تقديم العدد: في زمن الروايات المفقودة

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

في زمن الروايات المفقودة يكتب رئيس التحرير، د. طلال الميهني، عن محتويات العدد الحالي التي تراوحت بين المقالات، والريبورتاجات، ومراجعات الكتب والدراسات.

يسعدنا أن نضع بين أيديكم العدد الثالث (ربيع 2015) من مجلة "دلتا نون" التي يصدرها "مركز دراسات الفكر والشأن العام".

يأتي هذا العدد الجديد في مرحلةٍ صعبةٍ تمر بها منطقتنا التي يجتاحها صراعٌ عنفيٌّ مدمر، وسط صعود التطرف وتغوّل الاستبداد وقمع الحريات. تحدث كل هذه الاضطرابات في القرن الحادي والعشرين، دون أن يشفع لنا التطور العلمي والنمو الهائل في المعرفة، ودون أن تستفيد المجتمعات البشرية من تجارب التاريخ وشواهد الزمن. صحيحٌ أن التكنولوجيا الحديثة قد أتاحت فرصةً غير مسبوقة للتواصل العابر للحدود، وسهلت تبادل الآراء والأفكار خارج نطاق المؤسسات التقليدية، إلا أن هذه التكنولوجيا قد وفّرت أيضاً أسلحةً أكثر فتكاً وأكثر قدرةً على التدمير، وأفسحت المجال لتدخلاتٍ سافرة حوّلت المنطقة إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات. يضاف إلى ذلك أن الحراك الفكري في عموم المنطقة ما زال أسيراً للتمويل، وخاضعاً بالتالي لأهواء الأيديولوجيا والمصالح، أو محدوداً في ظل غياب الشفافية وعدم توفر المعلومات، ما يخلق صعوبات حقيقية في وجه أي أبحاث ودراسات معمقة، وعوائق جمّة في وجه مساعي التغيير الحقيقي في منطقةٍ بالغة التعقيد على المستويات الجيوسياسية والاجتماعية والثقافية.

في سياق الحديث عن الشفافية وتوفر المعلومات يمكن التوقف عند إصدار "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" مطلع هذا العام كتاب "الرواية المفقودة" لنائب الرئيس السوري فاروق الشرع. يكتسب الكتاب المذكور ولا شك أهميةً كونه من تأليف أحد أعمدة السياسة الخارجية السورية طيلة عقود من التاريخ السوري المعاصر، وكونه يكشف بعض الجوانب المتعلقة بملف محادثات السلام بين سوريا وإسرائيل؛ تلك المحادثات التي كنا نسمع بها ونقرأ عنها من مذكرات السّاسة الأميريكيين والإسرائيليين. ومع أن الكتاب المذكور لا يقدم نموذجاً كاملاً للشفافية المنشودة، ولا يشكل بطبيعة الحال إحراجاً للسلطات السياسية القائمة في المنطقة، إلا أنه يشكل خطوةً أولى للكشف عن كثيرٍ من "الروايات المفقودة" التي ما تزال طي الكتمان والتغييب. ولهذا فليس من المستغرب أن يحظى كتاب الشرع بمراجعات وتعليقات في منابر عربية متعددة. وقد كان لهذا الكتاب حصةٌ في "دلتا نون" التي تنشر في العدد الحالي مراجعةً نقديةً تفصيليةً ومطوّلة بقلم ميلاد العودة الله الذي مكّنته خبرته الأكاديمية، في مجال مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، من تقديم إضاءاتٍ مهمة في قراءته لكتاب الشرع.

يحتوي العدد الحالي أيضاً على قراءةٍ نقديةٍ لكتابين: القراءة الأولى بقلم نور شلغين في مراجعةٍ متقنةٍ وسلسة لرواية "فرانكشتاين في بغداد" للكاتب العراقي أحمد سعداوي، بخاصة وأن هذه الرواية، التي حازت على جائزة البوكر العربية لعام 2014، تعالج مجموعةً من القضايا التي تهم أبناء منطقةٍ مكلومةٍ يجتاحها شبح التطرف والعنف والانتقام والفساد. أما القراءة الثانية فمن إعداد محمد حجو الذي يكتب عن "موزاييك الحصار" للدكتور عبد الوهاب عزاوي.

في قسم المقالات يعلّق عزام قصير، في مقالةٍ مترجمةٍ عن اللغة الإنكليزية، على حادثة المجلة الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو" ويضعها في سياق أزمةٍ ثقافيةٍ وسياسيةٍ كبرى لا بد من إدراكها واستدراكها من قِبَلِ الجميع، بدلاً من التنصُّل من تحمل المسؤوليات والاختباء وراء التعميمات والرؤى المبسطة. وفي مقالةٍ لعبد الكريم بدرخان يناقش الكاتب العقلية الثنائية التي تحكم نمط التفكير الشرقي، والعقلية الثلاثية التي تحكم نمط التفكير الغربي، مشيراً إلى الأثر العميق لأنماط التفكير المذكورة على ملامح المنظومة السياسية والاجتماعية التي يعيشها كلٌّ من "الشرق" و"الغرب".

وفيما يخص الصعود الفاقع للظاهرة الإسلاموية في الساحة الشرق أوسطية فقد احتوى العدد على مقالتين؛ الأولى بقلم حمود حمود الذي يربط بين صعود هذه الظاهرة بأسلمة الأيديولوجيا العربية، والثانية بقلم عفيف رحمة الذي يشير إلى أن صعود الإسلاموية ناجمٌ عن تراجع وتفسخ اليسار العربي.

وفي التاريخ المعاصر يسلّط علاء تلجبيني الضوء على جانبٍ من تاريخ سوريا الحديث، في فترة الخمسينيات، محاولاً الإشارة إلى منابع الاستبداد والعقلية الأحادية السائدة في المنطقة. وعلى المستوى الاجتماعي يكتب محمد الإدريسي مقالةً تناقش موضوعاً إشكالياً حول رتق وترميم غشاء البكارة، هذه الممارسة التي يمكن اعتبارها قضيةً من القضايا الجنسانية المأزومة في مجتمعات الشرق الأوسط. يضاف إلى ما سبق مقالاتٌ بقلم سومر شحادة وهوازن خداج ووسيم البحري تناقش مجموعةً من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية الآثارية.

في باب الريبورتاجات نسلّط الضوء في هذا العدد على واقع السوريين النازحين داخلياً إلى مدينة اللاذقية، ونخصص ريبورتاجاً مهماً حول ظاهرة انتشار الإدمان على الحشيش والأدوية المخدرة من قبل الشباب السوري في محاولةٍ للهروب من ضغوطات العيش في زمن الحرب. كما ننشر مادةً عن السينما السورية المستقلة التي يتصدى لها جيلٌ من المخرجين السوريين الصاعدين، إضافةً إلى ريبورتاج عن دور النساء السوريات في صناعة السلام، وتقريرٍ عن معرض القاهرة للكتاب، فضلاً عن ريبورتاج يحاول مساءلة المقولة السائدة بأن "الفن نخبوي" من خلال عرض لوحة "غيرنيكا" للفنان الإسباني بيكاسو على عينة عشوائية من السوريين، وطرح مجموعة من الأسئلة عليهم.

وفي قسم الدراسات يكتب عمر الجباعي دراسةً ممتعةً عن العلاقة التبادلية بين الشخصية الـ "دون جوانية" والدين، ويناقش سليمان سليمان ظاهرة "الإسلام الشامي"، ويعرض عمار المأمون لفعل الكتابة كفعل ثوري، كما تقدم ياسمين أبو فخر الجزء الأول من بحثٍ منجزٍ في "مؤسسة اتجاهات" حول "ثقافة العمل التطوعي في سوريا".

أخيراً، نتمنى أن يكون العدد الحالي عند حسن ظنِّ القراء الأعزاء الذين يمكنهم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني editors@c-tpa.org، مؤكدين على اهتمامنا بالاستماع إلى أي انتقاداتٍ وتعليقاتٍ على المواد المنشورةـ، فضلاً عن أي اقتراحاتٍ لمواد بقصد النشر في العدد الرابع من مجلة "دلتا نون" الذي يتم حالياً الإعداد له كي يصدر في صيف 2015.

طلال الميهني

رئيس التحرير، مجلة دلتا نون





 
 
 
EN
AR