الغرنيكا السورية

ريبورتاج بقلم كنده يوسف

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

بالنسبة للكثيرين فإن لوحة "غيرنيكا" للفنان الإسباني بابلو بيكاسو ليست مجرد لوحة، بل هي قيامة تشكيلية لحالة الحرب، وتعبير صادق ومؤلم عن هذه الحالة. في هذا الريبورتاج تم عرض لوحة "غيرنيكا" على عددٍ من السوريين من مختلف الأعمار، وطُلِبَ منهم تحليل اللوحة من منظورهم الخاص، فكانت "غيرنيكا" الإسبانية بالنسبة لهم "غيرنيكا" سوريَّة المزاج والإسقاطات. لم يهتم من سألناهم بالشخص الكامن وراء اللوحة، أو السبب الحقيقي لرسمها، لكن قدرة اللوحة على عكس ما عاشه البعض منهم، أو ما سمع عنه آخرون، كان السبب الأهم الذي دفعهم للتحليل والإجابة. أمَّا النتيجة النهائية فقد أثبتت خطأ المقولة السائدة بأنَّ "الفن نخبوي" في أغلب الأحيان. فجميع من عرضنا عليهم لوحة "غيرنيكا" بعيدون عن الفن التشكيلي، ولم تكن لديهم أي خلفية فنية، بل وإنَّ غالبيتهم لم يتجرَّأ على تفكيك رموز لوحةٍ فنيةٍ بطريقته الخاصة من قبل، ولكن ومع ذلك استطاعت لوحة "غيرنيكا" أن تخاطبهم وان تدفع بهم كي يعبِّروا بحريةٍ وصدقٍ عمَّا رأوه.

عن غيرنيكا

بحسب ستيفن فارثينغ في كتابه "الفن: القصة الكاملة" فإنَّ لوحة "غيرنيكا"، للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، برموزها وتفاصيلها وأسلوبها السوريالي التجريدي تعتبر من أهمِّ لوحات الفن الحديث التي تعبِّر عن مأساة الحرب في العالم.

يعود السبب وراء رسم "غيرنيكا" عام 1937، خلال الحرب الأهلية الإسبانية، إلى قصف الألمان قرية غيرنيكا الواقعة في إقليم الباسك جنوب فرنسا/شمال إسبانيا. القرية أبيدت بمن فيها، ما جعل الحكومة الإسبانية تطلب من بيكاسو بشكلٍ شخصي أن يعبِّر عن تلك الفاجعة بأسلوبه الخاص، وهذا ما فعله.

نبيل -10 سنوات- لم يعرف كل هذا عن "غيرنيكا"، لأنَّه أكَّد أنَّ من رسمها شخصٌ لا يتقن استخدام الألوان، وهو مثله تماماً يفتقر للحس الفني هكذا تقول له معلمته في المدرسة ليستكمل ((ومع ذلك أنا أحترم الرسام هذا لأنه لم يكترث لرأي معلمته، فيها أناس تصرخ داخل حديقة للحيوانات الفضائية، لربما لم ترد والدة الطفل أن يوقظوا ابنها النائم لهذا كانت تزيد الصراخ))، الأم التي تصرخ تستشعر انتباه زينب التي استنتجت أنَّ ما يحصل هو حدث داخل حديقة ما لأنَّ هنالك وردة على الأرض -لربما يلعبون لعبة- في حين يعتبر محمد -12 سنة-، المشهد يتحدَّث عن أبطال الديجيتال بأفعالٍ غير مفهومة وشخصياتٍ غريبة نصفها بشر ونصفها حيوانات داخل كوكب أسود يحاولون وبشدة الخروج ولكن لا يبدو ذلك ممكناً.

محمد وزينب ونبيل وما يزيد عن عشرين شخصاً عرضنا عليهم لوحة "غيرنيكا" لم يستطيعوا التنبؤ باسم الرسام أو جنسيته، ولم يُبدِ أكثر من نصفهم معرفة باللوحة. ولكن في المقابل فجميعهم استطاعو تحليل "غيرنيكا" بحسب منظورهم الخاص الذي قاربوا من خلاله تفاصيل اللوحة بواقعهم السوري في ظلِّ الحرب،

كان هذا الريبورتاج محاولة بسيطة للإجابة عن بضعة تساؤلات: هل الفن للنخبة أم أنَّه للجميع؟ وهل على الشخص بالضرورة أن يمتلك بُعداً فنياً أو أن يكون صاحب خلفيةٍ فنيةٍ ليتمكَّن من تحليل عملٍ فني؟ أو ان مجرد كونه عاش بواقعه تفاصيل هذا العمل فهو قادرٌ على استجرار معانيه بكودات خاصة به؟

غيرنيكا تتمدد

((لا بدَّ أنَّ هذه اللوحة تمثِّل ما يحصل في أحياء حلب فور سقوط البراميل المتفجرة عليها)) هذا ما يقوله محمد، طالب في كلية الاقتصاد، وأمَّا شيرين طالبة بكلية الزراعة فاللوحة تذكِّرها بريف دمشق -جوبر على وجه الخصوص-، وبالنسبة لمحسن -25 سنة خريج ميكانيك- فـ "غيرنيكا" تشابه ما حدث داخل مخيم اليرموك، ليرى عمار -خريج إعلام- أَّنها تجسِّد مأساة حمص القديمة وأحداث الغوطة الشرقية مستكملاً القول: ((لربَّما تُجسِّد مناطق سورية مختلفة وشوارع مختلفة سمعنا بها وأحياناً كثيرة لم نسمع بها حتى اللحظة))، الأمر ذاته تتحدث عنه نور -طالبة صيدلة سنة ثانية- التي ربطت خطوط وتفاصيل اللوحة بما حصل في مجزرتي جبل الزواية وريف اللاذقية، ((تربكني تفاصيل اللوحة كثيراً ولكنَّ المقولة واضحة، إنَّها تتحدَّث عن الحرب بتجرُّد، فالملامح ليست مهمة ولكن ما يطغى عليها من إيحاء يجعلني بسهولةٍ استنبط رسالة المأساة الكامنة جرَّاء الحرب أي حرب)).

العم أبو خلدون -70 عاماً- يعتقد بأنَّ الفن يخصُّ الفنانين والمثقَّفين فقط وبمجمله غير موجه للعموم ((لم أعتقد أنَّني سأعرف فوراً ما يريد الرسام قوله، بشكلٍ عام خرابيش المجانين لا تشعرني بشيء وأفضل عادةً صور للطبيعة، لكن لم تنتابني مشاعر كهذه حينما عُرضت عليَّ هذه اللوحة ربما لأنَّنا نعيش تفاصيلها في حياتنا اليومية ونشاهدها في نشرات الأخبار، أعتقد أنَّه رسامٌ سوري يحاول أن يقلِّد الغرب، ولكنَّ لوحته غريبة فهي لا تحتوي أيَّ عناصر جماليةٍ تجذب ولكنَّها تبعث داخلياً شعوراً سيئاً يشبه شعوري وأنا أشاهد ما يحصل في نشرات الأخبار وما يحصل مؤخراً في الرقة وكوباني وعين عرب بسبب داعش ومثيلاتها)). وأمَّا حسام -موظف 33 عام- فقبل أن يطيل التمعُّن في ملامح اللوحة يقول أنَّ هذا بالضبط ما يحدث بعد أيِّ تفجير، بل وإنَّ اللوحة ذكرته بأقصى تفجير ضرب العاصمة دمشق وهو تفجير منطقة القزَّاز ولكن وبالنسبة لإبراهيم -طالب حقوق سنة رابعة- فـ "غيرنيكا" لا تعبِّر بالضرورة عن منطقة نزاع فحسب، ((بجدارة تمثِّل دمشق وتمثِّل أحوالنا النفسية بتجرُّد ونحن ننتظر الأسوأ، ننتظر قذائف الهاون والأخبار السيئة، ننتظر موت أحدهم وهرب آخرين، ننتظر سقوط مدنٍ والحصول على مدنٍ أخرى، لهذا أعتقد أنَّها بلونين فقط، لونين يمثِّلان التجرُّد والحقيقة السوداء التي نعيشها تماماً)).

ما وراء تفاصيل الحرب، ماوراء تفاصيل غيرنيكا

الحصان والثور والطير وتفاصيل "غيرنيكا" الأخرى كانت رموز بابلو بيكاسو التي جسَّدت رؤيته لماضيه وحاضره الشخصي والسياسي، وتعبيراً عمَّا حدث بالتفصيل داخل قرية غيرنيكا. الرموز نفسها حلَّلها شبابٌ سوريون رأى فيها بعضهم هواجس خاصَّة، وأمَّا البعض الآخر فوجد أنَّها ركائز واقعية لا بد وأن توجد في أيِّ معركة. كنجيب -23 عام- الذي أكمل: ((الثور لربما يرمز للثورة خصوصاً وأنِّ هنالك عينٌ بشرية تلتصق بوجهه وأمَّا الحصان فلا بدَّ وأنَّه الحقيقة والإرادة الصادقة التي تموت يوماً بعد يوم)). وأمَّا لُجين -34 عام ربة منزل- فرأت في الضوء الكبير الأمم المتحدة التي تشهد المأساة السورية بمتعةٍ لا متناهية وذلك الضوء الصغير فهو أملٌ متلبِّد لن يصنع فارقاً. الأضواء ذاتها كانت بالنسبة لرنيم -طالبة أدب فرنسي- محاولات الإعلام والبروباغندا التي يصنعها موهماً الناس أنَّه يضيء قلب الحدث وأنَّه الشاهد على عمليات القتل والإبادة ولكن كنان -21 عام- رأى ذلك في الثور والحصان الوسائل الإعلامية المشوَّهة التي صنعتها الحرب وما زالت، لتستكمل نغم: -خريجة إعلام-((السيف يوحي لي بمعارك داعش والمجموعات المتطرِّفة والأضواء الحادة هي الإعلام وأمَّا الضوء الصغير فهو المحاولات الخارجية البائسة، لا أحد يعير انتباهاً أنَّ هذه الأضواء غير ملحوظة فالكل مغمور بمأساته الخاصة، اللوحة تجمع عدداً من الأشخاص يربطهم مكانٌ واحد ولكنَّ مأساتهم تختلف، اللوحة تمثِّل الشعب السوري، المقاتل والمدني والأم وسلاح المعركة والكلُّ انتهوا إلى مصيرٍ واحدٍ نتيجة الحرب)). سيف -40 عام- وصف الحصان والثور بأنَّهم المقاتلون الأجانب وأمَّا الضوء الكبير فكأنَّه تجسيد للقوى الخارجية التي تضيء لهم السبيل وتسمح لهم بإقتراف المجازر، أعتقد أنَّها مدينة طرطوس التي تحتضن الجميع وتحتضن المآسي التي يحملها كلُّ من نزح داخل ذاكرته فخلقت فوضى في الهواء وشكَّلت ملامح لوحة، الرموز تمثِّل القرى السورية جميعها بل تمثِّل مأساة أيِّ أمٍّ حينما يأتيها جيرانها بخبر موت ابنها، وأمَّا الحيوانات فهي كل من ينتقص من موته ليشمت ويطعن بها وبإبنها متناسين المأساة الحقيقية)). لتصمت نسرين -31 عام- عند السؤال عن هذه الرموز وتقول: ((لها إيحاءات سياسية فهي بالنسبة لي المعارضة المسلحة والنظام بآن، للوهلة الأولى تراهم مخلوقات حيوانية ولكن عندما أتمعَّن أشعر أنَّهم مزيجٌ من البشر والحيوانات كانوا مخلوقاتٍ مشوهةً قادرةٌ على التموضع داخل المأساة واستجرار العطف بأنَّهم ضحيةٌ أيضاً)).

غيرنيكا: مونولوج داخلي لشخص واحد

((أعتقد أنَّها لا تمثِّل ما نراه، فهي ليست مجموعة أشخاص يجمعهم مكان، إنَّها شخصٌ واحدٌ لربَّما أراد الهرب من الحرب، وكلُّ شخصيةٍ تمثِّل ذكرى أو هاجس انتابه أثناء السفر وفي النهاية يغرق ويرقد بسلام كطفل تبكي أمه عليه)). هكذا وصف أمين -27 خريج معلوماتية- اللوحة مبيِّناً: ((أنَّ هنالك علامات موجودة في كلِّ شخصية وكأنَّها توحي بأنَّهم جسدٌ واحدٌ تغيَّرت ملامحه مع مرور الزمن وتغيَّرت شخصيته حسب الظرف المحيط))، واصفاً من يدخل من الشبَّاك بأنَّه ((المهرِّب وأمَّا الضوء الكبير فهو الحلم الشرير بالهرب والسفر، ولكن في النهاية يموت كطفل، وتختفي العلامات على يديه وجبهته، حتى عيونه تكون مختلفة عن عيون من تبقى)).

بين لبنان وسوريا والعراق وفلسطين

بعض الأشخاص كناصر -43 عام- شابه "غيرنكا" على أنَّه تماماً ما يحدث في غزَّة الآن ليكمل تميم -24 عام خريج أدب عربي- ((الجوع والحصار والقذائف تولِّد مأساة، غيرنيكا هي غزَّة ولكن لربما تكون أقرب إلى سوريا لوجود السيف الذي يوحي بالإرهاب)). أمَّا سارة -29 عام- فرأت فيها ما حدث داخل العراق خلال الضربة العسكرية وما يحدث فيها حالياً عند كل تفجير.

نجاة -63 عام ربة منزل- رأت في "غيرنيكا" الحرب الأهلية اللبنانية بكلِّ تفاصيلها بل وإنَّها لم تستطع أن تطيل النظر لأنَّها لا تريد استحضار الماضي وتذكُّر الحرب، في حين أن منى -33 عام- وبخلاف نجاة لم ترى في "غيرنيكا" الحرب الأهلية اللبنانية لأنَّها أبصرت فيها مخيم عين الحلوة للاجئين السوريين في لبنان قائلةً: ((أظنُّ أنَّ مخيم الحلوة يمثِّل غيرنيكا بكل ما تحتويه من عناصر، من تجار أزمة ومستغلين كالثور والحصار ومن أشخاصٍ تبحث عن أملٍ ومن أمهاتٍ يبكين أطفالهن الذين ماتوا جراء الجوع والبرد القارص ومع ذلك يذلِّل الإعلام قضيتهم ليبيعها ولا أحد يقدِّم المساعدة فحتى الجلَّاد داخل المخيم هو ضحية بطريقة أو بأخرى)).

الخاتمة

"غيرنيكا" بابلو بيكاسو تقبع في متحف، وأمَّا غيرنيكا السوريَّة وحسب الكثيرين فتتكاثر وتنجب غيرنيكات صغيرة لتتجلَّى في غالبية المناطق السورية والعربية المحيطة. من سألناه عن اللوحة لم يظن لمرَّةٍ أنَّه سيستطيع فكَّ رموزها، ولكنَّ الغالبية فعلوا بطريقتهم الخاصَّة.

عدنا إلى أول سؤالين في بداية اللعبة لنحصد جواباً في النهاية مفاده المبدئي، وحسب جميع من شاركوا في صناعة المادة، نعم نستطيع أن نزيح النخبوية عن بعض اللوحات إن كانت هنالك إسقاطاتٌ مباشرةٌ تنطبق على واقعهم من خلالها، أكثر من شخص طلبوا ألَّا نستمر بالسؤال عن مكونات "غيرنيكا" لأنَّها أشعرتهم بسوء وسوداوية لم يستطيعوا معرفة سببها، ولكنَّهم وصلوا لإجابةٍ حينما بدؤوا بمحاولة تحليلها.

سلط هذا الريبورتاج على قضية حضور "الفن النخبوي" لدى الناس العاديين، وقدرة هؤلاء الناس على إدراك وتحليل هذه الأعمال الفنية بخاصة إن كانت تلامس معاناتهم اليومية التي يعيشونها. أخيراً فإن النتائج الأولية التي أشارت إليها المقابلات التي أجريت مع أشخاص سوريين، من شرائح عمرية مختلفة، تشير إلى ضرورة التوسع في الفكرة المطروحة لتكون موضوعاً لدراسات محكمة ومعمقة في المستقبل.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR