المثقف والمعارضة والشأن العام في سوريا - الجزء الثالث

دراسة بقلم محمد ديبو

العدد الرابع - صيف 2015 - الجمعة 26 / حزيران / يونيو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

بعد أن تعرَّفنا على العوامل الخارجة عن إرادة المثقَّف والتي تضغط وتعيق الإنتاج المعرفي السليم، سنتحدَّث عن الأسباب الداخلية الخاصة بالمثقَّف ذاته، أي تلك العوائق التي أنتجها المثقَّف من تلقاء ذاته، إمَّا لاعتقاده بأنَّها الصحيحة، أو لعدم قدرته على الخروج على شرنقة المحيط الذي خلقته الأسباب الخارجية فبات يدور في شرنقتها، باحثاً عن تبريراتٍ ما بدلاً من مواجهة الذات أو الاعتراف بما هو كائن، دون أن يكون ذلك مبرراً له. فإذا كان القمع حائلاً، كان بإمكان المثقَّف أن ينتج نصَّه بانتظار اختفاء تلك العوامل لنشره لاحقاً، عدا عن كون هذا المبرر لا ينطبق على مثقَّفين يعيشون خارج مجال هذه السلطات، الأمر الذي يجعل الأمر قادماً من ذهنية وآلية تفكير المثقَّف بنوع المعرفة وطريقة إنتاجها، وهو ما سيركِّز عليه هذا القسم، أي تفكيك آلية تفكير العقل الذي فكَّر به المثقَّف وأنتج معرفته التي لم تلامس ما كان يجب أن يلامسه.

ملاحظة من هيئة التحرير: هذا هو الجزء الثالث من دراسةٍ نقديةٍ للباحث محمد ديبو في مجلة دلتا نون، يسبر فيها واقع المثقف والمعارضة والشأن العام ظل ما تشهده سوريا. يمكن للقراء الأعزاء الاطلاع على الجزء الأول في العدد صفر، والجزء الثاني في العدد الثاني من دلتا نون.

 

الأسباب الخاصة

 

1- الفصل بين الثقافي والسياسي أو استقلالية المثقف

في سعيها لتفريغ المجتمع من السياسة بغية القدرة على إحكام الهيمنة الكلية، عمدت السلطات المستبدَّة إلى ترويج الكثير من المفاهيم لتحقيق هذا الأمر، منها أنَّ ثمة فصلٌ بين الثقافي والسياسي وأنَّ المثقَّف ينخرط في مجال اختصاصه بعيداً عن المجال العام، وأنَّه كلَّما كان المثقَّف أكثر انغلاقاً على أجواء معرفته أنقذ الثقافة من التلُّوث بالسياسة ومجالها. وقد برزت الكثير من المفاهيم في هذا السياق تتعلَّق باستقلالية الثقافة وضرورة الحفاظ عليها من تلوُّث السياسة، إلى درجة أنَّنا وصلنا إلى لحظة أصبح فيها الأمر -كلامُ حقٍّ يراد به باطل-، خاصةً حين ندرك أنَّ السلطة عبر وسائل توجيهها الخفية كانت تقف خلف الأمر، ففي أحد الاستدعاءات الأمنية للباحث إلى أحد فروع الأمن، قال المحقق: ((أنت مثقَّف ما لك بالسياسة؟ الثقافة مستقلة وما لها علاقة بالسياسة!)).

نفهم الأمر جيداً، حين ندرك أنَّ السلطة على مدى عقود كانت تقيم أو تسمح بإقامة العديد من المهرجانات والمؤتمرات والندوات الثقافية بعد سحب دسمها الثقافي. هذه المراقبة اللَّصيقة للحقل الثقافي المترافقة مع منع كل مثقف -لم يدخل لسانه إلى حلقه بعد- وإقصائه، أنتج فضاءاً ثقافياً وهمياً اسمه "استقلال السياسة عن الثقافة" بالمعنى السلبي للكلمة وقد تبناه العديد من المثقفين، بحسن نية أو بسوئها.

على الثقافة أن تكون مستقلَّة عن السياسة فعلاً، ولكن ليس بهذا المعنى الذي تريده السلطات، أي الابتعاد عن كلِّ ما هو سياسي إلى درجة التجاهل، بل من معنى ثقافي بحت، أي أن تنخرط في نقد البنى السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية من موقعٍ مستقل دون أن تتبع أو ترهن معرفتها لأي سلطة، سواء كانت سلطة سياسية -نظام أو معارضة- أم ثقافية أم اقتصادية أم اجتماعية. فالثقافة، حتى من موقع نقدها للسلطة، يجب أن تكون مستقلَّةً عن تبعيتها للمعارضة، بمعنى أن تكون ثقافتها ناتجةً عن بعدٍ معرفي يقول الحقيقة بغضِّ النظر عن توظيفها في جيب أحد. بهذا المعنى نعم يجب أن تكون الثقافة مستقلَّة وبعيدةً عن السياسة وكافة السلطات، لكي يتاح لها نقدها جذرياً وإنتاج معرفة تنقد كل النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي في العمق، أي تفكيك الآليات المنتجة لهذا النظام، بحثاً عن نظامٍ أرقى ذي علاقات أفضل لمستقبل البشرية.

ولكن المثقَّف انزاح عن استقلال الثقافة بهذا المعنى، لتكون استقالةً من الدور المنوط بها وبه. وحتى بالنسبة لأولئك الذين كانوا يصنَّفون عادةً أنهم بمواجهة هذه السلطات، فإن معرفتهم لم تقترب من الألغام والمحرمات السياسية بالمعنى المباشر للكلمة، بل كان النقد أيديولوجياً وعاماً، يبقى تحت إطار كلامٍ عام يوجه سهامه نحو السلطات المستبدة دون أن يحدد أيَّ سلطةٍ بالذات يعني، ونحو الفساد المنتشر دون أن يحدِّد موقع السلطة السياسية ومنظومتها الأمنية في إنتاج هذا الفساد، أي تحوَّلت الأمور إلى قضايا مستقلَّة مجرَّدة، بعيداً عمن يقوم بها، فالاستبداد هو الاستبداد دون وجود مستبدٍّ تنسب له الأمور، والفساد هو فساد بعيداً عن فاسد، أي أصبحنا أمام موضوعٍ لا ذات له.

ولعلَّ ذِكرنا لمثالٍ هنا قد يعطي دلالةً بالغةَ الإيحاء على حجم هذا الأمر، ففي عام 2000 داخَلَ المعارض السوري رياض الترك على شاشة "الجزيرة" وقال بأنَّ الدكتاتور الأب حافظ الأسد قد رحل، الأمر الذي أحدث خلخلةً في الفضاء الثقافي السوري برمته، إذ جاء تحديد أنَّ المستبد الدكتاتور هو الأسد من قبل سياسيٍّ وليس من قبل الحقل الثقافي، حيث اعتبر الكثير من المثقفين كلام الترك تهوُّراً ولا معنى له، الأمر الذي يعكس لنا مدى التجريد الذي وصلته الثقافة آنذاك، إذ تقول كل شيءٍ مجرد ولا تقول شيئاً له معنى بنفس الوقت.

 يغدو مفهوماً جداً أن يقول سياسيٌّ ما أنَّ كلام الترك آنذاك كان سابقاً لأوانه في ظلِّ واقعٍ صعبٍ يتعيَّن فيه على السياسي أن يقيس تحرُّكه بمستوى الإمكان، ولكن لا يجوز للمثقَّف أن يرهن قوله المعرفة لهذا الظرف، إذ على المثقَّف أن يقول الحقيقة عاريةً دون إخضاعها لمسألة الممكن والمستحيل أو التكتيك والإستراتيجية التي هي مهمَّة السياسي.

هذا الفضاء الثقافي الذي حوَّر نظرية استقلال الثقافة وقزَّمها إلى هذا المعنى أنتج عملياً معرفةً مفرَّغةً من معناها، أو حدوداً واضحةً لا يمكن للمثقَّف أن يتجاوزها، حدودٌ تقول بأنَّه يمكن الحديث بكلِّ شيء دون تحديدِ أيِّ شيءٍ، ما أنتج على مدى عقود شرنقة تفكير حصر المثقَّف نفسه داخلها، بحيث غدت الثقافة كلَّها تدور حول مواضيع مجرَّدة بعيدة عن التصاقها بالإنسان، خاصَّةً بالمجال الفكري، بحيث لم نجد أيَّ كتابٍ سوري يتحدث عن المستبد أو بنية النظام السوري أو جرائمه وانتهاكاته وسجونه، عدا بعض التقارير المسرَّبة من منظماتٍ دوليةٍ وبعض الكتب ذات الطابع الأيديولوجي الصادرة عن معارضاتٍ وأحزابٍ سياسية أكثر مما هي صادرة عن حقلٍ معرفي.

 

 2- تغيير المجتمع لا السلطة

يُعتبر أدونيس المنظِّر الأساس لهذه الفكرة، التي هي صحيحةٌ بالمعنى الثقافي العميق، حيث تحتاج مجتمعاتنا للكثير من التغيير بغية نسف نُظُم التفكير المتشكِّلة عبر عقودٍ طويلةٍ والمعيقة للحداثة لصالح أنظمة تفكيرٍ متصالحةٍ مع الواقع، إذ تختزن المجتمعات العربية آليات ونُظم تفكيرٍ تتيح للمستبد أن يحكمها من خلالها، ودون نسف هذه النظم سيبقى الاستبداد يجد مرتكزات في المجتمع يستغلُّها لإعادة الأمور إلى نقطة الصفر.

ولكن تركيز النقد على المجتمعات دون قراءة دور السلطات الممتلكة لآليات الفعل في ترسيخ نظام تفكير الشعوب يعتبر دون جدوى، لأنَّ هذه السلطات هي من يفعل ويعمل دوماً على إبقاء شعوبها في حيز الجهل عبر لعبة معقَّدة من الأذرع التي تستخدمها السلطات لإحكام القبضة على الفضاء العام والجمهور، بدءاً من رجال الدين والإعلاميين وليس انتهاءاً بالحقل الثقافي نفسه، حيث لا تكتفي السلطة بامتلاك آليات الهيمنة تلك، بل تمنع أيَّ فعلٍ جديٍّ نحو تغيير المجتمع. ولعلَّ منع الكتب ومصادرتها واعتقال المثقفين ومنع منظمات المجتمع المدني واحتوائها.. أحد الأدوات الهادفة في نهاية المطاف إلى قطع الطريق على نشر الوعي الذي يساهم في تغيير المجتمع الذي تدرك السلطة أن تنويره يعني إسقاطها والثورة ضدها.

وعليه حين تصل الأمور إلى النقطة التي تسدُّ فيها السلطة كلَّ آليات الفعل الممكنة للعمل على تغيير وعي وثقافة المجتمع باتجاه ثقافة أرقى، تصبح عملية السعي نحو إسقاط هذه السلطة أولوية، لأنَّه يستحيل تحقيق المهمة الثانية دون هذا الهدف، بشرط أن لا يضيِّع السَّاعون لإسقاط السلطة هنا هدفهم الأساس، أي العمل الدائم على تغيير المجتمع والإرتقاء بوعيه عبر اعتبار أنَّ المشكلة تكمن فقط في السلطة، بل أحياناً تصبح عملية إسقاط السلطة نفسها متعذِّرة حين لا يُؤخذ هذا العامل بعين الاعتبار، لأنَّ السلطة التي حفظت مجتمعها وتدرك مفاتيح تخلُّفه ومكامن القوى الضدية فيه تلعب على هذه الأوتار لضرب المجتمع ببعضه البعض فتصبح عملية إسقاط السلطة متعذرة دون إسقاط الدولة والمجتمع في آن، وهو ما حصل في الحالة السورية، إذ أدَّى تجاهل المعارضة وهي تخوض نضالها ضد السلطة لمحدودية وعي قوى المجتمع الثائرة بآليات الفعل الصحيحة لإسقاط النظام، واستثمار النظام في الأمر عبر تفعيل الحساسيات الطائفية والإثنية والجهوية والمناطقية إلى أن تتحوَّل الثورة إلى حربٍ أهليةٍ مسدودةُ الأفق.

وهنا يغدو كلام أدونيس عن تغيير المجتمع دون الحديث المباشر عن آليات فعل السلطة في المجتمع لإبقائه في حيِّز الجهل لا معنى له عملياً، لأنَّه لا يصبُّ إلا في صالح السلطات، حيث عملية تغيير المجتمعات تمرُّ دوماً بتغيير السلطات المعيقة لإمكان العمل في المجتمع. ومن هنا توصَّلت المجتمعات في نضالها الطويل إلى آلية التداول السلمي للسلطة كشرطٍ أساس لتُمكِّن الدولة من القيام بمهمَّاتها بتنوير وتقديم الخدمات للمجتمع ليتابع عملية تطوُّره وتقدُّمه. وحين يتعذر التداول السلمي للسلطة تصبح الثورة بما تحمل من تدميرٍ وعنفٍ وإرادة التغيير نتاجُ واقعٍ موضوعي لا يمكن الوقوف إلَّا معها.

 

3- المثقَّف و الصحفي والخبير والمؤسسة

مع تمكن السلطة العربية من احتكار الحقل الثقافي والإعلامي ضاقت مساحات التعبير والنشر أمام المثقف. وكون المثقَّف مضطر للكتابة ليعيش أولاً وليعبِّر عن ذاته ووجوده وأفكاره ثانياً، لم يكن لديه سوى النشر داخل حدود الدولة الوطنية بكل ما يعني ذلك من رقابةٍ وحدود ومنع وتكيُّف، أو خارج حدود الدولة الوطنية بما يعني أيضا الرضوخ لشروط أخرى متعلقة بطبيعة المؤسسات الإعلامية الخارجية التي لها حدودها ومعايير النشر بها، لأنَّها هي الأخرى تخضع لسلطةٍ ما سواء سلطة دولة أو لمستثمر له شروطه أو حزب لديه الإيديولوجيا الساعي لنشرها أو شركة متعددة الجنسيات لديها اعتباراتها، أو منظمة دولية لها معاييرها، بما يعني أيضا من رضوخ المثقف لهذه الاعتبارات أو العمل في ظلها أيضاً.

بين هذين الحدَّين عمِل المثقَّف السوري، فمن رضخ لمعايير سلطة الداخل تحوُّل مع الزمن إلى مجرد مثقَّف تقني يمارس مهنته ليعيش منها كأيِّ مهنة أخرى، بل تحوُّل في قسم كبير منه إلى صحفي دون أن يكون هنا الانتقاص من مهنة الصحفي بقدر ما هو انتقاص من الرضوخ لمعايير النشر في هذه المؤسسات بعيداً عن الدور المنوط به المثقَّف، حتى وإن لم يتحوَّل إلى صوت سلطته، إذ مجرَّد عدم قوله ما يجب أن يقوله يعني تخلياً عن دوره، بغض النظر عن التبريرات. وهنا لسنا في محاكمة أخلاقية لأحد بقدر ما نبحث في الأسباب التي أدَّت إلى غياب المعرفة التي كان يجب إنتاجها، إذ أنَّ غيابها هنا أمرٌ واقعي نبحث فيه معرفياً فقط.

 من لم يرضخ لهذه المعايير تحوَّل إلى النشر في الخارج بما تتيحه له من بعض الحرية أو العمل كخبير في منظماتٍ دولية، ولكن مكيِّفا نفسه أيضاً مع شروط هذه المؤسَّسات بعدم الاقتراب مما يزعج القائمين عليها، مستغلَّا إياها كمنبر لنقد سلطة الاستبداد الداخلي مخاطراً وبجرأة بما قد يتعرَّض له من اعتقال أو تصفية، خاصةً لمن كان في الداخل. ولكن هذا كان يحصل دون الاقتراب من سلطة الاستبداد التي تدعم تلك المؤسسة التي سمحت له بانتقاد سلطته لاعتبارات سياسية وليست معرفية. وهنا لا يلام المثقَّف إن تمكَّن من استثمار الأمر جيداً، شرط أن لا يغضَّ النظر نهائياً عن استبداد تلك السلطة التي سمحت له بالكتابة في منابر أخرى، فهل هذا حصل؟

هذا الفضاء أوجد من جملة ما أوجد عباراتٌ باتت تتكرَّر دائماً، مثل شروط المهنة و لكلِّ مؤسَّسة اعتباراتها، الأمر الذي يجعلنا نصل إلى أن نفرِّق بين مهنة الإعلامي والخبير وبين المثقَّف، من حيث اضطرار الأوَّل دوماً للعمل ضمن اعتبارات مؤسَّسته، وبين المثقَّف الذي لا يجوز أن يرضخ لهذه المعايير وإلَّا فقد معناه وجوهر مهمَّته المتمثِّلة بإنتاج معرفةٍ تفيض على حدود الاختصاص التي يحصر نفسه بها الإعلامي أو المثقَّف المختص الذي يركِّز جلَّ نقده أو كتاباته على سلطةٍ دون غيرها أو على حقلٍ دون غيره، مما يضع ضمير المثقَّف على مقصلة النقد والمساءلة تجاه الحقيقة والمعرفة.

ضمن هذا الفضاء تغاضى العديد من المثقَّفين السوريين الذين يكتبون في صحفٍ خليجية عن نقد سلطات الخليج والإشارة إلى استبدادها في حين تخلَّى المثقَّفون الذين يكتبون في صحفٍ قومية عن نقد القومية العربية ورموزها، ومن يكتبون في صحفٍ مقرَّبة من إيران أو.. وهكذا دواليك. وهذا الأمر لا مشكلة فيه حين يستثمر المثقَّف في إمكانات الفعل بحيث ينتقد سلطته في هذه المنابر وينتقد السلطات الأخرى في منابرٍ أخرى، أي لا يدع تلك المؤسسات تفرض شروطه عليها إن سمحت له بنقد سلطته. وهنا نكون أمام معيار يفرِّق لنا بين الإعلامي أو المعلِّق السياسي أو الصحفي أو الخبير الذي يلتزم حدود مؤسَّسته وسلطتها أو المكان الذي يكتب فيه، وبين المثقَّف الذي يكسر هذه القواعد وينتقد كلَّ شيء مستثمراً في المساحات التي تسمح له بالقول دون أن يرضخ لها.

وهنا تحوَّلت هذه المعايير حين يرضخ لها المثقَّف إلى عائقٍ أمام إنتاج معرفةٍ حقيقية حتى حين ينتقد سلطته، لأنَّ الاختباء خلف شعار المعارضة والنقد لسلطة دون أخرى يغدو أمراً مفضوحاً مع الزمن ويجعل من ثقافته عاجزةً عن قراءة هذا التداخل بين تضافر الاستبدادات العربية فيما بينها ضمناً حتى وهي تتصارع فيصبح بارتهانه هذا جزءاً من تكريس استبداد سلطته حتى وهو يحاربها حين ينتج معرفةً حدودها حدود نقد سلطته، غافلاً عن علاقتها مع السلطات الأخرى، ناهيك عن المصداقية التي سيخسرها المثقَّف حين يرى الجمهور هذه الازدواجية التي باتت مفضوحة في عالم اليوم، حيث نرى مثقفا/إعلاميا يركِّز نقده على سلطات الخليج وآخر يركِّز نقده على إيران وثالث يركِّز نقده على استبداد سلطته الوطنية في حين يغيب ذلك المثقَّف الذي ينتقد كل ما سبق، دون أن يرضخ لحدودها ومعاييرها، وهو ما يميز بين الإعلامي/الخبير أو المثقف المختص أو التقني بلغة باروت والمثقَّف بمعناه العميق، بحيث يتوَّهم الأول أنَّه يؤدي دوره العمومي في حين أنَّ العكس هو الصحيح، وفق لغة عزمي بشارة إذ يقول: ((قامت الدولة بتحويل عدد كبير من الأكاديميين إلى خبراء، فاستوعبتهم في أجهزتها من دون الإمكانيات النقدية التي كانت كامنة في ثقافتهم ومواقفهم. لكنها في حالات قوتها وتراجع الحركة الشعبية كانت قادرة أيضا على استيعاب مثقفين نقديين كيّفوا أنفسهم للعمل في أجهزتها. وأما من استعصى على الدولة احتواؤهم، فقد كان لمنظمات الأمم المتحدة ومؤسساتها، وكذلك ما سُمي في العقود الأربعة الأخيرة بـ"المنظمات غير الحكومية" شأن في تحويلهم إلى خبراء؛ وأتاح لهم هذا الاحتواء الاحتفاظ بوهم المثقَّف العمومي المستقل عن الدولة، غير أنَّهم تحوَّلوا في الواقع إلى خبراء، ولكن في منظمات دولية)).(1)

هذه المشكلة انتقلت إلى المثقَّف السوري في ظلِّ الثورة أيضا، إذ تحوَّل هؤلاء دون أن يدروا إلى جزء من المشكلة، فبات لكلِّ مثقَّف منبره ومكان نشره الذي يرفع فيه صوته العالي ضد النظام السوري، في حين يتغاضى عن رفع الصوت ضد استبداد النُظم والأجهزة الإعلامية التي تحارب النظام السوري من موقع طائفي أو إقليمي، فمن يكتب في صحف قطر تغاضى عن الدور القطري السيء سياسياً وإعلامياً في الثورة السوريا، ومن يكتب في الصحف السعودية فعل الأمر نفسه، وكذلك الأمر لمن يكتب في الصحف المقرَّبة من إيران وروسيا وهكذا دواليك، إذ أدَّى التركيز على نقد النظام وحده، بعيداً عن نقد منظومة الاستبدادات العربية والإقليمية وقراءة موقع النظام ضمنها، إلى شيوع وهم أنَّ هذه السلطة أو المحطَّة تقف مع الثورة، في حين أنَّها لا تفعل إلَّا أن تكون صوت مستبدها الذي يسعى للإستثمار في الثورة السورية لا أكثر ولا أقل، فكان أن صب الأمر في تعزيز نظام الاستبداد ضدَّ الثورة على المدى الطويل. وهنا كان المثقَّف السوري مرَّة أخرى مشاركاً في إنتاج الوهم، حتى من موقع وقوفه مع الثورة، حين عجز عن تبيُّن الهدف القائم من وقوف أنظمةٍ مستبدةٍ مع ثورة الشعب السوري ضدَّ نظامٍ لا يقلُّ إجراماً عنها، فأصبح المثقَّف هنا لا يختلف عن المتظاهر الذي يرفع كرتونةً مكتوب عليها "شكرا قطر" أو "شكرا الجزيرة" أو "شكرا العربية" عاجزين عن فهم أنَّ هذه الدول والمحطات تقف معهم لأنَّها تسعى لأهدافها الخاصة التي ستصبُّ في المدى البعيد ضدَّ ثورة الشعب السوري.

وهنا نفرِّق مرَّة أخرى بين المثقَّف والسياسي، إذ يجوز للسياسي القفز أو غضِّ النظر عن نقد السلطة لاستغلالها في ظلِّ ظرفٍ محدَّد بما يخدم سياسته، في حين لا يجوز الأمر للمثقَّف لأنَّه بذلك ينتج معرفة غير دقيقة حول الثورة والشعب.

 

4- غياب الواقع

إنَّ التدقيق في أغلب الكتب أو الأبحاث أو المقالات التي أنتجها المثقَّف السوري ستجعلنا نكتشف غياباً كاملاً للواقع السوري بمعناه الحي، ونعني بذلك افتقار المكتوب إلى معلوماتٍ حيَّة وإحصاءاتٍ وتحقيقاتٍ قادمة من وحل هذا الواقع المتغيِّر والعصيِّ على القبض عليه.

إنَّ تدقيقاً في مراجع أيِّ كتاب سيجعلنا نكتشف أنَّنا أمام معرفةٍ منقولةٍ من الكتب وإلى الكتب دون المرور بأرض الواقع إلَّا ما ندر، أي أنَّ الكاتب أو المثقَّف وهو ينتج بحثه أو معرفته حول أمرٍ ما، يكتفي بما كتب عنه في كتبٍ سابقة دون العمل على البحث عنه في الواقع أو إجراء استبياناتٍ أو إحصاءاتٍ أو لقاءاتٍ ميدانية لاختبار بحثه في الواقع، عبر معرفة مدى إيمان الناس بما يكتب أو ضرورته حقاً، وهذا يعني بقاء الثقافة ضمن المسلَّمات المتعارف عليها، لتبقى تلك المسلَّمات والمعارف تعيد إنتاج نفسها كمقدسات، حتى حين كان يظن المثقَّف أنَّه ينتقدها، لأنَّ النقد من داخل الحلقة يبقى جزئياً ما لم يصل أسس الظاهرة إلى درجة التشكيك بها كلياً.

وهذا الأمر يعود لاعتبارين؛ أولهما الغرق في الأيديولوجيا التي وُجِدَت أساساً للحشد وكسب الأنصار أكثر مما وجدت للبحث عن المعرفة وكسر الحقائق، والمواضيع المجردة (قومية، وحدة عربية، وحدة وطنية) التي تعامل معها المثقَّف كمسلَّماتٍ غير ذات حاجة للإثبات، فتركَّز عمل المثقَّف على دراستها وتمحيصها استناداً لما كُتب عنها فقط، بعيداً عن قراءتها في الواقع ومدى وجودها حقاً، ومدى إيمان الناس ورأيهم بها، ونظرتهم لها. كلُّ هذا غاب، لنكون أمام معرفةٍ مجرَّدة غير ملامسة لأرض الواقع، ما أنتج الكثير من الأوهام. ولنا أن نلاحظ في أغلب الثقافة المنتجة غياب الرقم والبيانات والإحصاءات والكتب المعرفية المستندة على المعرفة فحسب، مقابل تضخُّم في الكتب والمقالات والأبحاث التي تتحدَّث عن التطبيع والوحدة العربية والقومية والوحدة الوطنية والاستبداد دون تخصيص والنُظم الشمولية إلخ. ثانيهما: منع السلطة حقيقةً لأيِّ عملٍ في الواقع لجمع المعلومات، حيث كان أيُّ شيءٍ في سوريا يحتاج إلى موافقةٍ أمنية، مما جعل المثقَّف يحصر إطار بحثه بما هو متوافر وبما يبعد عنه "وجع الرأس" في أحيانٍ كثيرة.

ولكن هل هذا مبرِّر؟ وهل حقاً لم يكن بالإمكان الخوض في غمار هذه التجارب؟ ولكن قبل ذلك هل فكَّر المثقَّف أساساً بهذه الطريقة من العمل؟ تلك أسئلةٌ يصعب الإجابة عليها، أو إعطاء حُكمٍ حولها. ولكن المهم أنَّ الأمر كان عائقاً أمام قدرة المثقَّف على استشراف معرفةٍ مرتبطةٍ بالواقع وقادرةٍ على تقديم معرفةٍ حول سوريا ولسوريا، وإن كان رأينا يميل للقول أنَّ آلية تفكير المثقَّف لإنتاج نصِّه هي العائق الأول، لأنَّ البنية الأيديولوجية التي تأسَّس في ظلها جعلته يُسقِط الواقع ومعرفته من اهتماماته، فالأيديولوجيا/النص باتت هي الكتاب المنزَّل الذي يحوي كل الحقائق، فلم الواقع إذن؟

والأمثلة هنا كثيرة، إذ يكفي الاطِّلاع على كتاب مثل "الصراع على السلطة في سوريا" للكاتب نيكولاس فاندام، والانتباه للمراجع المثبَّتة، ومقارنته مع أيِّ كتابٍ سوريٍّ من هذه الناحية، لنرى فرقاً هائلاً، في اعتماد المثقَّف السوري على الكتب وحدها مرجعاً في أغلب الإنتاجات، في حين يعتمد فاندام على الحوارات واللقاءات والأرشيف والكتب والاستبيانات، دامجاً كلَّ ذلك لينتج نصَّه ورأيه عن بنية الاستبداد السوري. وقد يقول البعض هنا أنَّ ما أُتيح لفاندام أو حنا بطاطو أو غيرِه من الكُتَّاب الغربيين لم يُتَح للسوريين، وهو أمرٌ صحيح من ناحية ضغط الاستبداد، وليس صحيحاً من ناحية آلية ونظام تفكير المثقَّف بنصِّه وإنتاج معرفته التي كانت تحوم في إطار الأيديولوجيا والمواضيع أكثر مما تبحث في الذات وبنية الاستبداد وشروطه وطرق محاربته، عدا أنَّ محاولات كسر الاستبداد عبر مواربات كانت ممكنةً مثل النشر باسم مستعار والعمل ضمن قنوات ضيقة للحصول على معلومات. إذ أنَّ الكم الهائل من المعلومات الذي بات يتسرَّب عن حقبة الاستبداد بعد الثورة يطرح سؤالاً: لماذا لم يقل كلَّ هذا سابقاً؟ ولمَ كان مختبئاً في صدور المثقفين؟

اليوم مع انحسار سلطة الاستبداد أو تراجعها في سوريا، نجد أنَّ ثمَّة عودة محمومة إلى الواقع، حيث تكثر الاستبيانات واستطلاعات الرأي واللقاءات مع خبراء أو نشطاء أو فاعلين اجتماعيين للبحث عن معرفةٍ جديدةٍ خارجةٍ من رحم الواقع، الأمر الذي يوضِّح أنَّ انحسار الاستبداد ترافق مع سهولة الحصول على المعرفة القادمة من الواقع، وهو ما فتح آفاقاً جديدةً أمام المثقَّف الذي عليه أن ينتج معرفته اليوم استناداً لتلك التحولات وبعقليةٍ جديدة.

هنا نشير إلى نقطة هامة، ألا وهي أنَّ المثقَّفين الذين عملوا في المؤسَّسات الدولية أو المراكز الأجنبية أو حتى مؤسَّسات الدولة كخبراء أو موظفين، كانوا أكثر قدرةً على الوصول إلى المعلومة والمعرفة المتعلِّقة بسوريا بسبب طبيعة هذه المؤسسات وطريقة تعامل النظام معها، الأمر الذي عنى أنَّهم تمكَّنوا من الوقوف على معرفةٍ علميةٍ بطبيعة هذا النظام وأدواته وبالمعرفة الخاصة بسوريا والمحجوبة عن الناس، الأمر الذي يعني أنَّهم الأكثر قدرة على فهم ممكنات الواقع السوري واحتمالات وحدود ما يحتمل. فالباحث محمد جمال باروت، الذي عمل مديراً ومستشاراً في عدَّة مشاريع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، ولصندوق الأمم المتحدة للسكان، وللمنظمة الدولية للهجرة، ومديراً لمشروع "سوريا 2025"، الذي انتهى في أواخر 2007، وكان المؤلِّف الرئيس لتقرير "الهجرة السورية الدولية"، و باحثاً مقيماً في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى"IFPO" في حلب، ومحاضراً عام 2008 في كلية القدِّيس أنطونيوس في جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وعمل أستاذاً زائراً في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، الأمر الذي عنى أنَّ عمله في هذه المراكز والمؤسسات ساعده على اكتساب معرفةٍ هائلةٍ عبر الاطلاع على بيانات ووثائق وأرقام لم تكن متوفِّرة بسهولةٍ لمن يريد العمل على سوريا.

نرى هذا الأمر بوضوح بوضوح في مشروع جمال باروت "سوريا 2025" وفي "العقد الأخير في تاريخ سوريا، جدلية الجمود والإصلاح" الصادر في عام 2012، حيث قال منذ ذلك الوقت بأنَّ: ((التسوية التاريخية هي المدخل الوحيد للحل ودون ذلك هو ذهاب إلى المجهول))، فهو لم يكن يتحدَّث من موقع المعارضة أو الموالاة بل من موقع العلم والمعرفة والأرقام، وهنا يتمثَّل جوهر المثقَّف بأن يقف إلى جانب ثورة شعبه ولكن على أن لا يسمح للثورة وعواطفه أن تجرفه بعيداً عن أدواته العلمية، فهو إذ قال آنذاك بالتسوية التاريخية لم يقلها لأنَّ رغباته تتطلَّب ذلك، بل لأنَّ الواقع هو كذلك وهي حدود الفاعلين الاجتماعيين في الحالة السورية المعقَّدة، وقد عبر الباحث نيروز ساتيك عن الأمر بالقول: ((إن رؤية باروت للتسوية التاريخية ليست رؤية فكرية-سياسية مجرَّدة بل هي مشتقَّة من حقائق الاجتماع السوري المركَّب الهوية، ومستندةً إلى فهمٍ عميق للمؤشرات السكانية والاجتماعية-الاقتصادية السورية، ولمراحل تطور التاريخ السوري على مختلف جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والحزبية والدستورية والعمرانية والسكانية والثقافية.. إلخ. ويجمع هذا الفهم بين المقاربتين الكميَّة والنوعية للمسألة السكانية-الاجتماعية-الاقتصاديةالسياسية المركِّبة للاجتماع السوري، وبالتالي ليس هناك أيُّ مجالٍ للحديث في رؤيته عن أفكار مجرَّدة قائمة في حدِّ ذاتها بل عن أفكارٍ قائمةٍ على مؤشرات كميَّة ونوعية مضبوطة علمياً، ودقيقة وفق آليات إنتاجها العلمي. بينما يتمثل جوهرها على مستوى الرؤية في أنَّ التسوية التاريخية محطة إجبارية للمجتمع السوري مهما كانت احتمالات تطور الثورة السورية واتجاهات اللاعبين الداخليين الإقليميين والدوليين بوصف أنَّ سوريا قد غدت الآن مكسر عصا لعبة الأمم، ومجمع تكاثف سلال قطف الثمرة الساقطة اليانعة. هذه التسوية صحيحة في مختلف الظروف التي مرَّت وتمرُّ وستمرُّ بالأزمة السورية، وهي صحيحة تحت أيِّ سقف، ومهما كان هذا السقف، وإنَّ كلَّ تأخُّرٍ عنها لن يعني سوى مزيد من إطالة قوائم الشهداء والضحايا. وهي مسألةٌ برسم السياسيين السوريين ليحدِّدوا فيما بينهم قواعد اللعبة ولاعبيها الأساسيين واضعين المصلحة الوطنية السورية فوق كل اعتبار بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية والحسابات الدولية)).(2) وذلك في الوقت الذي تحدَّث غيره من المثقَّفين عن إسقاط النظام بكامل أركانه ورموزه في بداية عام 2012 وبعضهم قبل ذلك بأشهر، الأمر الذي يعني أنَّ ما قاله باروت جاء استناداً لأرقام ومعلومات ومعرفة لم يتمكن غيرُه من المثقَّفين من الحصول عليها، بسبب عمله في مؤسسات دولية وبعض مؤسسات الدولة، وهو ما جعله الأكثر قدرة على فهم الممكنات السورية واحتمالاتها في ظل الثورة.

إلَّا أنَّ ما يؤخذ على باروت هو تأخُّره في نشر هذه المعارف التي كان يملكها وعدم ربطها الشديد بجوهر نظام الاستبداد وبنيته بما في ذلك مشروعه "سوريا 2025"، الأمر الذي حرم سوريا والمثقفين الآخرين من الاطلاع على معارف هامة وضرورية، عن بنية هذا النظام وجوهره ودوره في منع المعرفة التي تمكن باروت من الوصول إليها، وهو ما أشار له الكاتب ياسين الحاج صالح بدقَّة حين قال: ((الكاتب ينتقد الطرح السياسوي في تناول الشؤون العامة السورية مراراً. لا يشرح ما يعنيه بالسياسوية، ولكن نفترض أنَّها تحكيم مقتضيات السياسة والصراع السياسي في مطالب المعرفة. وهي بهذه الدلالة جديرة بكل نقد، لكن نقد باروت موجه في كل الحالات في اتجاهٍ واحد، نقد مواقف وتقديرات معارضي النظام. ولا مرة واحدة يتجه نقد السياسوية إلى ما يتسبَّب فيه تكون النظام وسياسته من تشويه لمطالب المعرفة بسبب العواقب المحتملة لذلك على الطالبين. أليس من السياسوية مثلاً أنَّ التوترات الطائفية التي يشير إليها المؤلف مراراً في كتابه، من موقع وطني تقليدي، تبدو طيفاً هائماً يسبح في المجتمع، نتاجاً طبيعياً لوجود طوائف وحساسيات طائفية وأفراد طائفيين، بينما ليست هناك أيَّة إشارةٍ إلى دور النظام السياسي فيها أو إلى كونه شرط لإمكان هذه الظواهر أو بعضها. انشغال الكاتب بنقد سياسوية معارضين يحجب عنه أنَّ هذا جزء صغير من التحريف السياسوي الأكبر الذي يتسبب فيه الحكم التسلطي. نقد باروت للسياسوية سياسوي هو ذاته، ولمصلحة السياسوية الأشدُّ رسوخاً وحصانة، الأسوأ والأخطر بما لا يقاس)).(3)

 

5- احتواء المثقَّف بإرادته

عمل الكثير من المثقفين في أجهزة الدولة السورية. وخلال مسار عملهم اكتشفوا الكثير من الأسرار والخبايا عن الطريقة التي تدار بها السلطة وعن تسلط النظام وأجهزته القمعية. إلَّا أنَّ المثقَّف أحجم عن نشر هذه المعلومات وعن فضح تلك السلطة. وإذا كان عدم إقدامه على ذلك يأتي على خلفية حماية الذات، بخاصة وأنَّنا أمام سلطةٍ تصل عقوبتها حدَّ التصفية الجسدية فمن المشروع والضروري جداً أن يأخذ المثقَّف الأمر بعين الاعتبار. إلَّا أنه من غير المشروع ألا يسعى لنشر تلك المعلومات أو الأسرار بطريقة ما، كأن يهرِّبها لأحد المثقَّفين في الخارج أو أن ينشرها باسم مستعار، لتساهم في عملية فضح السلطة القائمة وأساليب عملها لتنوِّر المجتمع بما تقوم به سلطته.

إنَّ سوريا تعاني من شُحِّ كبيرٍ في التسريبات عن معلومات وصفقات وتفاصيل مرتبطة بأسماء شخصياتٍ مؤثرةٍ وفاعلةٍ في ماكينة النظام السوري، فمثلاً يقول سمير سعيفان: ((من خلال التجربة الشخصية لامسنا قرار الدولة بممانعة وضع أيَّ وثيقةٍ تحدِّد التوجُّه الاقتصادي. إذ شاركت في لجنة الـ 18 التي شكَّلها الرئيس بشار الأسد في أيلول/سبتمبر 2000 لوضع أول تقرير عن الاقتصاد السوري في عهده، ووضع الفريق تقريره بعد نحو خمسة أشهر عمل حثيث، لكنَّ التقرير حُفظ ولم يُنشر. كما شاركت في لجنة الـ 35 التي شكَّلها رئيس الوزراء، مصطفى ميرو، في آذار/مارس 2001 لوضع برنامج لإصلاح القطاع العام الصناعي. ووضعت اللجنة برنامجاً واسعاً تفصيلياً وعملياً، لكن التقرير والبرنامج تم حفظهما. كما شاركت في اللجنة السباعية التي شكَّلها رئيس الوزراء ميرو أيضاً في شباط/فبراير 2003 لوضع برنامج للإصلاح الاقتصادي، وقامت اللجنة بالانتهاء من وضع البرنامج في شهر تموز/يوليو من العام نفسه، لكنَّ البرنامج تمَّ حفظه في القيادة القطرية التي لم توافق عليه. ويومذاك استدعى عبد الحليم خدام بعض أعضاء اللجنة ووجه لهم نقداً وتأنيباً شديدين على برنامج الإصلاح الذي وضعوه)). (4)

 ويتابع سعيفان قائلاً في مكانٍ آخر: ((كان كاتب هذه السطور على اطلاعٍ مباشرٍ خلال خمس سنوات بين عامي 2005 و2010 حين كان يشغل عضوية مجلس إدارة مؤسسة الاتصالات كيف يُدار قطاع الاتصالات بحسب ومصلحة ورغبة عائلة مخلوف. مثلاً لم تستطع الحكومة اتَّخاذ قرارٍ حول الخلاف بين مؤسسة الاتصالات الحكومية الممثِّلة للدولة السورية في التعاقد مع مشغِّلي الخليوي، وشركتي الخليوي على تاريخ المباشرة، وهو 14/2/2001، بينما تريد الشركتان تثبيت تاريخ المباشرة ليكون 29/6/2002، أي بفارق 16,5 شهرا. ولهذا منعكساته المالية الكبيرة التي تقدر بنحو 12 مليار ليرة سوريا لكل شركة، أي 24 مليارا للشركتين، وكذلك منعكساته على تاريخ انتهاء فترة التعاقد وهي 14 عاما من تاريخ المباشرة. وعندما اضطُّر وزير الاتصالات إلى رفع دعوى على الشركتين لأنَّ القضية واضحة، ويخشى الإدانة مستقبلاً، رد القضاء الإداري الحكومي الدعوى بحجَّة عدم الاختصاص، وهي سابقةٌ في تاريخ هذا القضاء الإداري السوري المتعسف، ولا تزال القضية معلَّقة حتى الآن. والأهم أنَّ التحاسب وتقاسم الإيرادات الفعلي جري ويجري حتى اليوم كما أراد رامي مخلوف من دون أن تملك المؤسسة أيَّ قدرةٍ غير ذلك)). (5)

هذا النوع من المعلومات كان ضرورياً جداً أن يسرَّب ويقال ويعرفه الجمهور قبل الثورة، ليبقى السؤال: كم من المعلومات والمعارف التي عرفها مثقَّفون عملوا في أجهزة الدولة ولم تخرج إلى حيِّز الوجود لتساهم في فضح السلطة والاستبداد، ولتكون معلومةً يستند عليها الباحثون وهم ينتجون أبحاثهم عن سوريا بدلاً من الركون للأيديولوجيا!

هنا كان العديد من المثقَّفين يتخلّون عن دورهم العمومي لصالح البقاء، متماهين مع السلطة وقابلين بشروطها، أي ساهم المثقَّف عملياً باحتواء نفسه حين لم يقم بنشر ما يفرضه عليه دوره العمومي، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ كلام سعيفان يتحدَّث عن فترة الأسد الابن، لنسأل إذن كم من الأسرار والصفقات تختزنها مرحلة الأسد الأب ولم يُعرف عنها شيءٌ بعد!

 

خاتمة مؤقتة

إذا كان ما سبق قد أجاب جزئياً أو حاول البحث على الأقل في أسباب غياب سوريا عن اهتمام المثقَّف السوري في مستوى أول، وعن أسباب عدم وجود كُتبٍ عن سوريا وبنية النظام السوري المستبد إلَّا بقلم مثقَّفٍ سوري في مستوى ثان، خاصة قبل عام 2000، فإنَّ البحث في بنية المثقَّف السوري وتحولاته واهتماماته وتخبُّطه في ظلِّ الثورة قد فتحت الكثير من الأسئلة التي لا تزال تحتاج المزيد من التعمُّق والبحث، لجهة علاقة المثقَّف مع الثورة ومفهومها وبنيتها، بخاصة وأن ما قاله المثقَّف عن الثورة وجدواها وراهنيتها وعمَّا إذا كانت تحمل أفق التغيير نحو الأفضل أم لا ما بعد التسعينات يختلف إلى درجة التناقض عمَّا قاله في ظلِّ الثورة، الأمر الذي يجعل من البحث غير منتهٍ على أمل العودة له مجدداً وبشكل أوسع.

 

المراجع

  (1): بشارة، عزمي: عن المثقف والثورة، مجلة تبين للدراسات الفكرية والثقافية الفصلية، العدد 4-المجلد الأول-ربيع2013، ص:139.

(2):البحث عن تسوية تاريخية في سوريا، نيروز ساتيك، صحيفة المدن الالكترونية، الجمعة 28/6/2013، الرابط: http://www.almodon.com/opinion/4784f64d-99b4-4108-a4a7-9d0d9f5972ca.

(3): جدلية المنهج المنفتح والسياسة المنغلقة، ياسين الحاج صالح، صحيفة الحياة، السبت، ٢٩ أيلول ٢٠١٢، الرابط: http://www.alhayat.com/OpinionsDetails/439644

(4): خلفيات الثورة دراسات سوريا، مجموعة مؤلفين: سياسات توزيع الدخل ودورها في الانفجار الاجتماعي في سوريا، سمير سعيفان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت 2013، ص:108.

(5):  المصدر السابق: ص:113- 114.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR