أطفال صاروا آباء

ريبورتاج بقلم ريما نعيسة

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

يسعى هذا الريبورتاج إلى تسليط الضوء على ظاهرة عمالة الأطفال في ظل الصراع الذي يكتسح سوريا. فقد فقدت كثيرٌ من الأسر معيلها، ووجد كثيرٌ من الأطفال أنفسهم في وضعٍ دفع بهم إلى معاركة الحياة، ودخول سوق العمل في مرحلة مبكرة من حياتهم الغضة، بدلاً من أن يكونوا على مقاعد الدراسة أو يتمتعوا بطفولةٍ سعيدةٍ تليق بهم.

على أحد أرصفة شارع 8 آذار وسط مدينة اللاذقية، وفي خضم التسابق المحموم نحو لقمة العيش يفرش أحمد بضائعه التي تضم مجموعةً من المنظفات والخضار، ينادي على المارّة في محاولةٍ إلى لفت انتباههم ((عرض خاص العلبتين بـ 225 ليرة)).

لأحمد، ذي الأعوام العشرة، قصةٌ باتت مألوفةً لجميع السوريين؛ خرج وعائلته من مدينته الأم، حلب، بفعل الحرب واشتداد معاركها، فوجد نفسه أمام خيارٍ واحدٍ وهو المضي والبحث عن عمل، فهو الابن البكر لعائلةٍ تتألف من أم وأختين بالإضافة لأبٍ اختفى أثره منذ عامين ((أنا الكبير وأمي لازم تقعد مع أخواتي الصغار بالبيت)).

يسرد أحمد بعضاً من تفاصيل قصته بسلاسة وكأنه اعتاد إخبارها لعابري بسطته: ((أبي بعتنا لهون، وخبرنا أنّو رح يلحقنا بس يخلص شغل ومن وقتها ما شفناه ولا سمعنا عنو أي شيء)).

مسؤولية تحمل نفقات العائلة الماديّة وغيرها من أعباء الحياة الثقيلة، والتي فاقمتها عبثية الحدث السوري منذ أربع سنوات، كلها وقعت على أكتاف أحمد الغضّة.

على الضفة الأخرى، ذكرت وكالة رويترز العالمية أن هناك ما يقارب الـ 50 ألف طفل سوري في لبنان يعملون في ظروف قاسية ولمدة 12 ساعة يومياً. كما نقلت الوكالة عن منظمة "كير" الإغاثية أن هؤلاء الأطفال يكافحون من أجل تأمين الغذاء والمأوى لعائلاتهم. تركيز الأمم المتحدة ينصب على اللاجئين في دول الجوار، وهذا ما لا يستطيع أحمد فهمه، وهو البعيد عن لغة الأرقام، فهو يعرف منها ما يلزمه لعدِّ النقود التي يجنيها لكفاف يومه، حيث يقول ((بحاول أبقى هون أكبر وقت ممكن منشان طالع مصاري كتير)). في حين بلغ عدد النازحين في الداخل السوري ما يقارب الـ 6.5 مليون نسمة، أكثر من نصفهم من الأطفال، بحسب تقريرٍ صادرٍ عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014

لدى عبدو (9 أعوام) الذي يعيل عائلته في الداخل السوري، حكايةٌ تتفوق على مثيلاتها في البؤس: فقدَ أباه في مشهد دمويّ قلبَ موازين حياته كلها، فحيث كان ممسكاً بيد أبيه من جهة، وبيد أمه من الجهة الثانية، كانت عيّن قنـّاص تراقب خطواتهم لتغتال رصاصته تلك اللحظة الدافئة، وتخترق قلب أبي عبدو. ((إجت الرصاصة بقلبو))، يقولها عبدو الصغير بألم وهو يحاول استحضار الحادثة، لا يبدو أنه نسي مشهد أبيه وهو غارقٌ في بركة من الدم، وأي منطقٍ يجزم باستئصال تلك الصورة من ذاكرته؟

بقي عبدو وحيداً مع أمه وأخوته، ونتيجة لذلك اليوم المشؤوم تركت الأسرة حلب وراءها متجهةً إلى اللاذقية. عزم عبدو على العمل كـصبي توصيل في محال أحد أحياء المدينة، بالإضافة إلى عتـّال في سوق الخضار، وأدرك مبكراً ماذا يعني القرش الممزوج بعرق صاحبه. فقد أخذ عبدو على عاتقه تحصيل القوت اليومي لأمه وأخوته، بالإضافة إلى ثمن الإيجار ((بشتغل من الصبح للمسا لولا هيك ما بطالع مصاري بتكفي شي بدنا ناكل وندفع آجار البيت)).

يبدأ عبدو معركته مع الحياة في تمام العاشرة صباحاً، وينتهي في التاسعة مساءً. الجديد في قصة عبدو أنه كان يرقد في بحبوحة قبل مصرع أبيه المفجع، إذ كان والده المتوفى تاجر سيارات يجني مالاً كثيراً ((بابا كان تاجر سيارات وكان معو مصاري كتير، بس كل شي تغير)).

منظمة "يونيسف" ذكرت أيضاً في أحد تقاريرها الإحصائية في عام 2013 بأن 40% من أطفال سوريا خارج المدارس. إلا أن ماهر (12سنة) غير معني بهذه النسبة، فرغم عمله الطويل لم يترك مقعده الدراسي، وراح يتنقل ما بين السعي وراء العلم وساعات العمل الطويلة التي يقضيها في مقهى قريب من مكان سكنه، يعمل فيه كنادل بدوام مسائي، ((أتمنى أن أصير محامياً إذا سمحت لي الظروف متابعة الدراسة سأحاول أن لا تمنعني)). ماهر لا يختلف عن أحمد وعبدو بشيء، إلا في كونه أكبر سناً. ومثل حال كثير من الأطفال فقد واجه الوضع الرّاهن لعائلته، بعد أن سلبته الحرب أبيه، فقرر البحث عن عمل ليعيل أسرته محاولاً تأمين مستقبل مقبول لأخويه الصغيرين من جهة، وليـُجـنـّب أمه العمل من جهة أخرى، ((بعد ما خلص عزاء بابا عرفت أنني صرت المسؤول عن أمي وأخوتي، وأخدت قرار أنو لازم دور على شغل مهما كان وما بدي خليها لما تفكر يوم من الأيام إنها تشتغل))، يقول وقد بَدَتْ عليه علامات النضج المبكر.

هكذا هم أطفال سوريا في زمن هذه الحرب، فقد غدوا آباءً صغاراً بعد أن انتقلوا من المشاغبة على مقاعد الدراسة إلى مناكفة أدراج الحياة، وتحدّي صعوباتها وأعباءها التي تفوق حجم زنودهم الطريّة.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR