يعيشون في الغرب فهم السياق الذي يحيط بعملية تطرُّف الشباب المسلم؟ أليس من المشروع التساؤل حول حجم دور وسائل الإعلام في الدفع باتجاه التطرُّف؟ إذا تقبلنا جميعاً صحة نظرية هنتنغتون، إذاً فلنتابع استخدام ذات المنهج. لكن إن كنَّا مؤمنين بالتسامح وإمكانية التعايش والعيش المشترك، علينا حينها تسليط الضوء على الأصوات الإصلاحية والحداثية في الإسلام. وعلى الرغم من عدم تقديم هؤلاء الإصلاحيون قصصاً مشوِّقة للإعلام، إلَّا أنَّهم موجودون ينتظرون مزيداً من الاهتمام والدَّعم.

يوجد في داخل الإسلام اليوم، كما كان في السابق، صراعٌ خفيٌّ بين مسألتي الأصالة وحق التمثيل. بشكلٍ عام هناك من يدعو لقراءةٍ مبسَّطة للتراث الإسلامي، ويؤمن أنَّ الإسلام هو أيديولوجية شمولية تكفي لحكم جميع مناحي الحياة. هذا الاتجاه دُعِمَ بكل قوة وروِّج له من قبل شيوخٍ وهابيين خاصةً من المملكة العربية السعودية. لكن بين بقية المسلمين كثيرٌ ممن يؤمنون أنَّ الإسلام هو مجموعة نظمٍ ومبادئ أخلاقية تعنى بصورةٍ رئيسيةٍ بتنظيم العلاقة بين المسلم والله، وأنَّ الإسلام يترك مساحةً من الحرية للمسلمين لتحديد الطريقة المثلى للعيش والتصرف ضمن مجتمعاتهم. مؤخراً أصبح من الواضح أنَّ المتطرِّفين من السلفيين قد احتكروا حقَّ تمثيل الإسلام. يشاطر هؤلاء السلفيون هنتنغتون جوهر فرضيته القائلة: ((صراع الحضارات سيسيطر على سياسات العالم))4. كما يوجد داخل المعسكر السلفي أشخاص يركِّزون على الجهاد كطريقٍ حتمي لتطبيق الشريعة ومقاومة الهيمنة الغربية. وقد لعبت وسائل الإعلام دوراً كبيراً لصالح هذه الجماعات، أي السلفيين الجهاديين. كل ما يحتاجه الجهادي السلفي كي يُعرف أو يُسمع أو يُرى حول العالم هو أن يهدِّد بتصريحٍ أو تسجيلٍ صوتي أو فيديو بمشاهدَ قاسية، وسرعان ما سيتم نشر هذا التهديد حول العالم. هناك صناعةٌ إعلاميةٌ ضخمة تتغذى على منتجاتٍ كهذه وهي تسهم بدورها بزيادة وترسيخ الاستقطاب الثقافي والأيديولوجي.

الرسالة التي أحاول إيصالها هي أنَّه يجب أن تكون هناك نقلةٌ نوعيةٌ في طريقة تقديم الإسلام، ويجب تسليط الضوء على التعددية داخله، وعدم تقديم منصَّاتٍ مجانية عامة للمتعصبين. كما يجب توجيه الانتباه نحو أولئك الذين يؤمنون أنَّه يمكن للإسلام والحداثة العيش جنباً إلى جنب، دون أن ننكر ديناميكية الصراع بين القوى المنضوية تحت مظلة الإسلام، إن كنَّا نطمح لعلاقاتٍ صحية بين الشرق والغرب المتخيَّلَين.

 

المراجع

 1 Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996, p.209.

2  Morris, Ian. "One Day the Madness of Islamist Violence Will Come to an End." The Evening Standard. 09 Jan. 2015

 3 For more details, see: Said, Edward. "The Clash of Ignorance." The Nation. 22 Oct. 2001. Web.

4  Huntington, Samuel. "The Clash of Civilizations?" Foreign Affairs. Summer 1993. 



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR