ضياع الذاكرة السورية

مقالة بقلم وسيم البحري

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

نتيجةً لموقع سورية الإستراتيجي تصارعت الحضارات السابقة للعيش في هذه المنطقة والسيطرة عليها، تاركةً وراءها آثاراً رائعة وغنية. اليوم، وبسبب ما تمر به البلاد، ستةٌ من المواقع الأثرية الموضوعة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي (المدينة القديمة في دمشق، المدينة القديمة في حلب، قلعة الحصن، قلعة صلاح الدين، بصرى، تدمر والقرى القديمة في الشمال السوري) وُضِعت على قائمة الإرث العالمي المهدَّد، وقد تعرَّضت خمسة مواقع منها فعلياً للضرر، يضاف إلى ذلك مواقع أخرى ذات أهمية تاريخية وثقافية ودينية. يهدد هذا الوضع المؤسف بضياع الذاكرة السورية، ما سيعمق من أزمة الانتماء إلى المكان في المجتمع السوري المنهك.

للعام الخامس على التوالي يستمرُّ الصراع السوري المتعدِّدِ الأوجه باستهداف حياة الناس وإرثهم الحضاري، وتتعرَّض الكثير من الكنوز الأثرية التي عمرها آلاف السنين للتهديد بالدمار.

عانت الكثير من المواقع التاريخية المهمة للبشرية كلِّها، والتي لا يمكن تعويضها، من أنواع مختلفةٍ من الضرر كنتيجةٍ للصراع المسلح في سوريا، وتحولت العديد من الآثار، التي بقيت صامدةً لآلاف السنين، إلى ركامٍ في أيام. فقد تعرَّض العديد من هذه المواقع لإطلاق نارٍ وقصفٍ وغاراتٍ جويةٍ وتفجير، فيما تحولت مواقع أخرى إلى مواقع عسكرية، ما تسبَّب بانتهاك قيمتها الرمزية والإستراتيجية.

بالإضافة إلى ذلك، فقد تعرَّضت بعض المواقع للتدمير الممنهج بدون أيِّ احترامٍ لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الإرث الثقافي أثناء الصراعات المسلحة، والتي كانت سورية أول الموقعين عليها. هذا عدا عن الأعمال التخريبية الأخرى كالنهب والتنقيب غير المشروع وتجارة القطع الأثرية والبناء المخالف، وغيرها مما ينشط في ظلِّ الصراعات.

يُعَدُّ الإرث الثقافي في سوريا إرثاً هاماً للبشرية جمعاء، وليس فقط للسوريين، ويعود تاريخه إلى آلاف السنين. فقد كانت سوريا موطناً للعديد من الحضارات القديمة ومكاناً لولادة أول أبجدية، وأول التدوينات الموسيقية. ونتيجةً للموقع الاستراتيجي تصارعت الحضارات السابقة للعيش في هذه المنطقة والسيطرة عليها مخلِّفةً وراءها آثاراً رائعة وغنية. ستةٌ من المواقع الأثرية الموضوعة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي -المدينة القديمة في دمشق، المدينة القديمة في حلب، قلعة الحصن، قلعة صلاح الدين، بصرى، تدمر والقرى القديمة في الشمال السوري- وُضِعت على قائمة الإرث العالمي المهدَّد، وتعرَّضت خمسة مواقعَ منها للضرر. مواقع التراث العالمي بالإضافة لمجموعة أخرى من المواقع ذات الأهمية التاريخية والثقافية والدينية معرَّضةٌ لأخطارٍ حقيقيةٍ بسبب الصراع الدائر.

ربما كانت المدينة القديمة في حلب من أكثر المواقع التاريخية تضرراً، وهي إحدى أقدم المدن المأهولة بالسكان في العالم، وتمَّ اعتبارها كموقعٍ أثري عالمي من قبل اليونيسكو في عام 1986. بعد ما يقارب أربع سنوات من الصراع السوري، تمَّ تقسيم مدينة حلب وأصبحت من أكثر المناطق المتنازع عليها في البلد. وقد تركت المعارك الدائرة في المدينة أثراً كبيراً على الإرث الثقافي للمدينة. وبحسب المديرية العامة للآثار والمتاحف، فإنَّ أكثر من 50% من الأبنية التراثية في المدينة تمَّ تدميرها، كما دُمِّرت معالم وآثار مهمة كسوق حلب القديم ومئذنة الجامع الأموي بحلب، بينما نُهبت معالم وآثار أخرى. شاركت الأطراف المتنازعة في خلق هذا الواقع المتدهور، فقد قامت الجبهة الإسلامية بتدمير العديد من الأبنية التاريخية عن طريق زرع المتفجرات في الأنفاق التي حفروها، بينما تدمَّرت أبنيةٌ أخرى كنتيجةٍ للقصف الجوي من قبل قوات النظام.

نهب القطع الأثرية هو تهديدٌ خطيرٌ آخر يواجهه الإرث الثقافي السوري اليوم، حيث تركت العديد من المواقع الأثرية بدون حراسة وبعضها ما زال مجهولاً وغير مكتشف حتى اللحظة. وقد استغلَّت بعض المجموعات الفوضى الموجودة للقيام بتنقيبٍ غير مشروع واستخراج القطع الأثرية لبيعها في السوق السوداء. حيث تُظهر صور الأقمار الصناعية الحديثة موقع مدينة أفاميا الأثري في الشمال السوري بعد أن تمَّ نهبه وتدميره (بنى هذه المدينة الإسكندر الكبير عام 300 قبل الميلاد، وتم ترشيحها كموقعٍ أثري عالمي من قبل اليونيسكو عام 1999). وقد اعتمدت الدولة الإسلامية في العراق والشام -داعش- على تجارة القطع الأثرية في المناطق التي سيطرت عليها من أجل تمويل عملياتها، فقامت على سبيل المثال بعملية نهب ٍكبيرةٍ لموقع دورا أوربوس الأثري في شرق البلاد وهو موقع أقدم كنيسةٍ في العالم (قدَّرت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا أنَّ أكثر من 80% من الموقع قد تمَّ تدميرها بالكامل).

لسوء الحظ، يُستخدم الإرث الثقافي السوري كسلاحٍ أخلاقي لاستهداف هوية الناس وكأداةٍ لتأجيج الصراع. قامت داعش بمجموعة انتهاكات ممنهجة لآثارٍ يعتبرونها بدعاً أو تقليداً وثنياً. لذلك فقد دمَّروا بشكلٍ متعمَّد كنائسَ أثريةٍ وجوامع للسُنَّة ومزاراتٍ للشيعة، فضلاً عن آثار أخرى ذات أهمية، وذلك لمسح التنوع الموجود في المنطقة بما يتوافق مع معتقداتهم.

ولم يتوقف الضرر الذي أصاب التراث السوري على الممتلكات الأثرية، بل لامس في الحقيقة روح السوريين أثناء القضاء على إرثهم وذاكرتهم الجمعية، ومحو تاريخهم ليحل معه الدم والنار. سيترك تدمير الآثار التي لا تقدَّر بثمن أثراً عميقاً على هوية السوريين وشعورهم بالانتماء للمكان، خاصةً بعد تأثُّر بعض عاداتهم وتقاليدهم بما يحصل من حولهم. فحجم الضرر الذي أصاب الإرث الثقافي السوري كبيرٌ جداً على الرغم من كافة المحاولات المحلية والعالمية لحمايته، وليس بالإمكان تقييم كمِّ الضرر الحاصل قبل مرور العديد من السنوات. وبعض هذا التراث الضائع لا يمكن تعويضه أبداً وخسارته نهائية، وستكون تكلفة صيانة وإعادة البناء عبئاً على اقتصاد البلاد في المستقبل بكلِّ تأكيد.

لا يمكن معرفة متى وكيف سينتهي الصراع الدائر في سوريا. إلَّا أنَّ استمرار الصراع سيؤدي إلى تدمير المزيد من المواقع التاريخية. إنَّ خسارة إرثٍ بهذه الأهمية، سواء أكان مادياً أم معنوياً، سيترك نتائج عميقة وطويلة المدى، وسيؤدي إلى تعميق الكره واليأس بين مكونات المجتمع السوري، وسيصعِّب عملية المصالحة بعد نهاية الصراع.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR