ثقافة العمل التطوعي الإنساني في سوريا - ج1

دراسة بقلم ياسمين أبو فخر

العدد الثالث - ربيع 2015 - الأربعاء 20 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تطوَّرت ثقافة العمل التطوعي عبر العصور من تعاضدٍ إنسانيٍّ غير منظَّم، إلى مفهومٍ أخلاقي دعت إليه الديانات السماوية، ومن ثمَّ إلى مفهومٍ مجتمعي يمثِّل نشاطاً مدنياً بات مؤخراً قطاعاُ مستقلاً تتناوله الدراسات والخطط التنظيمية وتربطه بقيم المواطنة والمجتمع المدني ومفاهيم التنمية. سيتناول البحث هذه الثقافة عبر فصلين رئيسيين سيتم استعراضهما في أجزاء ثلاثة متلاحقة في مجلة "دلتا نون": فصلٌ يتناول الإطار النظري مستعرضاً الجذور اللغوية والتاريخية والاصطلاحية لمفهوم العمل التطوعي، وصولاً لمفهومه المعاصر باعتباره قطاعاً ثالثاً (وهو موضوع هذا العدد – ربيع 2015)، ومن ثمَّ التوقف عند المنظور الهيكلي للعمل التطوعي (وتفاصيله في العدد القادم). بالإضافة إلى فصلٍ يتناول واقع هذه الثقافة في سوريا، قبل الأزمة السورية (مرحلة السلم الأهلي)، وأثناء الأزمة السورية (مرحلة النِّزاع)، والتغيّرات التي طرأت على أولوياتها وآلياتها، وسيكون موضوع الجزء الثالث والأخير.

1.   الفصل الأول: المقدمة

 

1.1.       مقدّمة البحث 

تندرج ثقافة العمل التطوعي في أبسط أشكالها ومفاهيمها في سياق المشاركة والتفاعل المجتمعي وتقاسم المسؤوليات والإمكانيات في سبيل خدمة الصالح العام، ومفهوم التطوع ليس جديداً إذ لطالما عرفته الحضارات الإنسانية ورسخته الأديان السماوية وطورته تجارب المجتمعات في أوقات السلم وفي أوقات الحروب والنزاعات، بعد أن تزايدت الحاجة إليه وإلى الخدمات الإنسانية التي تنبثق من المبادرة الطوعية المحضة.

ومع تطور المجتمعات برز العمل التطوعي مؤخراً كعاملٍ هام من عوامل التنمية في الدول المتقدِّمة وبات قطاعاً مستقلاً يوازي القطاعين الحكومي والخاص ويدعم الاقتصاد الوطني بشكلٍ ملحوظ أثبتته الإحصائيات والدِّراسات، كما أثبت وجوده كعنصر هام من عناصر المجتمع المدني، ولقي اهتماماً شديداً كونه يمنح الأفراد إحساساً بدورهم في مجتمعاتهم خاصةً في مواجهة التطور التقني السريع وتقدُّم ثورات الاتصالات التي حرمت الناس من إحساسهم بفاعليتهم، إذ كثيراً ما يشعر الناس بأنَّهم بلا حول ولا قوة في مواجهة العولمة، وأنَّهم كحطام سفينة تتقاذفها الأمواج ولا مرساة لها. إذ يمكن للتطوع أن يكون مرساة للناس حين يؤثِّرون ويقدرون على التغيير في المجتمعات المحلية التي يعيشون بها (ماريان هاركينز، عضو البرلمان الأوروبي والمجلس الاستشاري رفيع المستوى لبرنامج متطوعي الأمم المتحدة). كلُّ هذا جعل من العمل التطوعي مفهوماً يحظى باهتمام كبير من ناحية التنظيم والتأهيل وبناء القدرات والكوادر اللازمة للنهوض به، باعتباره المقياس الحقيقي لمدى فاعلية الدور الأهلي في المجتمع، ولمدى أهمية هذا الدور.

أمَّا عربياً وفي خضم المناخ العام الذي تشهده مناطق متعدِّدة في الدول العربية، برزت تحركات مجتمعية اتَّخذت تمظهرات عديدة منها ماكان منظماً ومنها ما كان عنيفاً وفوضوياً، لكنها في تجلِّيها العام عكست صخباً ناقماً وحاداً لمجتمعات مهمَّشة وتتعرض للإقصاء والإبعاد عن دورها في المجتمع، ممَّا زاد من المطالبة وطرح مفاهيم تعتبر جديدة على المجتمع العربي مثل المجتمع المدني، مفاهيم التنمية، التنمية البشرية، استثمار رأس المال الاجتماعي، التمكين، حقوق الإنسان، المواطنة. ونتج من ذلك ازدياد الوعي بالحاجة لتفعيل النواحي التطبيقية لهذه المفاهيم، في سبيل استثمار الطاقات البشرية في المجتمع وترسيخ قيم المواطنة بينها وإخراجها من قوالب التكتل الديني أو المناطقي أو الطبقي.

وتبرز في سياق هذا كله الحاجة لدراسات ترسِّخ مفهوم العمل التطوعي وتدعو إليه، وتحاول طرح السبل والاقتراحات لتفعيله وتطويره، باعتباره عنصراً هامّاً من عناصر المجتمع المدني، وعاملاً فاعلاً من العوامل التي تقوي علاقة الفرد بمفاهيم المواطنة والمساواة، وتعزِّز قيم الشَّراكة وتوزيع المسؤوليات ممَّا يساهم في استثمار الطاقات البشرية وإدخالها في عملية التنمية، وتمكين أفراد المجتمع وصولاً لمجتمع قائم على المساواة والمشاركة، ومرتكز على القانون في قضاياه فالحضارة ترتكز أساساً على تقليص العنف، إذ أنَّ هذا هو الهدف الرئيسي الذي ينبغي أن تسعى إليه الديمقراطية، فحرية الأشخاص غير مضمونة في المجتمع إلا بقدر ما يتخلى جميع الأشخاص عن استخدام العنف، لأنَّ دولة القانون تتطلَّب اللاعنف الذي هو نواتها الأساسية (الفيلسوف كارل بوبر).

 

1.2.       إشكالية  البحث    

وفي ظلِّ انعكاس كل تلك المؤثِّرات المفاهيمية والفكرية والمجتمعية على المجتمع السوري، وتقاطعاتها مع ما تعرَّضت له سوريا خلال الأزمة السورية من صراعات، وعلى اختلاف الجذور والتراكمات التي أدَّت للأوضاع الرَّاهنة، لكنَّ العمل التطوعي برز في تجليات عدَّة من قبل مبادرات مجتمعية وشابَّة على اختلاف مواقفها من الأوضاع في سوريا، ممَّا يدلُّ على وجود دوافع هذا الانخراط في العمل التطوعي والاجتماعي، وإدراك الحاجة إليه والإيمان بفاعليته وتأثيره في مسار المجريات عامة.

لذا سيتطرَّق البحث لواقع العمل التطوعي في سوريا قبل الأزمة السورية وخلالها، متوقفاً عند إشكالية العلاقة بين واقع القطاع الأهلي والتطوعي في سوريا قبل الأزمة وبين دوافع الحراك المجتمعي وجذوره، والعلاقة بين دور العمل التطوعي أثناء الأزمة وقدرته على تقليص اللجوء للحلول العنفية ومساهمته في فتح قنوات للحوار المجتمعي وإعادة تماسك النسيج الاجتماعي السوري بعد ما تعرَّض له هذا النسيج من دمار وتعصُّبات.

كما سيستعرض البحث واقع هذه الثقافة في سوريا، من حيث التشريعات النَّاظمة لمجال الأعمال التطوعية والمبادرات الأهلية، وواقع تلك المشاركات والمبادرات في سوريا قبل الأزمة السورية والعوامل المعيقة لها. كما سيستعرض أعداد الجمعيات وتوزِّعها ومجالات عملها وارتباط تشجيع تلك المبادرات بالتوجهات التنموية العامة، وبالمقابل سيلقي الضوء على واقع العمل التطوعي خلال الأزمة السورية والتغييرات التي فرضتها الأوضاع على أولويات وآليات هذا المجال ومدى المشاركة به.

 

1.3.       أسئلة البحث

ويطرح البحث أسئلة متعدَّدة أهمُّها:

·        ما مدى مواكبة قانون الجمعيات النافذ حالياً، لمتطلَّبات عمل تلك الجمعيات؟

·        أين تتركَّز الجمعيات في سوريا من حيث العدد؟ وما المجالات التي تلقى إقبال واهتمام الجمعيات؟

·        هل يُعدُّ غياب فاعلية القطاع الأهلي ودوره قبل الأزمة أحد دوافع الحراك المجتمعي في بداياته؟

·        هل تسبَّبت الأزمة السورية بإحداث منعطفٍ في مسار العمل التطوعي والأهلي في سوريا وفي مجالاته، وأولوياته وآليات عمله، ودوافع المشاركين به ومعوقات عملهم؟

·        هل ثمَّة علاقةٌ بين تفعيل القطاع الأهلي، وتقليص اللجوء للحلول العنفية في النزاع الدائر؟

 

1.4.       فرضيات البحث   

إنَّ الفرضيات المقدمة للأسئلة التي يطرحها البحث، تأتي من واقع العمل التطوعي والجمعياتي، بعد تطبيق المنهج المناسب والرجوع لإجراءاته المناسبة في جمع البيانات، وينتظر من مجريات البحث وأدلته أن تؤكِّد تلك الفرضيات أو تدحضها، وتأتي فروض هذا البحث على الشكل التالي:

·        الفرض الأول:  يميل البحث لترجيح أنَّ قانون الجمعيات النافذ حالياً ليس ملبياً ولا مواكباً لمتطلبات عمل الجمعيات وليس مشجعاً لها في مبادراتها.

·        الفرض الثاني: يرجِّح البحث أنَّ الجمعيات في سوريا تتركَّز في المدن وخاصَّةً في العاصمة دمشق، بينما تعاني المناطق الريفية نقصاً في المبادرات وفي التوجه نحوها تنفيذيا، كما يرجِّح البحث أنَّ المجال الاجتماعي قد يكون هو صاحب الحصة الأكبر من اهتمام الجمعيات ومبادراتها قبل الأزمة السورية.

·        الفرض الثالث: يرجِّح البحث إلى حدٍّ كبير وجود علاقة بين كبت وقصور فاعلية المجتمع الأهلي في الواقع السوري قبل الأزمة، وبين دوافع الحراك المجتمعي في بداياته.

·        الفرض الرابع: قد تكون الأزمة السورية قد أثَّرت إلى حدٍّ كبير على تغيير أولويات العمل التطوعي نتيجة الظرف الراهن، كذلك يميل لأنَّ آليات العمل التطوعي قد تعرَّضت لتأثيرٍ كبير وصارت أكثر ارتجالاً وسرعة نتيجة الطابع الإغاثي للخدمات التطوعية أثناء الأزمة، كذلك فإنَّ دوافع العمل التطوعي ومعوقاته تعرَّضت بسبب الأزمة لتأثيراتٍ يميل البحث لاعتبارها جذرية بسبب الأزمة.

·        الفرض الخامس: يرجِّح البحث بنسبةٍ كبيرة كون تفعيل القطاع التطوعي وجمعيات المجتمع الأهلي، عاملاً مهماً في تطوير الحوار المجتمعي وآلياته، والمساعدة في تعافي النسيج الاجتماعي للمجتمع السوري في مواجهة ما قد تخلِّفه الأزمة من أحقادٍ وتعصبات.

 

1.5.       أهداف البحث      

يهدف البحث من خلال استعراض مفهوم العمل التطوعي بشكلٍ عام، وسبر تفاصيل واقعه في سوريا وسبل تطويرها، إلى تحقيق النقاط التالية:

·        نشر ثقافة العمل التطوعي، والتعريف بمفهومه والتشجيع على طرحه في الدِّراسات والبحوث.

·        تكوين أرضية نظرية تفصيلية ودقيقة لمفهوم العمل التطوعي وأنواعه ووسائله وآلياته ومجالاته وعناصره وأهميته.

·        حصر الدوافع التي توجه الناس باتجاه العمل التطوعي، والعمل على فهمها واستخدامها في استقطاب المتطوعين والتوجه إليهم.

·        فهم المعوقات التي تقف بين أفراد المجتمع وبين انخراطهم في الأعمال التطوعية، وذلك في سبيل العمل على معالجتها بهدف توسيع قاعدة المشاركة في الأعمال التطوعية.

·        فهم واقع الظاهرة في سوريا، وتشريعاتها وآليات التطبيق والتنفيذ ومعوقات تطويرها.

·        فهم العلاقة بين الحراك المجتمعي الذي تعرَّضت له البلاد، وبين ما سبقه من غياب دور القطاع الأهلي.

·        توضيح العقبات التي يواجهها هذا القطاع، والسعي نحو تشجيعه من قبل الدولة والقطاع الخاص.

·        التركيز على أهمية دور الدولة في نشر هذه الثقافة في المناهج، ودور الإعلام في التعريف بها، ودور القطاع الخاص في دعمها تمويلياً وتأهيلياً.

·        طرح آليات هيكلية وتنظيمية، وتقديم مقترحات تطوير هذا المجال ونشر ثقافته و آليات الجذب والاستقطاب والتشبيك.

·        التأكيد على الحاجة لتفعيل القطاع الأهلي والجمعيات الأهلية والعمل المدني، وعلى دور هذه المجالات في فتح قنوات الحوار المجتمعي وترسيخ قيم المواطنة والتقليل من اللجوء للحلول العنفية في أوقات النزاعات.

 

1.6.       منهج البحث وإجراءاته

استكمل البحث مراحله متَّبعاً في منهجه المنهج الوصفي في دراسة الحالة، واعتمد في إجراءاته على الملاحظة والتجارب الواقعية في المجال التطوعي، وعلى الرجوع إلى دراساتٍ تخصُّ المجال وتطبيقاته. كما اعتمد البحث فيما يخص الواقع السوري على الرجوع لقواعد بيانات من مراكز متخصصة لديها جداول إحصائية وأشكال بيانية تخصُّ واقع المجال في سوريا.

 

1.7.       الدِّراسات السابقة ومراجعة الأدبيات

تُعدُّ الدِّراسات العربية التي تتطرَّق لمفهوم العمل التطوعي بشكلٍ تفصيليٍّ ومختصٍّ قليلة، نظراً لجِدَّة التعاطي مع هذا المفهوم بشكلٍ مؤسَّساتي في المنطقة العربية، ويعود ذلك للتعامل مع مفهوم التطوع من ناحيةٍ دينيةٍ أو كقيمةٍ اجتماعية أكثر من كونه قطاعاً مستقلاً بحاجة لتفعيل وتطوير، ما يجعل الدراسات أو أوراق العمل في معظمها ذات طابعٍ دينيٍّ إسلاميٍّ غالباً وذات توجُّهٍ خيري اجتماعي.

ولكن مع تنامي الاهتمام عالمياً بهذ القطاع، عُقدت العديد من المؤتمرات وورشات العمل عربياً، وتناولت مفهوم العمل التطوعي، كما برز الاهتمام أكاديمياً من خلال توجُّه طلبة الدِّراسات العليا نحو تقديم رسائل ضمن موضوع العمل التطوعي كمتطلَّبات نيل درجات الماجستير والدكتوراه.

وفي هذا السياق نذكر بعض الدِّراسات والأبحاث التي تناولت مفهوم العمل التطوعي سواء نظرياً أو ميدانياً.

1 - بحث بعنوان: "عزوف الشباب عن العمل التطوعي في الجهات الخيرية بمنطقة الباحة من وجهة نظر القائمين عليها"، متطلب لمادة البحث التربوي إعداد: فايق سعيد علي الضرمان، 2007. وهدفت الدِّراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية: هل توجد علاقة مابين انخراط الشباب في العمل التطوعي وكل من العوامل التالية : الجنس- العمر- المؤهل العلمي- استقطابهم من قبل الجهات الخيرية. وأوصى الباحث بمجموعة من التوصيات أهمُّها: الدعوة لنشر ثقافة العمل التطوعي، زيادة البرامج التي تعرف الشاب بالمنشآت الخيرية، وتعرف المرأة بضرورة مشاركتها، كما دعى لإشراك الشباب في مجالس الإدارة للجهات الخيرية وإعطاء الشباب الفرصة في تقديم البرامج والتخطيط للمشاريع وإشراكهم في اتخاذ القرارات ودعوتهم للاجتماعات الدورية، وإعطائهم أقساماً يشرفون عليها، وتشجيعهم والاهتمام بهم وتقديم كلِّ المعونات، وتقديم شهادات الشكر والعبارات المعنوية للشباب لضمان عدم عزوفهم عن العمل التطوعي، وتقديم التدريب الإداري في الجهات الخيرية بالمنطقة للقائمين على العمل التطوعي بشكلٍ عام، وللشباب الجدد الذين ينخرطون في الجهات الخيرية، وتسهيل الإجراءات الرسمية أمام الكوادر الشبابية لتنفيذ البرامج وعدم اصطدامهم بالأنظمة واللوائح التنظيمية.

2 - دراسة ميدانية بعنوان: "مدى إدراك طالبات الدِّراسات العليا بجامعة أم القرى لمجالات العمل التطوعي للمرأة في المجتمع السعودي". بحث مكمِّل لنيل درجة الماجستير في الأصول الإسلامية للتربية ، إعداد الطالبة: سمر بنت محمد بن غرم الله المالكي، 2011. ومن أهمِّ ما هدفت إليه الدراسة: معرفة اتجاهات عینة الدّراسة ومدى ممارستهم للعمل التطوعي، وإیضاح أهمِّ المجالات المتاحة أمام المرأة في المجتمع السعودي، والوقوف على أهم الدوافع والمعوقات في طريقها. ولقد أوصت الدِّراسة بالتالي:

·        إنشاء وحدة مسؤولة عن التخطیط والتصمیم والتنفیذ والتقویم للبرامج التطوعیة وخدمة المجتمع علاوة

·        على القیام بالتنسیق بین كلیات الجامعة والاتصال والتواصل مع المؤسَّسات المجتمعیة.

·        توجيه خطابات لأصحاب المؤهِّلات والخبرات المميزة ودعوتهم للمساهمة في التطوع.

·        تفعيل دور المرأة في ممارسة الأنشطة التطوعية المختلفة مع توفير التأهيل لهذه الممارسة والتركيز على الاهتمام بدعم المشروعات الإنتاجية المنزلية.

·        تنظيم الدورات التدريبية للمتطوِّعات أو الراغبات في التطوع لدى الجهات القائمة حالياً وفي عمادات خدمة المجتمع في الجامعات قبل تكليفهنَّ في الخدمات التطوعية.

3- دراسة ميدانيّة بعنوان: "الشباب الجامعي والمشاركة في الأعمال التطوعية"، دراسة ميدانية لعيِّنة من الشباب الجامعي في كلية الآداب في قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق، إعداد: د. هناء محمد برقاوي. وقد هدفت الدراسة إلى: تحديد مفهوم العمل التطوعي من وجهة نظر العينة، وتحديد الأسباب التي تدفعهم للمشاركة، والوصول لنتائج عملية تفيد في زيادة مساهمة الشباب الجامعي في العمل التطوعي. ولقد أوصت الدراسة بنشر ثقافة العمل التطوعي في المجتمع من خلال المناهج والإعلام والجامعة، وأوصت بتفعيل دور الشباب وزيادة مشاركتهم وتشجيعهم على تقديم أعمال تطوعية تفيد المجتمع.

 

1.8.       أهميّة البحث والقيمة المضافة

تأتي أهمية البحث الحالي، من كونه يرصد واقع ثقافة العمل التطوعي في سوريا، في مرحلة تشهد تحولات جذرية بين فترتين من تاريخ البلاد، فترة ما قبل الأزمة والفترة الحالية أثناء الأزمة.

إذ يخرج البحث من نطاق التطبيقات الميدانية القريبة جداً والمركَّزة، ويحاول تكوين رؤية شاملة وراصدة لواقع هذه الثقافة ودوافعها ومعوقاتها، والصعوبات التنظيمية التي تعترضها، والتحولات التي طرأت عليها في خِضم الظرف الحالي الذي تمرُّ به البلاد وما يفرضه من متغيرات.

إضافةً إلى كونها تتوسع في إطارها النظري لتشمل رصد دقيق لغوي وتاريخي واصطلاحي لمفهوم العمل التطوعي، ومن ثم تفاصيل هيكلياته وآلياته، ودوافعه ومعوقاته بشكل عام، لتكون تلك الأرضية النظرية قاعدة انطلاق تساعد المبادرات التطوعية في أعمالها.

بحيث يكتسب هذا البحث أهميته من سعيه إلى تحقيق أهدافه في أن يقدم أثراً ملموساً في واقع العمل التطوعي والأهلي، باعتباره يوفر الرؤية الأشمل لواقع القطاع والجذور الفردية والمجتمعية والتنظيميّة الكامنة وراء تقدمه أو تدهوره.

 

2.   الفصل الثاني: الإطار النظري لثقافة العمل التطوعي الإنساني

 

يشكل الإطار النظري الأساس والأرضية الراسخة في أيِّ بحث أو دراسة، إذ نتمكن من خلاله من الانطلاق باتجاه تحديد دقيق وواضح ومنظم لمعنى الموضوع قيد الدراسة، وبالتالي يجب أن يكون جامعاً مانعاً قدر الإمكان ليساهم في تكوين خلفية نظرية متينة عن جوانب المفهوم ونواحيه كافة.

وبالتالي سيتم تناول مفهوم العمل التطوعي وفقاً لمنظورين رئيسين:

·        المنظور التعريفي: يستعرض مفهوم العمل التّطوعي انطلاقاً من جذوره اللغوية، ثم استعراض الجذور التاريخية، فالجذور الاصطلاحية لمعناه العام ضمن حقل المعرفة والثقافة، وصولاً لصياغة تعريفه العام استناداً لكل ما سبق، وتعريفه المعاصر بوصفه قطاعاً ثالثاً.

·        المنظور الهيكلي: يبين كيان العمل التطوعي وهيكليته التي تمنحه وجوداً ملموساً، وذلك من خلال استعراض أنواع العمل التطوعي ووسائله، ومجالاته، وعناصره، والدوافع والمعوقات، وأهميته.

 

2.1.       المنظور التعريفي للعمل التطوعي

وجد مفهوم العمل التطوعي عند كل المجتمعات البشرية، وينتشر الآن انتشاراً واسعاً في المجتمعات الحاضرة، ويختلف تعريفه باختلاف المجتمعات ودرجة تقدُّمها وحضارتها ومفاهيمها ودرجة انتشاره في تلك المجتمعات ومستوى تطوره ووسائله وطرق تنظيمه، وللوقوف على تعريف شامل لدلالة مصطلح ما يتوجب العودة لدراسة جذوره اللغوية والاصطلاحية.

 

2.1.1.        الجذور اللغوية

يتألّف العمل التّطوعي في اللغة العربية من كلمتين هما  العمل والتطوع، ولمعرفة الجذر اللغوي الذي أتى منه مفهوم العمل التطوعي يتوجب الرجوع إلى معنى الكلمتين في قواميس اللغة العربية.

العمل: العمل في اللغة العربية كلمة مفردة جمعها أعمال، وهي مصدر للفعل عمِلَ: عمِلَ بـ/ عمِلَ على/ عمِلَ في /عمِلَ لـ ، يَعمَل عَمَلاً  فهو عامل، والمفعول معمول.

وهو جهد يقوم به المرء بنفسه  إذ وردت في"المحيط في اللغة": ((اعْتَمَلَ أي عَمِلَ لِنَفْسِه خاصَّةً وبنفسه، أو يُكَلَّف به من سواه))، وقد ورد في "الصحاح في اللغة" بأنَّ: ((أعْمَلَهُ غيره واسْتَعْمَلَهُ: أي طلب إليه العمل))، كما يشتمل العمل على وسائل الفكر والجهد والقول ففي "لسان العرب": ((أَعْمَلَ فلان ذِهْنَه في كذا وكذا إذا دَبَّره بفهمه وأَعْمَل رَأْيَه وآلَتَه ولِسانَه)).

وكلمة العمل تعني فعلاً موجهاً ومنظَّماً، وليس تلقائياً أو عبثياً، إذ تعرف الكلمة في "تاج العروس" بأنَّها المِهنة والفِعلُ، ويحدِّد أئمةِ اللغَة والأصولِ أنَّ العمَلَ أخَصُّ من الفِعلِ؛ لأنَّ العمل فِعلٌ بنَوعِ مشَقَّة وفي الفرق بين الفعل والعمل ورد في "معجم الفروق اللغوية" ما يؤكِّد على أنَّ العمل ذو بعد قصدي و إرادي إذ ورد أنَّ: ((الفعل لفظٌ عام يقال لما كان بإجادة وبدونها، ولما كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد. وأمَّا العمل فإنَّه لا يقال إلا لما كان بقصد وعلم)). إذ يميز العمل بأنَّه فعلٌ مرتبط بقصدية مسبقة كما ورد في "المعجم الوسيط": ((عمل أي فعل فعلاً عن قصد، وعمل فلان على الصدقة: أي سعى في جمعها)).

ومع مرور الزمن وتطوُّر المجالات الانسانية وازدياد تفرُّعها وتخصُّصها، تطورت اللغة والمصطلحات، موائمة المجالات الحديثة ومحتوية الأساس التاريخي للمفاهيم، فورد معنى التطوع في "معجم اللغة العربية المعاصرة" ضمن تعاريفٍ اختصاصية، نذكر منها: ((العمل: مهنة، شغل، وظيفة، وعمِل الشيء طوعاً: عمله برضاه غير مُكْرهٍ عليه، وفي الاقتصاد: هو مجهود يبذله الإنسان لتحصيل منفعة، وعمل جماعي: أي مجهود تعاوني لأفراد مجموعة أو فريق لتحقيق هدف مشترك، وعمل اجتماعي: عمل منظم يهدف إلى تقدُّم وتطوُّر الظروف الاجتماعية لمجتمع ما وخاصة المجتمع المحروم وذلك بتقديم استشارة نفسية وتوجيه ومساعدة على شكل خدمات اجتماعية، وعمل: أي مارس نشاطًا وقام بجهد للوصول إلى نتيجة نافعة، يعمل عن بُعد : يمارس العمل عن طريق حاسوب في بيته، يُعمل بالقانون : يطبق ويُنفذ)).

التطوُّع: وهي من الجذر طوع، والتطوع مصدر للفعل تطوع: تطوعَ بـ، يتطوع، تطوعًا، فهو مُتطوع، والمفعول مُتطوعٌ به، وحسب ورودها في "المعجم الوسيط": ((تطوع الشيْء أَو لَهُ أَو بِهِ أي حاول مزاولته، وتَطَوعَ تنفل: أَي قام بالعبادة طائعاً مختاراً دون أَن تكون فرضاً لله، ومنها صلاة التطوع وهي النافلة)).

ويتضمن التطوع في معناه أنَّه ناتج عن مبادرة و قبول كما في "المعجم الرائد": ((تطوع بالشيءأو له: فعله بملء إرادته))، كما يجب أن يكون العمل التطوعي نابعاً من إرادةٍ حرةٍ لا إجباراً ولا اضطراراً، إذ ورد في "لسان العرب": ((تطوع من الطوْعُ، والاسم الطواعةُ والطواعِيةُ، والطوع نَقِيضُ الكَرْهِ، وجاء فلان طائعاً غير مُكْرَهٍ والتطَوعُ ما تَبَرعَ به من ذات نفسه مما لايلزمه فرضه)).

كما يتضمن معنى التطوع أنَّ ما يبذل يقع في حدود الإمكانية، كما ذكر في"المعجم الغني": ((تَطَوع أي تَكَلفَ الطاعَةَ، تَطَوعَ صَاحِبَهُ: تَكَلفَ اسْتِطَاعَتَهُ والتطَوعُ بِالْمَالِ: التبَرعُ بِهِ، إِعْطَاؤُهُ عَن طَوَاعِيَةٍ وَاخْتِيَارٍ، التطَوعُ مِنْ أَجْلِ أَعْمَالٍ خَيْرِيةٍ: التجَندُ لأَدَائِهَا عَن طَوَاعِيَةٍ وَاختِيَارٍ)).

والتطوُّع لايقدَّم مقابل نظير مادي أو أجر كما ورد في تعريفه ضمن "معجم اللغة العربية المعاصرة": ((تطوَّع الشَّخصُ: تقدَّم لعمل ما مختارًا، قدَّم نفسه لإنجاز عمل أو مهمة بدون مكافأة أو أجر)).

 

2.1.2.        الجذور التاريخية

نشأ العمل التطوعي بنشأة الإنسان وبدوافع إنسانية بحتة، منذ أدرك إنسان العصور الأولى من التاريخ القديم حاجته للآخرين وللتعاون معهم في تحقيق حاجاته الأساسية مثل: ضرورة البقاء، وتحقيق الحماية من الأخطار والحيوانات المفترسة، وتحقيق الأمان من خلال الانتماء لجماعة، وتأمين الغذاء والماء والمسكن، ثم تعزَّزت وترسَّخت تلك المبادرات وتحوَّلت إلى أعمالٍ فردية جماعية يقدِّمها القادرون للفئات الأقل قدرة وإمكانية.

ومع تطور التجمعات الإنسانية البدائية وتحولها إلى قبائل وعشائر وأمم ومجتمعات، تنامى إحساس الفرد بموقعه ضمن الجماعة ونشأت الروابط الأسرية والاجتماعية وبالتالي المجتمعية، وتطوَّرت الروابط التي يؤمِّنها الانتماء لجماعة ويؤمِّنها الأفراد لهذه الجماعة، مما شكَّل تطوُّرها مبادئ العمل التطوعي والاجتماعي في الحضارات اللاحقة.

 ولتشكيل نظرة تاريخية مقتضبة على العمل التطوعي لا بدَّ من الوقوف على نشأته وتطوره في ظلِّ الظروف والمتغيرات التي تعرض لها، بدءاً من المجتمعات الانسانية الأولى وصولاً لاستعراضٍ سريعٍ لبداياته المنظمة وواقع نشاطه في الدول المعاصرة، ومن خلال الاطلاع على ما وصلنا من آثار تلك الحضارات سواءٌ بالنقوش أو الرسوم أو الفن أو الأدب، سنتمكن من رصد تمظهرات تلك العلاقات في مختلف المجتمعات والحضارات والتي تؤكِّد بمجملها على وجود العمل التطوعي، وذلك من خلال استعراضها في:

·        الحضارات القديمة: بدءاً من الفراعنة إلى الحضارتين اليونانية والرومانية ثمَّ في الصين وبلاد فارس والهند القديمة.

·        الديانات السماوية والتي سنستعرض منها اليهودية، المسيحية، والإسلامية.

·        المجتمعات الحديثة: من حيث تاريخ البدايات المنظمة في المجتمعات الحديثة ودور الأمم المتحدة في أواخر القرن العشرين في دعم ثقافة التطوع حول العالم.

 

الحضارات القديمة:

دلَّت المخطوطات الفرعونية على أن اعتقاد المصريين القدماء بالثواب والعقاب في الآخرة دفعهم إلى تسجيل أعمالهم الحسنة، والتبرؤ من أعمالهم السيئة. ومن خلال الصور والرسوم على جدران معابد الفراعنة وقدماء المصريين وقبورهم نجد أنَّ التبرُّع والعطاء كان متمثِّلاً في مساعدة الفقراء خاصَّةً في حفلات الأسر الملكية، إذ يقدم المواطن والناس العاديون تبرعاتهم للمحتاجين، وتتلقَّى المعابد المساعدات والتبرعات من محاصيل الأرض، ومنتجات الماشية، لتوزيعها على الفقراء بمعرفة الكهنة (النعيم ، 2005م)

أمَّا في الحضارة اليونانية وعند الإغريق، يشير جوناثان شيتز دونكان، في دراسته التي قام بها عام 1815م، إلى أنَّ الدولة اليونانية القديمة، وفي فترة ما قبل الميلاد، كانت تتسم بالطبقية الشديدة، وفي ظلِّ هذه الطبقية اعتاد الأغنياء أن يتصدَّقوا من أموالهم على الفقراء.

وقد كانت ممارسة العمل الخيري في القرن الخامس قبل الميلاد تعني التعبير عن الحب من قبل المقدسات اليونانية للجنس البشري، وكانت الأعمال الخيرية في الدولة اليونانية يتمُّ توجيهها نحو المجتمع بشكلٍ عام، وماكان يحصل عليه الفقراء فقد كان يأتي من المؤسسات المجتمعية الخيرية، مثل قاعات الألعاب الرياضية والحمامات العامة. أمَّا اهتمام الأغنياء فقد كان موجَّهاً لرعاية أبناء السبيل وتوفير الطعام والمأوى للغرباء، وتقديم المساعدات للمحتاجين. والغالب على هذه الحضارة قيام خزانة الدولة نفسها بالرعاية الاجتماعية لشعبها. ويُذكر أنَّه عندما مات أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد، ورَّث ثروته الخاصَّة للأكاديمية التي أسسها حتى تكون قادرة على الازدهار دون أيِّ معوقاتٍ مالية، ودون أن تكون عرضةً لضغوطٍ خارجية.

أما عند الرومان فقد كان التطوع يتمثَّل بما يقدمه النبلاء أو طبقة الأشراف، من خلال توزيع القمح على العامة والفقراء عندما يشتدُّ القحط. إذ يلاحظ أنَّه في العصور المتأخرة من الدولة الرومانية ظهر اهتمام واضح بالفقراء، وتمَّ وضع نظام ثابت لجمع وتوزيع المساعدات.

وقد كان معروفاً عن أباطرة الرومان عطاءهم من أموالهم الخاصة لتعليم الصغار وإطعام الجياع، فالأثرياء المتمثِّلون في طبقة الحكام والتجار الكبار كان ينتظر منهم الناس الكرم في العطاء.

كما تتضمن المخطوطات الصينية القديمة نداءات تقديم المساعدة والعون للعجزة والمسنين والبؤساء والأرامل والأيتام وللأعمى والجاهل والمريض. أما الكونفوشيوسيون في القرن السادس قبل الميلاد، فقد كانوا يدعون لتقديم المساعدة انطلاقاً من العادة المتأصلة لديهم حب الخير للآخرين، وكان أباطرة الصين يسارعون في إظهار مدى شفقتهم ورحمتهم من خلال تقديم المساعدة المباشرة للمحتاجين.

أمَّا في بلاد فارس فقد وجد أمثلة كثيرة على تقديم المساعدة للمجتمع، في فترة زرادشت في القرن الخامس قبل الميلاد. وكذلك الأمر في الهند القديمة، إذ كان العطاء للفقراء من بين الأفعال الستة المقدمة لمواليد الطبقة الأولى من الهندوسية، كما تدلُّ الآثار في تلك الفترة أنَّ من يطلب الغذاء عندما يحتاج لا يوصم بالعار، لكن أخذ الهبة عند عدم الحاجة إليها يعتبر وصمة في جبين المرء في حياته وبعد مماته.

 

الديانات السماوية:

سواء من خلال المعتقدات الدينية القديمة أو من خلال الديانات السماوية، فإنَّ العمل التطوعي كان حاضراً على شكل دعوة إنسانية جوهرها الإحسان والمودة والتعاون، إذ وردت أمثلة في الكتب المقدسة، كثيرة وغير قابلة للحصر في سياق هذا البحث وكلُّها ساهمت في تعزيز هذه المبادئ ومنحها شكلاً اجتماعيا منظماً ومتطوراً، ونذكر من تلك الأمثلة ما جاء في الديانة اليهودية من دعوات للرعاية الاجتماعية وردت في نصوص العهد القديم وفي الوصايا العشر التي نزلت على النبي موسى، مثل:

·        طوبى للذي ينظر للمساكين، في يوم الشرِ ينجيه الرب.

·        افتح يدك لأخيك المسكين، والفقير أرضِهِ.

·        من يرحم الفقير، يقرض الرب وعن معروفه يجازيه.

أمَّا المسيحية فتعتبر ديناً فائضاً بتعاليم المحبة والإحسان، وقد دعت لرعاية الأيتام والأرامل، وإنشاء بيوت المحبة، وكان ذلك يتمُّ بشكلٍ فردي أو عن طريق الكنيسة وما تتكفَّل به من مشروعات خيرية، وفي نصوص العهد الجديد الإنجيل كثير من الأمثلة، مثل:

·        بالصدقة يقبل الصوم، ومعها تقبل الصلاة.

·        الله سبحانه وتعالى يكافئ من يشبع الفقير.

·        من سألك أعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.

أمَّا الدين الإسلامي، فقد جاء استمرارية لما كانت عليه أخلاق العرب قبل الإسلام، مؤكِّداً على الأصيل والإنساني منها، وضابطاً لسواها في كثير من المواضع، وفي ذلك قول النبي محمد في حديث شريف: ((إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). ويسري هذا الحديث على مفهوم التطوع، إذ لم تكن المبادرة الخيرية الاجتماعية التطوعية من التعاليم التي أتى بها الدين الإسلامي، بل كانت موجودة عند العرب منذ العصر الجاهلي، وقد تجلَّت هذه المبادرات من خلال إغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاجين ونصرة المظلوم، وكمثالٍ على ذلك "حلف الفضول" الذي عقده بعض عشائر قريش واتفقوا على ألَّا يجدوا بمكة مظلوماً من سائر الناس إلَّا نصروه حتى تُرَد عنه مظلمته، ويعدُّ هذا مظهراً حياً للعمل التطوعي الإنساني في ذلك العصر.

وقد عرف عن الدين الإسلامي أنَّه شريعة امتازت بالتنظيم المجتمعي، وحثَّت كسائر الديانات على التعاون والمحبة والعطاء، ولقد ذُكر التطوُّع كثيراً كنوع من أنواع العبادة والتقرُّب إلى الله، مثل صلاة النفل، والتطوُّع بالصوم، والتطوع بالهدي، والتطوُّع بحراسة المسلمين والتطوُّع بإطعام المسكين. كما أوجد الإسلام مفهوم الوقف وهو في جوهره مرتبطٌ بالبذل الطّوعي خدمة للمحتاجين. كما جاء مفهوم التطوُّع في سياقه الجهادي، وقد وردت في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو للتطوُّع وبالرغم من أنَّه لا سبيل لحصرها في سياق هذا البحث، لكنَّنا سنذكر منها:

·        قوله تعالى في سورة البقرة: ((ليْسَ الْبِر أَن تُوَلواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِن الْبِر مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنبِيينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السبِيلِ وَالسآئِلِينَ وَفِي الرقَاب)).

·        وقوله في السورة ذاتها: ((من ذَا الذي يقرض الله قَرضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون)).

·        وقوله في سورة المائدة: ((وتعاونوا على البر والتقوى، ولاتعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إنَّ الله شديد العقاب)).

·        وقوله في سورة الذاريات: ((وفي أموالهم حَقٌ مَعلُوم للسَائل والمَحرُوٌم)).

·        وقوله في سورة الحديد: ((مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)).

·        وفي سورة التغابن: ((فَاتقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُح نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، إِن تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)).

أما ما ورد في الحديث الشريف من أمثلة، فكثيرة مواضعها أيضاً، نذكر منها:

·        ((خير الناس أنفعهم للناس))، و((ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به)).

·        وقول الرسول: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)) وأشار بيده مقارباً بين الإصبع والسبابة.

·        ((الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار)).

·        ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)).

·        ((من مشى في حاجة أخيه كان خيراً  له من اعتكاف عشر سنوات)).

·        ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).

واستمرت الحضارة الإسلامية في دعم هذا المفهوم في عصور ازدهارها من خلال الصحابة والخلفاء في فترة الأمويين والعباسيين، وفي التاريخ أمثلةٌ كثيرة في سير الخلفاء والدعاة والمفكرين الإسلامين تشهد بالبذل والعطاء.

ومن خلال تلك الجذور المترسخة في الذاكرة الجمعية الإنسانية، والقائمة على المبادرة والمساعدة والعطاء، والموطدة لاحقاً من خلال المعتقدات الدينية والشرائع السماوية، بدأ العمل التطوعي يزداد انتشاراً وتطورت مفاهيمه، بينما بقي منشأه الرئيسي في كونه مبادرات إنسانية تقدم من خلال تقديم عطاء ومنح عون أو مساعدات مادية تقدم من قبل الميسورين للمحتاجين بحيث تساهم في خدمة الصالح العام عن طريق حلِّ مشكلة أو التخفيف من حدَّة أزمة ما، ضمن حدود الإمكانية والاستطاعة.

 

في المجتمعات الحديثة:

ومع تطور المجتمعات الحديثة، وتطور مناحي الحياة وتعقد مشاكلها، ومع ظهور التقنيات المتقدمة والحروب، ومانجم عنها من مخلفات وكوارث على المجتمعات الإنسانية، بات لمفهوم العمل التطوعي انتشاراً أوسع من مجرد كونه مبادرة فردية، أو مبادرة جماعية تمارس من خلال مؤسَّسات دينية أو اجتماعية وبالتالي ظهرت أعباء ومسؤوليات تنظيمية باتت تقتضي ممارسة العمل التطوعي من خلال منظمات وهيئات وجمعيات ومؤسَّسات تمنح العمل التطوعي بعداً مجتمعياً ومؤسَّسياً منظماً وتتطلب تشريعات وقوانين ناظمة وتراخيص رسمية.

عالمياً  تعد بریطانیا أول من أسَّس فرقاً من المتطوعین، وذلك لمواجهة حریق لندن الذي عرف بـ "الحریق العظیم" في أيلول/سبتمبر عام 1666م، كما أنَّها استفادت من المتطوعین إبان الحربین العالمیتین للاستعانة بهم في إبلاغ المواطنین عن الغارات الجویة لحمایتهم من أخطارها. في حين تعد الولایات المتحدة الأمریكية أول من قام بتنظيم العمل التطوعي في العالم حیث أصدرت في كانون الأول/دیسمبر عام 1737م قانوناً ینظم العمل التطوعي في مجال إطفاء الحریق بمدینة نیویورك.

عربياً فقد تعرَّضت المنطقة على مرِّ السنين لسيطرة قوى ونخب خارجية كان أبرزها الإمبراطورية العثمانية وذلك في أوج قوتها أي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث سيطرت على معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية في العام 1922م، خضعت الدول العربية كافة باستثناء السعودية وشمال اليمن لسيطرة أوروبا التي كانت تسعى إلى التوسُّع. وفي الخمسينيات والستينيات حصلت معظم الدول العربية على استقلالها لكن سرعان ماعادت وخضعت لسيطرة ديكتاتوريات عسكرية (رشماوي وموريس 2007م).

وبسبب القواسم المشتركة بين البلدان العربية على الرغم من اختلافاتها المحلية إلَّا أنَّ العمل التطوعي كان دائماً ذا حضور، وساعد في ذلك كونه متجذراً كثقافة اجتماعية في طبيعة المجتمعات العربية التي تعد عشائرية وقبلية بأصولها، كما أنَّ الروح العامة للمجتمعات دينياً هي روح الدين الإسلامي الذي حثَّ على التطوُّع.

ونظراً لما اتَّصف به الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في البلاد العربية من خصائص مثل كون النظم السياسية آتية بعد تاريخ مشترك من الاحتلال سواءً العثماني أو البريطاني أو الفرنسي، وكون القوانين المتبعة هي بقايا عهود الاحتلال، والنظم السياسية بمجملها تتبع قوانين طوارئ وتفرض قيود على حريات الرأي والتعبير، كما أنَّ النمو السكاني السريع وارتفاع نسب البطالة والأمية وعمالة الأطفال والتمييز بين الرجل والمرأة والمشاكل الأسرية ونسب الهجرة المرتفعة وخاصة هجرة الكفاءات، كل ذلك ساهم في احتقان المجتمعات وارتفاع مطالبها بالمشاركة والتأثير في المجتمع. وقد انعكس ما سبق على تحوُّل مفهوم ثقافة العمل التطوعي والعمل الأهلي والمدني من ثقافة مكملة هامشية إلى ضرورة حتمية وملحة. إذ بدأ الاتجاه للعمل التطوعي بالتشكُّل من منظور جديد هو منظور الحراك المدني خاصة مع استمرار الواقع السياسي في الدول العربية، وذلك باعتبار المشاركة الأهلية والمدنية مظهراً من مظاهر المجتمعات المدنية خاصة.

وقد لاحظ التقرير السنوي العاشر لـ "الشبكة العربية للمنظمات الأهلية العربية" بأنَّ المنظمات الأهلية العربية تشكِّل قوة اقتصادية كبرى من منظور حجم إنفاقها على مشروعاتها، وأنَّ القطاع الخيري الأهلي يعتبر قطاعاً ثالثأً إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص، وأنَّ ثمَّة ميل عند العرب والمسلمين إلى عمل الخير ومساعدة الآخرين. إذ إنَّ معدل 18% من الفقراء يسعون إلى مساعدة الفئات الأكثر احتياجاً والأقل فقراً، إلَّا أنَّ هذه القيم والمبادئ لا تترجم على أرض الواقع بشكل منظم، بسبب ارتباطه بمفهوم العمل الخيري بدل ارتباطه بمفهوم العمل التنموي (صيداوي، 2012).

وتذكر الدراسات أنَّ ثمَّة نشاط تطوعي وإن كان متخبطاً بين الارتجال أو العمل المؤسَّساتي أو متفاوتاً بين بلدٍ وآخر، ويصعب تحديد إحصاءات دقيقة لعدد الجمعيات والمؤسَّسات الأهلية الفاعلة كون العديد من الحكومات لا تكشف عن أية بيانات حول المنظمات المسجلة، كما أنَّ بعض الجمعيات خاصة تلك التي تعمل على نطاق محلي تبقى غير مسجلة في الدوائر الرسمية أو غير مسجلة بالشكل الصحيح كما تعمل بعضها حتى بعد رفض تسجيلها، وتشير الدراسات أنَّ هناك ما يزيد على 36620 من الجمعيات الأهلية في ثماني دول عربية نشطة في تقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية.

وقد شاركت الأمم المتحدة بفعالية في تطوير وتشجيع برامج التطوع، ونشر هذه الثقافة و تفعيلها حول العالم بشكلٍ ملموس منذ أواخر القرن العشرين. حيث طرح "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" أواخر العام 1967م "برنامج متطوعي الأمم المتحدة". وفي كانون الأول/ديسمبر 1968م تبنَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 2460 الذي دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى دراسة إمكانية إنشاء هيئة دولية للمتطوعين. وفي كانون الثاني/يناير من العام 1971م، أقرَّ تشكيل "برنامج الأمم المتحدة للمتطوِّعين" الهادف لتحقيق السلام والتنمية من خلال العمل التطوعي في جميع أنحاء العالم بقرار رقم 2659  كما أقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا القرار المبادئ التوجيهية لبرنامج متطوعي الأمم المتحدة. حيث شارك ما يزيد على 30000  متطوِّع من 168 دولة بجهودهم وخبراتهم في مجالات الإغاثة والسلام، وتطوير بعض البرامج التنموية في أكثر من 144 دولة من دول العالم، ويسعى البرنامج لإدماج العمل التطوعي في البرمجة الإنمائية وتعبئة أعداد متزايدة من المتطوعين.

كما أطلقت الأمم المتحدة عام 1985م "يوم التطوع العالمي" أو "اليوم الدولي للمتطوعين- IVD"، ليكون احتفالية عالمية في الخامس من كانون الأول/ديسمبر من كل عام، إذ يحتفى بهذا اليوم في غالبية بلدان العالم، وينظَّم هذا الحدث من قبل من المنظمات غير الحكومية من بينها الصليب الأحمر والكشَّافة وغيرها. كما يحظى البرنامج بمساندة ودعم من متطوعي الأمم المتحدة باعتباره برنامج عالمي للسلام والتنمية ترعاه المنظمة الدولية، ويعتبر الهدف من هذا النشاط هو شكر المتطوعين على مجهوداتهم وتحفيزهم إضافةً إلى زيادة الوعي بثقافة التطوُّع ودورها والمساهمة في نشرها.

ودعت الأمم المتحدة ليكون العام 2001م عاماً دولياً لتنشيط وتفعيل العمل التطوعي وتكثيف الندوات والمؤتمرات وورش العمل للدعوة إلى استقطاب المتطوعين ووضع البرامج التي تساهم في تنشيط هذا العمل التطوعي. ونظراً لأهمية هذا التوجه الدولي تمَّ طرح العمل التطوعي كبندٍ رئيسيٍّ على جدول أعمال المؤتمر الدولي السابع والعشرين للهلال الأحمر والصليب الأحمر الذي عقد في جنيف عام 1999م  وطُلِبَ من ممثلي الحكومات والجمعيات الوطنية التعهد والالتزام بذلك. وقد حدَّدت الأمم المتحدة أهدافاً محدَّدة للسنة العالمیة للتطوُّع تتلخّص في التأكيد على اعتراف الحكومات والسلطات المحلية بالعمل التطوعي، ودمجه بالقطاع التنموي. كما طالبت بتيسير الخدمة التطوعية والتنسيق بين السياسات العامة للدولة وخطط المنظمات التطوعية، والتنسيق مع القطاع الخاص لضمان التمويل المستمر للقطاع التطوعي، وأكَّدت على أهمية توثيق الصلة بين المنظمات، وعلى دور الإعلام، وأهمية تكريم المتطوعين وجهودهم.

 

2.1.3.       الجذور الاصطلاحية

ينتشر المفهوم الشائع للعمل التطوعي على أنَّه مشاركة إنسانية اجتماعية ترتبط بمعاني الخير والبذل والعطاء والعمل الصالح، وتنطلق من دوافع إنسانية أو دينية أو اجتماعية أو أخلاقية. وقد حاولت التعاريف التي وُضِعَتْ للعمل التطوعي أن تعتمد في تحديدها على التوصيف الأساسي للعمل التطوعي باعتباره ما يُقَدَّمُ من وقت أو جهد أو مال، ويقوم بصفةٍ أساسيةٍ على الرغبة والدافع، سواء كان هذا الدافع شعورياً أو لاشعورياً، بحيث يقدِّمه فرد أو جماعة أو تنظيم، بشكلٍ طوعي دون إلزام، ودون توقع عائد مادي. وفي حال وُجِدَ العائد المادي فإنَّه لا يوازي بكمه ونوعه الجهد المقدم، بل يكون تقديمه بصفةٍ تكريميةٍ وتحفيزيةٍ فقط. وقد أجمعت التعاريف أنَّ هدف العمل التطوعي هو تقديم خدمة للمجتمع أو لفئة منه، والمشاركة في تحمُّل المسؤوليات وتحقيق الخطط  والطموحات التي يسعى إليها المجتمع ومؤسَّساته.

وقد وردت عدَّة تعاريف وضعها الباحثون في أوراق العمل والندوات والمؤتمرات الخاصة، والتي عقدت في إطار التعريف بالعمل التطوعي كمفهوم والحثِّ على انتشاره وتوضيح آلياته ووسائل تطويره، إذ عرَّفه الباحثون بأنَّه:

·        عمل مبذول خارج نطاق سوق العمل، أي عمل يبذل لأسباب إنسانية دون مقابل مادي أو نقدي واجب السداد يمكن أن يطالب به قانوناً أو عرفاً.

·        عمل غير ربحي، لايقدم نظير أجر معلوم، وهو عمل غير وظيفي، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين، من جيرانهم أو المجتمعات البشرية بصفة مطلقة.

·        عمل يقوم به فرد أو منظمة أو مؤسَّسة رسمية أو غير رسمية بصورة منظمة من غير مقابل، أياً كان العمل وفي أيِّ زمان ومكان, سواءٌ كان بصفة مستمرة أو مؤقتة.

·        نشاط اجتماعي يقوم به الأفراد أو الممثلون عن الهيئات والمؤسسات والتجمعات الأهلية ذات النفع العام دون عائدٍ مادي مباشر للقائمين عليه، وذلك بهدف التقليل من حجم المشكلات والإسهام في حلِّها سواء كان ذلك بالمال أو بالجهد.

·        عملية إسهام المواطنين تطوعاً في أعمال التنمية، سواءٌ بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل أوغير ذلك.

·        إسهام الفرد أو الجماعة في إنجاز عمل خارج نطاق أعمالهم التي يتقاضون عنها أجراً وتعود بالخير والنفع على مجتمعهم وتشعرهم بالرضا، وذلك بكل رغبة وطواعية وتلقائية دون أن ينشدوا من وراء إنجازهم أي نوع من أنواع الربح أو المكافأة (عرفة، 2002م).

·        مظهر من مظاهر الخدمة الاجتماعية التي تمارس بشكل فردي أو جماعي لإشباع حاجات المجتمع والأفراد باتباع الأساليب العلمية والقواعد التنظيمية الموجودة في الجهات المستفيدة، وبدون أجر مادي وفي أوقات منتظمة إدراكاً من المتطوع بأنه واجب اجتماعي إنساني يؤكد على انتمائه للمجتمع.

كما وردت عدَّة تعاريف رسمية للعمل التطوعي في سياق قوانين أو تشريعات لدول أو لمنظمات عالمية أو دولية أو محلية. فقد جاء تعريف العمل التطوعي في مشروع قانون العمل التطوعي والإنساني لسنة 1999م، في السودان كالآتي: ((يقصد به أي نشاط  طوعي إنساني خيري غير حكومي أو شبه حكومي يقوم به كيان طوعي وطني أو كيان أجنبي مانح ومنفذ لبرامجه. ويكون النشاط ذا أغراض اجتماعية أو تنموية أو إغاثية أو رعائية أو خدمية أو علمية أو بحثية يتمُّ تسجيله وفقاً لأحكام هذا القانون)).

ووفقاً للقانون ذاته، يُستثنى من تفسير الكيان مايلي: أي شركة أو نقابة أو أي هيئة قانونية مسجلة بموجب قانون آخر. وهذا الاستثناء للكيانات الأخرى يقوم على التسجيل بقوانين أخرى حتى لو كانت تشترك مع الكيانات الطوعية، حسب تعريف القانون، في أنها تؤدي عملاً طوعياً إنسانياً خيرياً وغير حكومي.

كما عرفت الأمم المتحدة العمل التطوعي في "تقرير حالة التطوع حول العالم" عام 2011م بأنَّه : ((الرغبة في المساهمة من أجل الصالح العام بدافع من رغبة ذاتية وبروح من التضامن ودون توقع مكافأة مادية)).

أما "برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين" فقد عرفه بأنَّه: ((عمل غير ربحي، لا يُقَدَّم نظير أجر معلوم، وهو عملٌ غير وظيفي أو مهني، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين، من جيرانهم أو المجتمعات البشرية بصفة مطلقة. وهناك الكثير من الأشكال والممارسات التي ينضوي تحتها العمل التطوعي، من مشاركات تقليدية ذات منفعة متبادلة، إلى مساعدة الآخرين في أوقات الشدَّة وعند وقوع الكوارث الطبيعية والاجتماعية دون أن يطلب ذلك وإنَّما يمارس كردِّ فعلٍ طبيعي دون توقع نظير مادي لذلك العمل، بل النظير هو سعادة ورضا عند رفع المعاناة عن كاهل المصابين ولم شمل المنكوبين ودرء الجوع والأمراض عن الفقراء والمحتاجين. كما يشتمل تعريف التطوع من منظور الأمم المتحدة على رؤيته من جانب محلي وآخر قومي أو عالمي، تماشياً مع اختلاف دوافع روح التطوع حسب عوامل عدة)).

 

2.1.4.         تعريف العمل التطوعي

وانطلاقاً من الجذور اللغوية والاصطلاحية ومن خلال استعراض ومراجعة تعاريف متعددة المصادر للعمل التطوعي، وملاحظة النقاط المشتركة في تعريف المفهوم وتحديده والتي تضمَّنت بشكلٍ رئيسي الإرادة الطوعية والإمكانية وخدمة المجتمع، يمكننا تعريفه بأنَّه:

((مبادرة إنسانية اجتماعية، نابعة من إحساس بالمسؤولية وإرادة حرة قصدية وموجهة، تترجم من خلال تقديم استجابة فردية، أو جهد جماعي منظم يقع ضمن نطاق الإمكانية ويقدَّم بشكل مساعدات سواء بدنية أم فكرية، مادية أم معنوية، وذلك عن طريق تقديم ومشاركة خبرات ومهارات ضمن فريق أو مؤسَّسة أو منظمة مستقلة المبادئ والأهداف، على نطاق محلي أو دولي أو عالمي، دون توخي مردود وعائد مادي، بهدف تطوير المجتمعات الانسانية والتخفيف من أزماتها والنهوض بإمكانياتها)).

 

2.1.5.         التعريف المعاصر باعتباره قطاعاً ثالثاً

مع تنامي المجتمعات، وتطور مفاهيمها التقدمية والاجتماعية والتنموية، برز العمل التطوعي في بداية القرن الواحد والعشرين كمجال مؤسَّساتي منظَّم ومستقل على المستوى العالمي، وصار يتطلَّب خبرات وأساليب إدارة وتمويل، واستقطاب للمتطوعين، ودراسات مجتمعية معمقة تدرس المجتمعات المحلية التي تقدم بها خدمات كل مؤسَّسة أو منظمة أو جمعية، وتلقي الضوء على مشاكل كل من هذه المجتمعات وتحصر المسببات وتدرس الآليات الأنسب لتقديم الحلول، والإمكانيات المتوفرة والمتناسبة مع هذه الحلول المقترحة.

ومن هنا ظهر مفهوم القطاع غير الحكومي والقطاع غير الربحي، أو المتعارف عليهما بمصطلح القطاع الثالث، باعتباره يقع ما بين القطاعين غير الحكومي العام القطاع الاول والقطاع الخاص القطاع الثاني.

ويتميز القطاع الثالث بسرعة المبادرة، فهو أسرع في تحويل الأفكار إلى مشاريع، لأنَّ حسابات تعظيم الأرباح ليست هي العامل الأساسي الحاسم، كما هو الحال في مشاريع القطاع الخاص، وهذا يقلل اعتبارات المخاطرة، لأنَّ هامش الأرباح يسير وغير ضاغط على الإدارة. وهذه الخاصية نحتاج إليها الآن بشكلٍ ملحٍّ وضروري في مجالات الرعاية الاجتماعية والإنسانية (الفايز).

وقد عرف القطاع الثالث بأنَّه: ((قطاع مرن وغير ربحي، ويقدم برامج وأنشطة تخفف العبء عن كاهل الحكومات، فضلاً عن قدرته على التنسيق مع المؤسَّسات الأهلية والأجهزة الحكومية، لمضاعفة الاستفادة من الموارد المخصصة لتعزيز برامج التنمية الاجتماعية)). كما عرف بأنَّه: ((ذلك القطاع الذي يُعنى بالتنمية للأفراد والمجتمعات من دون النظر إلى أن يكون ذلك حصراً في إطار المواطنة أو سياسة الدولة كما هو الحال في القطاع الحكومي، أو في إطار النظر إلى مصالح المساهمين من خلال استخدام الفوائض المالية كما هو الحال في القطاع الخاص)).

وبناءً عليه يمكننا تعريف القطاع الثالث بأنَّه: ((قطاع مؤسَّسي منظَّم مستقل غير حكومي، ذو استراتيجيات تنموية، يقدم برامج وخدمات توجه للمجتمع دون منفعة مباشرة أو غايات ربحية تعود للقائمين عليه، ويشمل كل منظمة، أو مؤسسة، أو جمعية، أو هيئة تستثمر الموارد البشرية لتعطي عوائد بجودة أكبر و كلفة أقل، وتقدِّمها كخدمات للمجتمع المحلي أو العالمي. ويعد القطاع الثالث قطباً ثالثاً مكملاً لقطبي الهيكل التنموي في المجتمعات المتقدمة؛ القطاع الحكومي والقطاع الخاص)).

 

ملاحظة: يتبع في الجزء الثاني من البحث، حيث سيتم التطرق إلى المنظور الهيكلي للعمل التطوعي.

 

المصادر والمراجع

- ابن منظور، معجم لسان العرب.

- أبو العزم: عبد الغني، المعجم الغني.

- التويجري: صالح حمد، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر الدولي السابع :إدارة المؤسسات الأهلية والتطوعية في المجتمعات المعاصرة: تفعيل العمل التطوعي– جمعية الهلال الأحمر السعودي- الشارقة – دولة الإمارات العربية المتحدة – 2002م.

- الجوهري: اسماعيل بن حماد، معجم الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين.

- الضرمان: فايق سعيد علي، عزوف الشباب عن العمل التطوعي في الجهات الخيرية بمنطقة الباحة من وجهة نظر القائمين عليها، منشور في الانترنت،  2007م.

 -الطالقاني: أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس؛ المشهور بالصاحب بن عباد، المحيط في اللغة.                

- العسكري: أبي هلال، معجم الفروق اللغوية.

- الفايز: عبد الوهاب، بناء القطاع الثالث، الاقتصادية: موقع الكتروني.

- القحطاني: د.عبد المحسن عايض – الهاجري: نورة راشد، ورقة مقدمة لمؤتمر العمل الخيري الخليجي الرابع في البحرين بعنوان: اقتصاديات القطاع الثالث و واقع المجتمع :مقدمات ونموذج القطاع الثالث اليهودي في الولايات المتحدة،  جمعية التربية الإسلامية، مملكة البحرين.

- القصاص: د. مهدي محمد، مقال بعنوان: العطاء الخيري سمة اجتماعية لتاريخ البشرية – جامعة المنصورة.

- المالكي: سمر بنت محمد بن غرم الله، دراسة ميدانية: مدى إدراك طالبات الدراسات العليا بجامعة أم القرى لمجالات العمل التطوعي للمرأة في المجتمع السعودي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، 2011م.

- المرتضى: محمد ابن عبد الرازق، معجم تاج العروس.

- النعيم، عبد الله العلي، العمل الاجتماعي التطوعي مع التركيز على العمل التطوعي في المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض،  ٢٠٠٥ م.

- برقاوي: د.هناء محمد، الشباب الجامعي والمشاركة في الأعمال التطوعية: دراسة ميدانية لعينة من الشباب الجامعي في كلية الآداب قسم علم الاجتماع بدمشق.

- تقرير حالة التطوع حول العالم 2011م، برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين، منظمة الأمم المتحدة، منشور على الانترنت، 2011م.

- التلمساني: عبدالعزيز، نموذج جمعية مكة للتنمية في تعزيز الأمن: ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر العمل التطوعي والأمن في الوطن العربي، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2000م.

- حسين: إبراهيم، ورقة عمل: العمل التطوعي في منظور عالمي، المـؤتمر الثاني للتطـوع: المشاريع التنموية فى المؤسسات الأهلية الأولويات والتحديات، الشارقة ، 23-24/1/2001م.

- رشماري: ميرفت، موريس: تيم، نظرة شاملة عن المجتمع المدني في العالم العربي، Overview of Civil Society in the Arab World By Mervat Rishmawi with Tim Morris ، إنتراك -  - INTRAC2007م.

-  زين العابدين: أحمد الطيب، تعريف العمل التطوعي، صفحة الكترونية.

- صيداوي: رفيف رضا، التطوع بين العفوية والتنظيم، عن نشرة الكترونية تسمى "أفق" تصدر عن مؤسسة الفكر العربي للبحوث والدراسات -  العدد 248 –  19/9/ 2012م.

- عبد الباقي: د.صابر أحمد، دور الجمعيات الأهلية في نشر ثقافة التطوع، كلية الآداب، جامعة المنيا.

- عرفة: محمد، تقرير حول المؤتمر الدولي بعنوان: العمل التطوعي والأمن في الوطن العربي، مجلة التعاون، العدد ٥٣، 7/ 2002م.

- عمر: أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة.

- مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط ، الطبعة الثالثة، 1998م.

- مسعود: جبران، المعجم الرائد.

- موسى: عبد الحكيم موسى، دراسة استطلاعية لاتجاهات بعض أفراد المجتمع نحو مفهوم العمل التطوعي ومجالاته من وجهة نظرهم، أبحاث وأوراق عمل المؤتمر العلمي الأول للخدمات التطوعية بالمملكة العربية السعودية، المنعقد بجامعة أم القرى، مكة  المكرمة، 1998م .

-  www.wikipedia.org



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR