حشيش وأدوية: حلوي الشباب السوري في ظل الحرب

ريبورتاج بقلم حيان الضلع

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

ما عاد أمرا ًملفتاً في المقاهي السورية أن يتبادل الأصدقاء سجائرَ الحشيش أو حبوب الأمراض النفسية، الموضوع بات اعتيادياً بطريقة تجعلك شخصاً خارج الزمن إن أبديتَ دهشتكَ من الحادثة، إذ كيف لك أن تكون شاباً سورياً يعيش تفاصيل الحرب اليومية وضغوطها دون أن تستعين عليها بما يطوِّل البال؟ بهذا المنطق يحاججك "السايكاداليك" عندما تسأله عن "الحلوى" التي يقوم بتعاطيها. على ماذا يدمن الشباب السوري اليوم؟ وكيف يحصلون على "عقاقير السعادة"؟ وما علاقة الموسيقى بهذه الظاهرة؟ يسعى هذا الريبورتاج إلى تسليط الضوء على الانتشار الواسع للإدمان على الحبوب والأدوية المخدرة في سوريا، وذلك في محاولة للتأقلم مع واقع الحرب التي تعمل على تدمير كثير من القيم في المجتمع السوري. يضعنا مشهد انتشار الإدمان بين فئة الشباب السوري المثقَّف، أمام مسؤوليةٍ جماعية تحتاج إلى حملاتٍ توعوية، وأخرى ردعية على المستوى الرسمي والأهلي، لعلَّ جهد اليوم يوفِّر ضياع أجيالٍ سوريةٍ كاملةٍ في الغد الذي يبدو أنَّه ما عاد بعيداً.

مقدمة

في زاوية إحدى المقاهي الشبابية، يرنُّ هاتف أيهم، ((بيلتقى عندك نمُّورة[1]؟))، يسأل الصوت على الطرف الآخر. يتفقَّد الشاب العشريني جيوب بنطاله، وكأنَّه يبحث عن شيءٍ دائم الوجود فيها. يخرج ظرفاً من حبوب الأدوية، يطمئن أنَّ العدد كاف، ويعاود الاتصال بصديقة السائل عن "الحلوى"، ليخبره بمصطلحٍ سوريٍّ شعبي يدل على الإيجاب"أكل"، يقولها ويضحك.

لم يعد أمراً ملفتاً في المقاهي السورية، أن يتبادل الأصدقاء سجائر الحشيش أو حبوب الأمراض النفسية. الموضوع بات اعتيادياً بطريقة تجعلك شخصاً خارج الزمن، إن أبديت دهشتك من الحادثة. فكيف لك أن تكون شاباً سورياً يعيش تفاصيل الحرب اليومية وضغوطها، دون أن تستعين عليها بما "يطوّل البال"؟ بهذا المنطق يحاججك أيهم -اسم مستعار- عندما تسأله عن حلواه.

مزيدٌ من الاحتكاك بفئة محبي النمورة يقود إلى تفاصيل إضافية حول طقوس التعاطي وأنواعه وأسبابه. حيث يلاحظ ارتباط واضح بين الظاهرة، وبين الشَّغف بنوعٍ معين من الموسيقى الصاخبة يسمى "السايكاداليك".

و"السايكاداليك" كمصطلح هو اشتقاقٌ لكلمة سايكاديليا، التي تشير وفقاً لموسوعة ويكيبيديا الإنكليزية إلى أولئك الذين يستخدمون عقاقير الهلوسة، أو يستمعون إلى نمطٍ معينٍ من الموسيقى المخدرة، أو الأعمال الفنية المشوَّهة بطريقةٍ معينةٍ تؤثِّر على الوعي لدى متابعها، فكيف غزت هذه الموجة المجتمع السوري مؤخراً؟

مخدرات صوتية!

لعل أحدث صيحات الإدمان في العالم هي تلك المتعلِّقة بالموسيقى، فقد أصبح هناك اليوم شركاتٌ (مثل شركة I-doser) متخصصة بإنتاج وتوزيع مقاطع موسيقية معينة. تعمل هذه المقاطع على إحداث تأثير عقلي معين، يعطي الانطباع بمشاعر مختلفة منها النشوة، الخدر والإثارة ... إلخ. إلَّا أنَّ هذا النوع من المخدرات ما يزال ضعيف الانتشار بين الشباب السوري، مقارنةً بالمجتمع الأقرب في لبنان. حيث يتمُّ تداوله على نحوٍ واسعٍ هناك وفقاً للسيد جورج.م أحد المهتمين والمتابعين لهذا الشأن، ويؤكِّد أنَّ انتشار الـmusic drugs ما زال مقتصراً على فئةٍ قليلة من الشباب السوري.

في الداخل السوري يمكن أن نلاحظ إقبالاً أكبر على مادة الحشيش (نبات القنب)، حيث تُباع بأسعارٍ مقبولة نسبياً، وتبلغ تكلفة الكمية التي تحتاجها السيجارة الواحدة ما يقارب 250 ليرة سورية (ما يقدَّر بأقل من دولار أميركي واحد وفقاً لأسعار الصرف الحالية).

كما تنتشر في سوريا أنواع معينة من الأدوية النفسية ومسكنات الآلام مثل الترامادول والليريكا. ولأنَّ التأثير المباشر لهذه المواد يتمثَّل بالدخول في حالةٍ من الشرود، أو ما يُسمى بالعامية السورية "السردة"، فإنَّ موسيقى من نوع السايكا آنفة الذكر تساعد المتعاطين في الوصول إلى مستويات أعلى من السعادة المنشودة.

من جانبه يرى السيد بسام عثمان، أحد العاملين في المجال الموسيقي DJ، أنَّ السايكا هو نمطٌ موسيقيٌّ منتشرٌ عالمياً، مثل الترانس والروك وغيرها؛ ولا رابط إلزامي بينه وبين التعاطي، إلَّا أنَّ بعض الشباب يقوم بربطه بهذه الظاهرة، على غرار ما حدث منذ أعوام عندما اجتاحت المجتمع السوري موجةُ موسيقى الميتال والهارد ميتال، وقام العقل الجمعي حينها بإيجاد روابط بينها وبين ما يسمى "عبدة الشياطين". لكن لا ينكر عثمان أنَّ هذا النوع من الموسيقى له تأثيرٌ مساعد على الدخول في حالة الصفنة، أو ما يسمى "الشرود الذهني"، بسبب طبيعة النغمات وترتيبها و تكرارها، وأنَّ نوعاً معيناً من الرسومات البصرية يرتبط بها -بخاصة في مقاطع الفيديو المنتشرة على موقع اليوتيوب- حيث تتميز هذه الرسومات بغرابتها وباحتوائها على تشكيلاتٍ بصريةٍ متداخلةٍ توحي بحالةٍ من الضياع وعدم القدرة على الفهم.

الغريب في الأمر أنَّه وعلى الرغم من تيقُّظ الجهات الأمنية والتفاتها إلى جميع الأنشطة الشبابية في الداخل السوري، إلَّا أنَّ حفلاتٍ لموسيقى السايكا ما زالت تُقام على مرأى ومسمع الجميع، وربما ليس آخرها تلك التي أقيمت في مدينة اللاذقية الساحلية خلال شهر شباط/فبراير من العام 2015.


لماذا يدمنون؟

تنوعه الأسباب التي تقف وراء انجرار المتعاطين وراء المخدرات على اختلاف أنواعها (الصوتية منها أو النباتية أو الدوائية)، حيث يلقي البعض بالَّلوم على حالة الضياع التي يعيشها الشباب السوري، جرَّاء الحرب التي تنعكس على حياتهم الشخصية على شكل ضغوط مادية ومعيشية مع انعدام الخيارات المستقبلية، بينما لا يرى آخرون مشكلةً في هذه الحالة، على الرغم من انتماء هؤلاء إلى فئةٍ اجتماعية توصف بالمثقَّفة والمتوازنة.

سامر -اسم مستعار- طالب في كلية الهندسة المعمارية، يستخدم حبوب "ترامادول" بشكلٍ منتظم على مدار اليوم، لاعتقاده أنَّها تساعده على التركيز والبقاء متيقظاً لفتراتٍ طويلة، ويشرح أنَّ طبيعة دراسته تحتاج لساعاتٍ طويلة من العمل في المرسم، قد تصل إلى 6 أو 7 ساعات متواصلة، وتسليم المشاريع في أوقاتٍ محددةٍ عليه الالتزام بها، ما دفعه إلى البحث عن حلٍّ لمشكلة الإرهاق، فكان أن وجد ضالته لدى أحد أصدقائه الطلاب الذي أرشده لاستخدام هذا النوع من الحبوب، وهو لا يجد نفسه اليوم مضطراً للإقلاع عنها أبداً، طالما أنَّها تؤدي الغرض، وفقاً لما يعتقد.

أمَّا فاطمة -اسم مستعار- عشرينيةٌ نازحةٌ من حلب إلى إحدى محافظات الساحل السوري، تلخِّص دوافعها باستخدام المهدئات بحالة اليأس التي وصلت إليها. فنتيجة لخسارة منزل العائلة جرَّاء المعارك الدائرة في مدينتها تقول فاطمة ((وجدت نفسي على نحوٍ مفاجئ ضحيةً لحربٍ لا يد لي فيها، بدون مأوى ولا عمل، دون أن تلوح في الأفق أيَّ بادرةٍ لانتهاء الوضع القائم، إلى أن قدَّمت لي إحدى الصديقات هذا الحلِّ السحري خلال إحدى جلسات الأركيلة، بعد أن كنت قد دخلت في حالةٍ نفسيةٍ مزرية، امتدت لأسبوعٍ تقريباً عقب قدومي من حلب، والانتقال من مستوى معيشي معين إلى آخر أكثر سوءاً)).

للمختصين رأي آخر

بعيداً عن آراء المتعاطين الذين لا يجدون أنَّ هناك أيَّ مشكلةٍ فيما يفعلون، لا على المستوى الأخلاقي ولا على مستوى الضرر النفسي والفيزيولوجي الذي قد يلحق بهم، فإنَّ آراءاً أخرى تذهب إلى تأكيد انتشار هذه الظاهرة السلبية على نحوٍ متزايد.

حيث يؤكِّد الأخصَّائي النفسي شوقي غانم من خلال عمله الميداني أنَّ نسبةً كبيرةً من المراهقين بدأت تجد طريقها إلى عالم الإدمان، موضِّحاً أنَّ الحبوب التي يتمُّ تعاطيها تتنوع بين مهدئات نفسيةٍ ومسكنات آلام، وأنَّ تأثيرها المباشر يتمثَّل بتعديل المزاج العام للشخص. ويشرح غانم أنَّ الآثار على المدى الطويل قد تتنوع بدءاً من تبلُّد المشاعر، وصولاً إلى التسبُّب بتلف بعض الخلايا الدماغية، بحيث تحتاج الكثير من الحالات إلى مصحَّات مختصة، متجاوزة إمكانية حلِّ المشكلة عن طريق العلاج النفسي وحده. وعن سبب انتشار ظاهرة الإدمان يقول غانم إنَّ توافرها في الأسواق السورية، وعدم تقيُّد الصيادلة ببيع هذه الأدوية بحسب وصفات طبية، إضافةً إلى سعرها المقبول يسهِّلان عملية الحصول عليها عن طريق العلاقات الشخصية.

كذلك ترى الصيدلانية سراء ابراهيم -اسم مستعار- أنَّ نسبةً متزايدةً من الطلب بدأت تشهدها خلال السنتين الأخيرتين على الأدوية التي تسبِّب الإدمان، بما في ذلك المهدئات والمنومات والمسكنات المركزية، بخاصة لدى فئة الشباب الذكور، نتيجة الظروف المرهقة التي فرضتها الحرب عليهم، وحالة التوتُّر الدائم التي يعيشونها بعيداً عن عائلاتهم ومنازلهم.

كيف يحصل المدمنون على مخدراتهم؟

لا يمكن على وجه الدقة أن تنتزع اعترافاً واضحاً من أحد المدمنين عن مصدر حصوله على المادة التي يستخدمها، وعن الطريقة التي يحصل بها عليها، سواء أكانت حشيشاً أم أدوية. إلَّا أنَّه بالإمكان الاسترشاد بما يقوله علي -اسم مستعار- وهو طالبٌ جامعي، حيث يقدِّر نسبة الطلاب الذين يستخدمون الحشيش أو الحبوب برقمٍ خطير للغاية، لا يقل عن 50% على حدِّ قوله. ويعتقد علي أنَّ تركُّز استخدام الحشيش الأساسي في الداخل السوري هو في دمشق وحلب. ويروي نقلاً عن أحد الأصدقاء قيامه بشراء كميات من الحشيش الذي يزرع في ريف حلب، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ليتمَّ بيعها عبر "معبر الموت" بأسعارٍ رخيصةٍ نسبياً، ومن ثمَّ معاودة البيع في الداخل السوري بأسعارٍ أعلى. بينما يقول أنَّ مصدره الخارجي هو لبنان وتركيا، وهو ما يتوافق إلى حدٍّ بعيد مع التقارير الإعلامية التي بثَّتها قنواتٌ لبنانية عديدة خلال العام المنصرم 2014، حول الانتشار الكبير لزراعة هذه النبتة هناك والاتجاه نحو استصدار تشريعٍ يسمح بها بشكلٍ قانوني.

أمَّا عن آلية الحصول على الأدوية فإنَّ الصيدلانية سراء إبراهيم تشرح أنَّ هذه الأنواع يتمُّ استقدامها إلى منافذ البيع كالصيدليات، بعد توثيق الكميات والأنواع على سجلٍّ خاص خاضع -من حيث المبدأ- لإشراف جهات رقابية وطبية، بحيث يجب أن يحتفظ الصيدلاني بوصفة طبيب نظامية مقابل كلَّ عملية بيع، وبالتالي فإنَّ الطريقة التي يحصل بها هؤلاء المدمنين على الأدوية هي من خلال صيادلة يقومون بالالتفاف على الجهات الرقابية، بشراء هذه الأدوية وإعادة بيعها دون المرور بعملية التوثيق. وعليه فإنَّ جزءاً من اللوم يقع أيضاً على عاتق الشركات المنتجة أو المستوردة التي تشارك في عملية البيع من خارج السجل، بالتعاون مع هؤلاء الصيادلة.


[1] النمورة نوع من الحلوى. وتستخدم هنا للكناية عن الأدوية المخدرة.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR