صورة الشرق الإسلامي في الخطاب الغربي

دراسة بقلم عبد الله الدماغ

العدد الرابع - صيف 2015 - الخميس 02 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

تتوخى هذه المساهمة الوقوف على مبدأ صراع الحضارات بين ثنائية الغرب والإسلام. فالشرق الإسلامي كان ومازال مادةً ثريةً ولذيذةً لكثيرٍ من الكتَّاب الغربيين الذين سعوا دائماً لإيجاد صورةٍ محددةٍ للإسلام من خلال تعميماتٍ معينة، والتي ترتبط بدورها بمبدأ الأخروية -من الآخر- Alterity. حيث يبرز الإسلام على أنَّه الآخر في الجوهر من الناحية المعرفية والوجودية بالنسبة للشخصية الغربية، حيث تندمج الذات الشرقية الـمُسْلِمَة بالموضوع، وبذلك يصبح الحديث عن الشرق بالوقت ذاته هو الحديث عن الذات والموضوع والتاريخ والثقافة والأزمات. إنَّ هذا التمثيل، ونتيجةً لارتباطه بالخطاب، يعتمد على مبدأ المعرفة والسلطة اللتان تلعبان دوراً هاماً في العلاقة بين الغرب والشرق كبنيةٍ من صنيعه، وتستندان بشكلٍ مباشرٍ إلى مبدأ الهيمنة Hegemony أي هيمنة الغرب على الساحة السياسة العالمية إبَّان الحقبة الاستعمارية وحتى الآن. إنَّ صورة الإسلام تتأرجح بين الصورة الإيجابية والصورة السلبية، ولكن من حيث المضمون تُقَدِّمُ تلك الصورة، سواء بحلِّتها الإيجابية أو بحلِّتها السلبية، حالة التضاد مع الغرب؛ فالمهم هو تحديد الشرق الإسلامي في الوعي الغربي على أنَّه "لا أنا"، حيث "أنا" هي الغرب. ليس الهدف من هذه الدراسة هو إثارة قلاقل عند القارئ نتيجةً لتلك الصورة التي صنعها الغرب عن الإسلام، وإنَّما هو عملٌ يعتمد على نظريات ما بعد الكولونيالية التي تستند بدورها إلى مبادئ التفكيكية وما بعد البنيوية في نقدها لمسألة التمثيل. حيث أحاول هنا أن اعمل على تفكيك بُنى الموضوع الإسلامي في الخطاب الغربي، مقدماً إياه للقارئ بلغةٍ بسيطة، بخاصة وأن هذه الدراسة ليست الأولى حول هذا الموضوع.

تمهيد

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اشتغل صانعو القرار والسياسيون والمثقَّفون وحتى العوام في الغرب، بالسؤال عن مستقبل العلاقات السياسية الدولية. فالكتلة الشيوعية لم تعد موجودة، والرأسمالية والديمقراطية الغربية أثبتتا وجودهما، وليس هناك من بديلٍ عن سيطرة القطب الواحد الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. مما أدَّى إلى نشأة الحديث مثلاً عن موضوع نهاية التاريخ، والذي افتتحه فرانسيس فوكوياما، مع نشره مقال بعنوان "نهاية التاريخ؟"، في صحيفة ناشيونال إنترست - الشأن الوطني 1989. من خلال هذا التصور يعتقد فوكوياما واستناداً إلى فلسفة هيغل؛ أنَّ التاريخ قد وصل لذروته، وأنَّ عالمٍ ما بعد الحرب الباردة، ليس فقط عصر نهاية الأيديولوجيات، وإنَّما هو عالم الدولة العالمية المتجانسة، وبذلك تدخل الإنسانية في مرحلة العدمية الهيغيلية. في هذا الإطار يرى فوكوياما أنَّ مرحلة صراع الطبقات الأبدي قد وصل لنهايته، وأنَّ النمط الوحيد المثالي للحياة في عصر ما بعد الحداثة، هو الديمقراطية الغربية وما يستند إليها من النظام الاقتصادي، المعتمد على السوق الحر والليبرالية الاجتماعية والتعددية البرلمانية. اعتماداً على ذلك تقوم الدول الناشئة نتيجة انهيار المعسكر الشرقي على تقليد الغرب واتباع نمطه السياسي، لكنَّه استبعد في الوقت ذاته أن تسيطر تلك الديناميكية على العالم الإسلامي، وذهب إلى أنَّ هناك نوعاً من عودة الأصولية الإسلامية في تلك البقعة من العالم، دون أن يعلِّل ذلك، لا بل متناسياً أنَّ فترة نشر كتابه عام 1992 -حيث استفاض في نظريته- كانت مرحلة صعود القاعدة، التي كانت مدعومةً من الغرب، وكذلك حرب الخليج الأولى. بهذا افتتح مجالاً لعالم السياسة سامويل هنتنغتون، أن يكتب في مقاله المنشور في صحيفة فورن افيير-العلاقات الخارجية، تحت عنوان "صراع الحضارات؟" عام1993  مُنظِّراً فيه عن احتمالات صراعٍ بين الثقافات، مركِّزاً على الصدام ما بين الحضارة الغربية من جهة، والإسلام والكونفوشية من جهة أخرى. لكنَّ فكرة هذا الصراع ليست وليدة الصدفة، ففي مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد تحدَّث المستشرق الإنكليزي الأمريكي برنارد لويس The Roots of Muslims Rage 1990 عن صراعٍ محتدمٍ ودائمٍ ما بين الغرب، متمثِّلاً بإرثه المسيحي واليهودي، ولاحقاً على شكل الحداثة والعقلانية، وبين الإسلام الجامد الذي لايعدوه أيُّ تحولٍ منذ نشأته حتى الوقت الحالي. وبالتالي هنا نرى الارتباط بين المؤسَّسات الأكاديمية الاستشراقية والمؤسَّسات السياسية، في تحديد العلاقة بين الغرب والإسلام، وبالتالي الخطاب المستند إلى تلك العلاقة. 

في إطار الحديث عن تلك الثنائية نصطدم بمشكلة المصطلحات الـمُستخدمة في هذا الخطاب. فما هو الغرب، وما هو الإسلام؟ ولو اعتقدنا بأنَّ هناك صراعاً مابين الغرب والإسلام، فما هي ملامح تلك البُنى المتصارعة؟ وهل الصراع بين الغرب والإسلام الأصولي؟ أم هو صراعٌ مع المسلمين كذواتٍ تعتنق هذه العقيدة أي أشخاص؟ أم هو صراعٌ بين ذاتٍ غربيةٍ مسيطرة، وبين بنيةٍ وهميةٍ مُصطنعة في المختبر الأكاديمي للدراسات الاستشراقية في الغرب، تتعامل فقط مع تصوراتٍ محددةٍ وأفكارٍ مسبقةٍ عن الآخر، أي هي أزمة تمثيل وتعميمات؟

من خلال هذا البحث سيتمُّ تناول عدَّة أفكارٍ لها علاقةٌ بموضوع الثنائية؛ الغرب والإسلام. فبادئ ذي بدء، سيتمُّ الحديث عن تعريف الخطاب الذي يؤسِّس لتصورات الغرب عن الإسلام، وبالتالي نحدِّد الطريقة المنهجية لتلك الدراسة، وبعدها سيتمُّ البحث تاريخياً عن تلك التصورات في الأدب الغربي، بالاعتماد على نصوصٍ عديدةٍ تتميز بأهميتها التاريخية، ثم الانتقال بذلك في الخاتمة للتنبيه إلى مسألة المؤسسات الأكاديمية، وعلاقتها بتحديد صورة الإسلام في مختلف الوسائل الإعلامية والمجالات الأكاديمية سواء، تاركين بذلك المجال لدراساتٍ لاحقةٍ مرتبطةٍ بالموضوع نفسه.

 

مسألة الخطاب وعلاقته بأزمة التمثيل

 تطرح مشكلة التمثيل نقطةً مهمةً في علاقات القوى وآليات التفاعل، بين الجماعات المسيطرة والجماعات التابعة. ولعلَّ هذه القضية لا تلعب دوراً فقط في المجال الاقتصادي أو السياسي، فهي ليست فقط علاقات ضمن مجتمع البرجوازية وتابعها الطبقة العمالية، وإنَّما أيضاً الثقافي والأدبي والأكاديمي. إنَّ هذا التمثيل وما يستند إليه من تعميمات، يعتمد في جوهره على مبدأ الخطاب، والخطاب كما عرَّفه ميشيل فوكو (ت. 1984): ((هو كلُّ ما يُحكى عن موضوع معين، في فترةٍ زمنيةٍ محددة، وضمن فضاءٍ جغرافيٍّ ثقافيٍّ متماثل)). فاستناداً إلى هذا الخطاب تنشأ المؤسَّسات الأكاديمية، بشقَّيها البنائي والعلمي، وكذلك الدراسات الفلسفية والمعرفية حول الموضوع الـمُتناول، ما يؤدي إلى إثارة نوعٍ من الممارسة العملية لتلك الجماعة المسيطرة، والتي تدير الخطاب من خلال المثقفين العضويين، أي أولئك المرتبطين بتلك الجماعة والمديرين للخطاب في الوقت ذاته، ويمارسون الأثر الثقافي على المجتمع من خلال المؤسَّسات التربوية بمختلف أشكالها كالمدرسة والجيش والكنيسة، ويَنفذون بشكلٍ واضحٍ إلى وسائل الإعلام، كطريقةٍ لصنع الوعي أو الثقافة الاجتماعية. هذه الكتلة من الخطاب والأفراد والمؤسَّسات، تُنتج نوعاً من الإرشادات القمعية، التي تبدِّل طبيعة الأشياء الأخلاقية والجنسانية، وحتى منها اللغوية. فالخطاب يُنشئ بذلك بُنىً معرفية وآليات قوة في الدولة الحديثة، محدداً بذلك المقبول والمرفوض، أي القانوني واللاقانوني، الأخلاقي واللاأخلاقي، وبالتالي يصبح الفرد حبيس هذه الأطر المؤسَّساتية، كما في السجن والمدرسة والجيش والمستشفيات.

يُعدُّ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، نقطة تحوُّلٍ مهمةٍ في التاريخ الأوروبي. حيث انتصرت البرجوازية اليعقوبية إبَّان الثورة الفرنسية على النظام الإقطاعي، وعلى بُناه القانونية والأخلاقية، من ضمنها الكنيسة الكاثوليكية، منهيةً بذلك عصر الشمولية وممهدة الطريق للحداثة، ما أدى إلى سيطرة الرغبة على إقامة قطيعةٍ مع الماضي، وتحديد ماهية الأشياء. وبالتالي نشأت تلك القطيعة بطريقةٍ غير قمعية، وهذا ما يميز الدولة البرجوازية عن الشمولية، باعتمادها على مبدأ المناورة والحوار، لضمان استمرارها وسيطرتها من خلال التلاعب، أي اعتمادها على الخطاب. فأصبح المرء نتيجة ذلك يقيم فرقاً ما بين العقل والجنون، بين الطبيعي واللاطبيعي، بين المرض والصحة وبين الشرق والغرب، لتحديد الشخصية الوطنية.

هذا الفرق المستند إلى الخطاب نشأ ليس بطريقة الصدفة، وإنَّما نتيجةً لتراكمٍ معرفيٍّ أو كما أسماه فوكو "أركيولوجيا المعرفة"، التي ترتبط بـ "جينالوجيا السلطة"[1]، أي القوة المتراكمة والمكتسبة من خلال المعرفة أو الـمُنتجة للمعرفة بالوقت ذاته. فالمعرفة هي ليست قوة كما شرحها فرانسيس بيكون (ت. 1626) في القرن السادس عشر، وإنَّما هناك علاقة تبادل ما بين المعرفة المتراكمة والقائمة على التجربة وبين السلطة. فالمعرفة تُنتح نوعاً من السلطة والتي بدورها تحدِّد طبيعة المعرفة الصحيحة من غيرها، ولكنَّ السلطة تُنتج بدورها المعرفة من خلال سيطرتها على المؤسَّسات التعليمية والأكاديمية. فليس من البساطة أن نعرف ما هي المعرفة، وماهي القوة؛ أي السلطة، إنَّما المهم بذلك أن نضع نصب أعيننا في هذا البحث؛ أنَّ هناك علاقة ترابط بين هذين المبدأين، واللذين يستندان في الوقت ذاته إلى مسألة الخطاب والمؤسَّسات المرتبطة به، والمنتجة للإرشادات القمعية والممارسة للعقاب القانوني في حال المخالفة، والمؤطِّرة لوعيٍ جماعيٍّ أو صانعة لثقافة في المجتمع الغربي. في هذا السياق سأطرح مثالاً عن صورة الإسلام لدى الألمان، والتي تستند فقط إلى الخطاب الرائج وما يطرحه من تعميمات في الإعلام والصحافة، لنبرهن على مدى أثر الخطاب في تشكيل الرأي في الشخصية الغربية.

في دراسةٍ أجرتها صحيفة "فرانكفورتر ألغيمانية - فرانكفورت العامة" 2004  بالتعاون مع مركز "الينسباخ Allensbach "[2] للدراسات الثقافية، حول رأي الألمان بالإسلام، كانت النتيجة: أنَّ 93% يرون أنَّ الإسلام لا يمنح النساء حقوقاً، و83% إرهاب، 82% راديكالي، 66% تخلف، 45% مضياف، 39% إنجازٌ ثقافيٌّ عالٍ، 16% رائعٌ ومثيرٌ للاهتمام و6% لطيف.

هذه الدراسة تجعلنا نطرح تساؤلاً حول الإسلام نفسه، فهل هنا يتمُّ الحديث عن الإسلام كموضوع، أم يتمُّ الحديث عن المسلمين كذوات؟ فهل الإسلام هو الذي يمارس الإرهاب أو يكون مضياف؟ فالمتلقي الألماني أو الغربي بشكلٍ عام يقرأ عن الإسلام في الإعلام والصحافة وفي الأدب، ويشكِّل بذلك وجهة نظرٍ معينةٍ معتمدةٍ على الخطاب المنشور في الوسائل الإعلامية، ويثق بذلك الخطاب اعتماداً على تصوره أنَّ النص يطرح دوماً أبستومولوجيا[3]، أي معرفة تجريبية متراكمة وتمتلك بذلك الحقيقة، وهنا تبرز سلطة المعرفة في الخطاب. ولكن في الواقع هو يقرأ عن بنيةٍ تسمى الإسلام، الذي هو بذاته كالشرق أو جزء منه. فالشرق الاستشراقي أي ذلك الشرق الذي صنعه المستشرقون، يعرفه إدوارد سعيد (ت. 2003) على أنَّه بنية ثقافية مصطنعة تتعامل فقط مع التصورات الخيالية، وفي بعض الأحيان مع أفكار عنصرية. فمن أراد الحديث عن الشرق سيدور فقط في تصورٍ محدَّد، مرتبط كثيراً بقصص ألف ليلة وليلة وعلاء الدين وعلي بابا أو الصحراء والنخيل أو العماليق، فهو تصورٌ سخيف، إضافةً إلى أنَّ الجغرافيا وما يستند إليها من إثنيات متعددة لا تأخذ مكان، فيمكن للمستشرق أن يتحدث عن الهند وعن سوريا وعن المغرب فكلُّه شرق وهو كتلة. فإن تحدَّث عن المرأة في الهند، هي الصورة نفسها للمرأة في سوريا، وفي المغرب أو حتى في تركيا فهي شرقية، أي هي تنتمي إلى بنية وتندمج معها كذات وكموضوع. فالإسلام كذلك أيضاً، فمن أراد أن يتحدَّث عن الإسلام لا بدَّ أن يتحدَّث عن الأصولية وعن الشريعة والجهاد. فالإسلام من خلال هذا التصوُّر يعيش أزمة أكبر منها لدى الشرق. فهو لا يُحدَّد جغرافياً، وإنَّما هو عبارة عن كتلةٍ يختلط فيها الإثني والعرقي مع المكاني والتاريخي وحتى السياسي والاجتماعي، وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع تمثيل الإسلام في النص الغربي من خلال تعميماتٍ محددة. فالتعميم هو أساس وعلى علاقةٍ وثيقةٍ مرتبطة بالفكر الاستعماري، فهومي بابا يرى بأنَّ التمثيل وما يستند إليه من تصوراتٍ محددة، هو ميزة العقلية الاستعمارية، التي مازالت مسيطرة حتى في عصر ما بعد الاستعمار، نتيجةً لافتحال التصورات في تلك الدراسة عن الثقافات الاخرى[4].

اعتماداً على الخطاب الغربي عن الإسلام، وما يستند إليه من معرفةٍ تراكمية، والمرتبطة بعلاقات السلطة، نرى أنَّ الإسلام محدَّد بتصوراتٍ معينة، والتي هي نتيجة أزمة في الشخصية الغربية وتمركزها حول سؤال؛ من نحن ومن هم الآخرون؟ والتي هي حبيسة فلسفاتها وعقلانيتها، علومها، تصوراتها وتعميماتها، ولكن على الطرف الآخر نرى أنَّ المسلمين قد صنعوا للإسلام صورة مستندة إلى حدٍّ بعيد على تصورات الغرب. فلو تابعنا السينما المصرية لوجدنا؛ أن تكون مسلم، فهذا يعني أنَّه يجب عليك التكلم بالفصحى وترتدي الثوب الأبيض. ولا ندعو هنا لسلب حرية الفن، وإنَّما يجب على المرء أن ينبِّه، فنحن نبحث في موضوع التعميمات النمطية حول شيءٍ محدَّد يُدعى الإسلام، بالكاد أصبح معروف الملامح، والهدف هو تفكيك عناصر البنى المصطنعة.

كلُّ ثقافةٍ تسعى لأن تحدِّد نفسها من خلال إظهار صورة للآخر، وهذا حقٌّ مشروع. فالغرب يتحدَّث عن الإسلام، والمسلمون يتحدَّثون عن الغرب، وصورة الآخر ممكن أن تتضمَّن النقيض لصورة الأنا، أو تقدِّم له صورة تكميلية، أو تكون بالنسبة له عبارة عن اختلاف، يمكن أن تقبله وتتعامل معه، ولكن بالنهاية استخدام هذه الصورة على أن تكون سبباً لصدامٍ ما بين الثقافات، هو المرعب في الموضوع وليس التصوُّر عن الآخر. لكن أن يكون "الآخر هو الجحيم"[5] هنا تكمن الأزمة. فالإسلام وإن كان يتضمَّن تهديداً لثقافة المسيحية الغربية، على أنَّه يؤطِّر ثقافةً مغايرةً ولأسبابٍ تاريخيةٍ معروفةٍ لا يمكن أن يبقى متمثلاً كعدو. فالمهم بالموضوع أن يكون هناك تقبُّلٌ للآخر، فإن توجب على الجهاديين أن ينبذوا العنف، وهذا صحيح، فيتوجَّب على الغرب أن ينبذ العنف أيضاً، وهذه خطوةُ للتفاهم بين الثقافات، إذ علينا أن نتحاور؛ فسياسة الكلمة هي الخطوة الأولى لسلامٍ عالمي، وليست سياسة التحريض والسلاح هي الحل.

 

التصورات التاريخية عن الإسلام في الغرب

إنَّ التصورات الغربية عن الإسلام تعود إلى فتراتٍ قديمةٍ جداً في الثقافة الغربية، أو بالأدق إلى بدايات ظهور الإسلام وتمدُّده في الشرق الروماني، أي سوريا ومصر ومن ثمَّ إلى القارة الأوروبية، من خلال دخوله لشبة الجزيرة الإيبرية وتأسيسه لممالك الأندلس وتوطُّنه في جنوب أوروبا. فظهور الإسلام كمنافسٍ قويٍّ للغرب بعد سيطرته على ممالكه في الشرق خلق لأوروبا سواء أكانت رومانية أو جرمانية قروسطية؛ أزمة قوية لا بل معضلة يتوجَّب حلُّها حسب التصورات الغربية. فلا يمكن اعتبار محمَّد كأنبياء العهد القديم، ولايمكن أن يكون ابناً للإله كما هو المسيح في الحالة الكاثوليكية. فالنبي محمَّد والإسلام هما وجهان لعملةٍ واحدة بالنسبة للغرب وهى ممثَّلةٌ بفكرة أنَّ هناك شيئاً ما يهددنا.

إنَّ المصادر التاريخية تثبت أنَّ بدايات الحديث الغربي عن الإسلام كان مرتبطاً فقط بشخص النبي محمَّد. ففي الحوليات التاريخية البيزنطية، والتي تعود إلى القرن السابع الميلادي، تمَّ ذكر النبي محمَّد للمرة الأولى في نصوص المؤرِّخ توماس الراهب، شارحاً من هم العرب ومن هو النبي محمَّد؛ على أنَّهم شعوب قادمة من الجنوب وتجتاح الشرق البيزنطي. أمَّا يوحنا بن الغنكي فقد ذكر في حولياته التاريخية: ((أنَّ محمد هو ملك العرب، جلب لهم شريعة على مذاقهم، وأجبرهم مقابل ذلك على عبادة إلهٍ واحد، ووعدهم بالنصر على الممالك، لذلك يسمونه بالنبي، وشريعته بالرسالة، إلا أنَّه النبي الكذاب بالنسبة للعقيدة اليهودية والمسيحية)). أما بالنسبة لتوماس الأكويني (ت. 1274)، وهو فيلسوف الكاثوليكية في العصور الوسطى، مستنداً إلى تصورات القديس ووزير البلاط الأموي في عهد معاوية بن أبي سفيان يوحنا الدمشقي، يعتبر أنَّ النبي محمَّد هو ذلك الشخص المثير للجنون، فهو قد وعد أصحابه بالملذات الحسية من مأكلٍ وجنسٍ وغيرها، حتى كلامه عن قوىً روحيةٍ لم يستند إلى وقائع برهانيةٍ قويةٍ وإنَّما هي ثرثرات يفنِّدها العقل البشري البسيط، وما هو إلَّا شخص جاب بسيفه كاللصوص ربوع الصحراء، حيث خشيته الشعوب هناك، مستهزئاً بهم بقصص وثرثرات ماقبل النوم المأخوذة من حكايات العهد القديم. وهنا نرى مزيج بين العنصرية والانغلاق على الذاتية تجاه الآخر، متمثلاً بوصف معتنقي عقيدة محمَّد على أنَّهم أغبياء وأناس حيوانيين يعيشون في الصحارى ويتقاتلون فيما بينهم لضمان عيشهم وجاهلون بعقيدة الرَّب المسيحي.

استناداً إلى ذلك نرى كيف كان مفكرو أوروبا منشغلين فقط بوصف النبي محمَّد على أنَّه كذاب أو لص، دون أن يطرقوا باباً للحوار. فكيف استطاع أن يندمج المسيحيون في الشرق مع المسلمين القادمين من الجزيرة العربية؟ هنا ليس الهدف بيع بضاعة تسامح الإسلام تجاه الآخرين، وإنَّما برهان على فكرة الحوار كحلٍّ للأزمات الثقافية، فهنا يسعنا أن نطرح مثال مراسلات عمر بن الخطاب مع أهل المدينة المقدسة، أي القدس قبل بسط النفوذ الإسلامي عليها، وهو حوار بين مسيحي الشرق والمسلمين، مما أدَّى إلى تعايشٍ دام إلى يومنا هذا. هنا نرى الشرق بصورته الحقيقية متمثلاً بثرائه الإثني واللغوي والثقافي والديني وسعة صدره وقدرته على دمج العناصر المختلفة، فضلاً عن إيجاد تعايشٍ فيما بينها، وهذا ما يميز الشرق عن الغرب. فالشرق الإسلامي هو الذي تعايش مع المسيحيين طيلة هذه القرون، وفتح أبوابه لليهود الفارين من محاكم التفتيش الكاثوليكية، بعد الفتح الإسباني للأندلس. وهو نفسه الشرق الذي رحَّب باليهود الفارين من معاداة السامية في الغرب، لأنَّه -ذلك الشرق- قرَّر منذ ظهور الإسلام أن يقيم حواراً، وليس عداءً معه، وأن يحتويه كما احتوى غيره من الثقافات.

من الناحية الأدبية الروائية لم تكن صورة الإسلام مختلفة تماماً عما هي عليه على الصعيد الكهنوتي. ففي ذروة العصور الوسطى لم يكن النبي محمَّد إلا جزءاً من ثلاثية إلهية وثنية إلى جانب أبولو وتيرفاغانت، يعتنقها المسلمون في الأندلس. هذا نجده في "أنشودة رولان"، وهي الملحمة الفرنسية الوطنية، وأيضاً في "بارتسيفال" التي تُعدُّ أهمَّ عملٍ روائيٍّ ألماني قروسطي. فالمسلمون لم يكونوا سوى تلك المخلوقات ذات البشرة السوداء، العنيفين والمتميزين بالطمع والمكر والخديعة وحتى الغباء، لدرجة أنَّهم يعبدون قبور الفرسان الصليبين، لأنَّهم ذوي بشرةٍ بيضاء كما في "بارتسيفال". حيث كان كاتبها الشاعر فولفرام فون إيشينباخ كان مطَّلعاً على العلوم الإسلامية، وخاصةً الفلك والجغرافيا منها. والبرهان على ذلك هو ذكره لأسماء الكواكب باللغة العربية، وأسماء مدن في نصِّه إضافةً إلى صلاح الدين في إحدى قصائده الشعرية. وللأمانة العلمية فقد امتدح هذا الشاعر صلاح الدين في قصيدته، ولكنَّ المبرِّر لذلك قد يكون هو أنَّ الثاني أي صلاح الدين هو فارس، وهذا ما يجمعه به ويقدِّره فقط لهذا السبب. أمَّا في روايته لم يكن على استعدادٍ أن يظهر تسامحاً أو قبولاً تجاه الآخر المسلم كذات، وإن اختلف مع العقيدة. فهي تتحدَّث عن أحد فرسان الطاولة المستديرة وهو بارتسيفال الذي يبحث عن الكأس المقدسة، وأحداثها تدور في الغرب كما تدور في الشرق، ولكنَّ الشرق الإسلامي وشخصياته هي عناصر قبيحة، بل مسوخٌ تجوب في المكان، فيصرِّح بأنَّ المرأة الشرقية على الرغم من أنَّها ذات بشرة سوداء فهي لطيفة وملتزمة بالخلق الرفيع، إلا أنَّها لا يمكن أن تكون زوجةً للفارس المسيحي، فهي يكفيها أن تكون عشيقة، لأنَّها ليست على قدر المساواة مع المرأة المسيحية البيضاء لأنَّها وثنية، فهي تمثِّل الشرق والمرأة المسيحية البيضاء تمثِّل الغرب. وهنا ليست فقط نظرة رجل لامرأة، لو أردنا أن نحلِّل الموضوع من ناحية الدراسات النسوية feminism، ونتحايل على المشكلة التأريخية، وإنَّما هي نظرة رجل غربي لامرأةٍ شرقية معتمدة على تعميماتٍ وتمثيلاتٍ للآخرين، وهي نفسها تلك التعميمات عن الشرقيات في القرن التاسع عشر عند فلوبيير (ت. 1880). وفلوبيير هو الشاعر الفرنسي الذي عاش في مصر، وربطته علاقة بكشك هانم بائعة الهوى، جاعلاً منها أنموذجاً عاماً ليس فقط للمرأة الشرقية، وإنَّما للشرق نفسه، فهي ضعيفة وخاضعة ومثيرة للشهوة الجنسية، ولكنَّه عندما يتحدَّث عنها، فهو يتحدَّث عنها كرجلٍ تدعمه أساطيل بلاده الاستعمارية، أي يمتلك القوة، وهنا نرى كيف أنَّ القوة تحدِّد المعرفة عن الآخرين، حتى ولو كانت تعميمات عنصرية. ونفسها النظرة التي حدَّدها غالان 1715 عند ترجمته لألف ليلةٍ وليلة، وهي نفسها صورة العرب والمسلمين في السينما، لا يتغير شيء في هذه الصورة. العرب المسلمون هم العرب العنيفون، القبيحون والسخيفون، لا يتغير شيء سوى الأوروبي الديناميكي. 

في هذا السياق أود أن أطرح مثالاً أدبياً آخراً من عصر النهضة الأوروبية، وهو مثالٌ تمَّ طرحه قبل ذلك من المنظِّر الفلسطيني إدوارد سعيد، في كتابه الاستشراق، حيث خلق نوعاً من الحوار الثقافي الرائع بينه وبين الفيلسوف السوري صادق جلال العظم. المثال هو صورة محمَّد والإسلام بشكلٍ عام في "الكوميديا الإلهية" للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري (ت. 1312)، والتي تعدُّ العمل الأدبي الأهم في عصر النهضة الأوروبية.

دانتي شاعر إيطالي غادر فلورنسا متجهاً إلى البندقية حيث منفاه بسبب مواقفه السياسية، والتي تستند إلى حدٍّ بعيد على الفلسفة الرشدية، التي تعود إلى أفكار الفيلسوف ابن رشد الذي قام بتقديم شروحات لفلسفة أرسطو، والتي كانت من خلال ترجمة تلك النصوص بعد الاسترداد الاسباني لطليطلة، وتأسيسهم هناك مدرسة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، والمعروفة في القارة الأوروبية. حيث تمَّ تدريس فلسفته في جامعة باريس وكذلك جامعة بادوا أعرق الجامعات الأوروبية في العصور الوسطى المتأخرة، ومركز انطلاقة النهضة الإيطالية من الناحية الأكاديمية. على الرُّغم من معرفته بالثقافة العربية، أي دانتي الييغيري، ومن الدليل على ذلك هو ذكره لابن رشد في نصوصه وكذلك صلاح الدين وابن سينا وابن النديم صاحب كتاب الفهرست، فضلاً عن معرفته بالنبي محمَّد وعلي بن أبي طالب. إلا أنَّه لم يكن على استعداد لأن يُظهر أي احترام تجاههم حتى أنَّه قام بتقديمهم حسب تصوراته وتعميماته.

ففي حلقة الجحيم الأولى خلف نهر أشيرون يتقابل دانتي مع شخصيات عدَّة، منها الشاعر اليوناني هوميير صاحب ملحمة طروادة، أرسطو، صلاح الدين، ابن سينا، وابن رشد. فهو يضعهم في خانة اللامذنبين إلا أنَّهم وثنيون حسب رأيه، وبالتالي يستحقون الجحيم. وأما ديدو عشيقة أوديسيوس، وهي نموذج للمرأة الشرقية اللعوب والمثيرة في الأدب الغربي سواء القروسطى أو اليوناني، فهي نجدها في الحلقة الثانية من جحيمه. أما بالنسبة لمحمَّد النبي وابن عمه وصهره علي بن أبي طالب، وهو ما ذكره دانتي أيضاً في روايته، أي هو على اطلاع على الإسلام لدرجة قدرته على التميز في الأنساب والصلات التي تربط النبي محمَّد بعليٍّ وغيره من الصحابة. دانتي يلتقي بهما في الحلقة التاسعة وقبل الأخيرة من جحيمه، أي حلقة الأشرار ومسببي التفرقة بين الناس، فمحمَّد بالنسبة له هو المرتد المسيحي، والذي هاجر إلى جزيرة العرب، واستغلَّ غباء الشعوب هناك وأسَّس كنيسته الوثنية لأسبابٍ سياسية، خالقاً بذلك تفرقة بين البشرية، ومثيراً للحروب والفتن وبالتالي هو يستحق العقاب الذي وصفه دانتي. حيث يعلِّق محمَّد من رقبته، ويتمُّ تمزيقه إرباً إرباً لأنَّه فرَّق من خلال ألاعيبه في الدين بين الشعوب. فهذه التصورات عن النبي محمَّد أثارت جدلية متعلقة بتمثيل الآخر في الأدب الغربي. فقد تمَّ تمثيله حسب التصور الغربي، وليس حسب المعتقد المسلم، وإن اختلف معه في العقيدة فليس من المطلوب منه –دانتي- أن يؤمن بالنبي محمَّد كما يؤمن به المسلمون، وإنَّما احترام الآخر هو ما يتوجَّب على المرء أن يقوم به.

إدوارد سعيد انتقد هذا التمثيل مبرهناً من خلاله على العقلية الاستشراقية حتى في فترة ما قبل الحداثة، مؤكِّداً على فكرة التمثيل حسب التصورات العامة التي تتلاءم مع الشخصية الغربية وليس حسب معتقدات الآخرين. دانتي خلق شرقه بشخصيات وتصورات غريبة، جاعلاً منه شيئاً خارجاً عن المألوف، مشكلاً بذلك مسرحاً منمطاً، ومحدِّدا إياه بتعميماتٍ تتوافق ورغباته، فهو المخرج والممثل والبطل والمدبر للأمر، أمَّا الشخصيات العربية فهي صامتة وتافهة ولا تتلاقى إلا بالمعاناة،  مقدمة بهذه الصورة إلى مشاهدها الغربي، خالقاً بذلك حالة من الرهبة في قلوبهم، جراء مشقة العقاب الذي يتلقاه هؤلاء العرب أي الآخرون، ومن ناحيةٍ ثانية يجعل هذه الشخصيات تتأرجح ما بين الذات الغربية وبين المخلوق الغريب. فمحمَّد ككذاب ينتمي إلى الذات الغربية لأنَّه تمَّ تصوره حسب المفهوم الغربي عنه، لأنَّه أراد أن يكون المسيح، أما كمخلوقٍ غريب فلأنَّه ببساطه ليس المسيح، فهو يقدِّم الصورة المضادة عن الأنا أي عن المسيح، فالمسيح بالنسبة لدانتي هو الغرب، أمَّا محمَّد فهو يمثِّل الشرق. فهنا نرى كيف أنَّ الغرب يقدِّم الآخر الشرقي حسب تصوراته هو، أي تصوراته الغربية، وهذا جوهر الاستشراق. أي إيجاد شرق لا يأخذ حيزاً مكانياً، وإنَّما بنية مركبة ومؤلفة من تصورات مسبقة حسب الفهم الغربي. في هذا السياق يعلِّق الفيلسوف السوري صادق العظم في دراسةٍ تحت عنوان الاستشراق والاستشراق العكسيOrientalism and Orientalism reverse ، على فكرة التمثيل، معتبراً إياها ليست خاصية غربية، وإنَّما ظاهرة ثقافية عامة. فالمسلمون يصورون المسيح على أنَّه نبي الله كما النبي محمَّد، وهذا التصوُّر يوافق معتقداتهم، فيما الغربيون يمثِّلون النبي محمَّد على أنَّه كذاب، وهذا يوافق تصوراتهم القروسطية. ولكن مع احترامي الشديد للدكتور العظم، أود أن أطرح هنا مسألة الأخرويةalterity . فأخروية الآخر أي الشرق أو الإسلام هي التي تشكِّل محور هذا التصور، وليس فكرة طرح الآخر من خلال الفهم العام الذاتي.

في بعض النصوص الغربية القروسطية كان يتمُّ تصوير المجتمع الشرقي أو ما يسمى تماماً بمجتمع الصحراويين -هنا لا أعني دولة الصحراء المحاذية للمغرب، وإنَّما هو الاسم الذي أطلقه الغربيون على العرب في الأندلس، على أنَّهم شعوب الصحراءsarazene - من خلال الفهم الغربي أي هناك ملك وفرسان ودروع وهرمية حاكمة تماماً كما هي الحال عند الملك آرثر. أما مبدأ المغايرة أي الأخروية، فهو العلامة المميزة للفكر الاستشراقي والذي أنتج صورة الشرق كما أنتج صورة الإسلام مستنداً إلى نمط فكر محدد عن الموضوع الشرقي، وموجداً بذلك جوهراً متبايناً تماماً من الناحية الوجودية والمعرفية بين الشرق والغرب. أما تمثل الآخر من خلال الفهم الذاتي للأشياء وطرح الاختلافات ليس هو المشكلة، فمثلاً وللاعتراف بأنَّه كان هناك بعض المحاولات في الأدب الغربي لطرح فكرة الفروقات مع الآخر استناداً إلى الفهم الذاتي للشيء. ففي ملحمة وليم الصليبية، طرح الشاعر فكرة أنَّ هؤلاء الوثنيين أي المسلمين هم أناسٌ مثلنا من صنيعة الرب، وهم لا يعرفون التعميد الكاثوليكي، ولكنَّهم يختنون الأولاد وهذا هو تعميدهم. فهو طرح من خلال التعميد، الاختلاف مع المسلمين ولكنَّه لم يطرحهم على أنَّهم المغايرون في الجوهر والوجود. فهذه هي النقطة المهمة في الاستشراق، وما نعمل عليه هنا هو نقد البنى الاستشراقية فيما يتعلَّق بموضوع الإسلام. فالإستشراق يعمد إلى إظهار الآخر ليس فقط من خلال الفهم للذات الطارحة، وإنَّما من خلال إضفاء صفاتٍ وتعميماتٍ معينة وهي مهينة في كثير من الأحيان تجاه الآخرين، وهذا التصور ليس فقط في العصور الوسطى أو عصر النهضة كما في حال دانتي، وإنَّما تطور وتدعم في عصر الحداثة من خلال النظريات الدروينية وغيرها من نظريات التطور والتصنيف، وهذا ما يقودنا للحديث عن التصورات الغربية عن الشرق في العصر الحديث.

 

التصورات الغربية عن الإسلام في العصر الحديث

إنَّ النظرية التي أسعى للبرهان عليها من خلال هذه الدراسة بشكلٍ عام، وفي هذا القسم منها بشكلٍ خاص، اعتماداً على أنَّ العصر الحديث هو فترة نمو الوعي الغربي المستند إلى مبادئ البحث العلمي في طرح الأشياء، وابتعاده عن الذاتية والعقلية القروسطية، وما ينتمي إليها من أساطير مسيحية، هي فكرة الأخروية في تمثيل الشرق و إبرازه على أنَّه الآخر في الجوهر والوجود بالنسبة للشخصية الغربية. هذا التمثيل يعتمد على مبدأ المعرفة والسلطة اللتين تلعبان دوراً هاماً في العلاقة بين الغرب والشرق كبنية من صنيعه، وتستندان بشكل مباشر إلى مبدأ الهيمنة Hegemony، أي هيمنة الغرب على الساحة السياسة العالمية إبَّان الحقبة الاستعمارية وحتى الآن. إن صورة الإسلام وحسب ما سنراه لاحقاً تتأرجح بين الصورة الإيجابية التي سوف تسعد القارئ للوهلة الأولى، والصورة السلبية المثيرة للغضب، ولكن من حيث المضمون تقدم تلك الصورة سواء بحلَّتها الإيجابية أو بحلَّتها السلبية التضاد مع الغرب، فالمهم هو تحديد الشرق الإسلامي في الوعي الغربي على أنَّه لا أنا أي أنا الغرب.

في عام 1704 قام المستشرق الفرنسي أنطوان غالان بترجمة نص "ألف ليلة وليلة" إلى الفرنسية، ومنها كالنار في الهشيم انتقلت إلى كافة اللغات الأوروبية، ليحقق ذلك الكتاب ولمدة تزيد على عشر سنوات أفضل المبيعات. من خلال هذه الترجمة أدخل غالان الشرق وعن طريق أدب التسلية إلى الوعي الأوروبي. حتى أنَّه في القرن الثامن عشر وفي فرنسا لوحدها تمَّ نشر ما يقارب سبع مائة أقصوصة تعتمد في حبكتها وعناصرها المكانية والزمانية وحتى الشخصيات على "ألف ليلة وليلة". بذلك مهَّد غالان الطريق لاكتشاف الشرق، والذي وصل ذروته مع الحملة الفرنسية على مصر والتقاء الثقافة العربية الإسلامية مع الثقافة الغربية مرة أخرى في اطار المنافسة والصراع. إن شرق "ألف ليلة وليلة" وما يحمله من تصورات مرتبطة بالشهوة الجنسية، مفعمة بشبق ذكوري ونساء لعوبات حسناوات وغلمان يتراقصون، إضافة الى سحر وشعوذات وأساطير وعوالم غريبة مليئة بالجن والعفاريت، وشخصيات عجيبة كعلاء الدين وعلي بابا وسندباد وبساطه السحري، كلها جعلت من الشرق مادةً للأدب الغربي وحديث لصالونات عصر التنوير التي تبحث عن متنفس وملاذ من أخلاقياتها البرجوازية، ما جعل من الشرق، ليس فقط من خلال الترجمة وإنَّما من خلال الأدب والموسيقي والفن اللوحي، مادة مهمة لشعراء عصر التنوير والكلاسيكية الأوروبية وحتى الرومانسية التي تبحث عن الأساطير كمحور حديث لها، وذلك أدى إلى شرقنة الشرق وإضفاء كل ما هو غريب وغير أخلاقي إلى شخصيته الشرقية.

في عصر التنوير الأوروبي حيث كان هناك مساعٍ لأسباب العداء مع الكنيسة أو التعسفية السياسية، يلحظ المرء نوعاً من تسامح المفكرين الغربيين مع الآخرين، ولاسيما الشرق الإسلامي، ولكن دوافع هذا التسامح تتمحور حول بحث مفكري التنوير عن البديل لما هم عليه، وذلك بخلق عوالم مليئة بالتصورات المقولبةImagination  حيث يأخذ الشرق حيزاً مكانياً للأحداث، أو تتكلَّم شخصيات شرقية، ولكن تلك الشخصيات لا تخرج عن المفهوم الغربي للشرق.

في الرسائل الفارسية lettres persanes، للكاتب الفرنسي مونتيسكيو (ت. 1755) المنشورة عام 1721 على شكل 160 رسالة وهمية بين رجلين فارسيين، يدور حوارٌ بينهما عن الأوضاع السائدة في أوروبا وخاصةً فرنسا إبَّان نهاية عصر حكم الملك لويس الخامس عشر الذي كان منشغلاً مع عشيقته السيدة بومبادو، تلك السيدة التي أطلقت على نفسها اسم السلطانة، والتي كانت تتمتَّع بتناول القهوة المقدمة من الزنوج أي الشرقيين، وكتبت هذا على لوحتها البورتريه في غرفة نومها. ويسعى الكاتب من خلال هذه الرسائل، إلى إيصال نقد للمتلقي الأوروبي من خلال تجربة الآخرين في أوروبا نفسها، فهو يصور الوضع من خلال الفهم الذاتي للقاص، الذي يعرف الشرق من خلال أدب الرحلات، ويحاول أن يعرض أوروبا وأزماتها أيضاً من خلال أدب الرحلات ولكن بشخصيات شرقية، كما هو الحال في أدب الرحلات الغربي، حيث الشخصيات المتحدثة عن الشرق هي أيضاً غربية. لكن تلك الرسائل تتناقل من خلال نساء الحريم الفارسي، وهنا نرى كيف أنَّ الكاتب ينتقل من الفهم الذاتي للأشياء، إلى مبدأ التصور والتعميم عن الآخرين. فهو يسعى من ناحية أن يظهر الطهارة المسيحية، بالمقارنة مع الفسق الإسلامي، ومن ناحية أخرى يدور في إطار التصورات العامة  Stereotypsعن الشرق، والمتأثرة بكليشيه "ألف ليلة وليلة".

وعلى هذا المنوال نفسه يعرض فولتير (ت. 1778) صورة الشرق، ففي مسرحيته "صادق أو المصير، قصة شرقية -Zadiq, ou la destinée, Histoire orientale "، يقفز إلى عوالم الشرق ما قبل الإسلامية وبالأخص البابلية منها ليعرض مشكلة البحث عن الحب والحظ في الحياة، وينتقل منها إلى أحجية جدلية عن التسامح والتعايش بين مختلف الناس، ممجِّداً "كتاب الموتى" عند المصريين القدماء. وبذلك نرى حجم الأثر الذي تركته منشورات البعثات العلمية السابقة لفترة الغزو النابليوني لمصر على تشكيلات الغرب لشرق. أما في مسرحيته "محمَّد" فهو يعمل على نقد فساد الكهنوت المسيحي في فرنسا، ولكنَّ الكاتب هنا يتخفَّى خلف شخص النبي محمَّد على أنَّه ذلك الفاسد الكبير في الفهم الأوروبي للفساد، فلم يكن هناك أي تعاطف مع الشرق الإسلامي، إذ أن يكون هناك دعوة للتسامح، لا يعني ذلك أن يكون هناك تقبل للإسلام، فالإسلام كان ومازال هو الآخر.

أما "ناتان الحكيم" للمسرحي الألماني غوتهولد أفراييم ليسينغ (ت. 1781)، فهي العمل الأكثر إنصافاً للمسلمين، فضلاً عن كونها عملاً إنسانياً أدبياً عظيماً، وحتى الأكثر شهرةً من بين جميع أعمال أدب عصر التنوير الألماني، لكن للأسف لم تحز على حقها في التلقي العربي حتى الآن، لأسباب سياسية معروفة معنونه تحت رفض التطبيع. هذه الدراما و لكونها تأخذ من ناتان اليهودي شخصية محورية لها، عُدَّت على أنها دعاية صهيونية في عصر الصعود القومي العربي مما أدى إلى منع ترجمتها وحتى عرضها، فليس هناك سوى ترجمة قديمة لها تعود إلى العام 1936، حتى أنَّ هذه الترجمة غير متداولة في السوق العربي. ولكن للأمانة العلمية وحسب موقع قنطرة للحوار مع العالم الإسلامي فإنَّه تمَّ عرضها في مصر عام 2004 ولكنَّ العرض كان يمتاز بالعيوب الكبيرة التي تعزوها الناقدة إلى أسباب الترجمة القديمة للنص، فالذهنية الشمولية التي ربطت نفسها بالقومية العربية قد جعلت من كل ما هو مرتبط باليهودية على أنَّه دعاية صهيونية، مما أدى إلى قلب الأوراق وأثارت الشعور بالكراهية المستمرة للعنصر اليهودي، نحن لا نبرأ إسرائيل من جرائمها بحق الشعب الفلسطيني ولكن علينا أن نقيم فرقاً ما بين الادب والسياسة وبين الصهيونية وإسرائيل واليهودية، فما نطلبه من العالم بحيث يقيم فرقاً بيننا كعرب وبين الإسلام من جهة، والجماعات المتطرفة الإسلاموية من جهة أخرى، علينا أيضا أن نلتزم به، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا ولا نتعامل مع الآخر من باب عقدة الشعور بالاضطهاد، وإلا لما لزم أن تتمَّ تلك الدراسات المنتقدة للاستشراق، فالتعامل مع الأدب اليهودي أو الثقافة اليهودية يأخذ الشكل نفسه الذي يأخذه الاستشراق في تعامله مع المسلمين من حيث القوالب الجاهزة والشعور بالعداء والكراهية. مهما يكن فدعوات التسامح والسلام نحن بأمس الحاجة لها هذه الأيام لعلَّها تلقى آذان صاغية. في هذه الدراما تدور الأحداث بعد الفتح الإسلامي للقدس، وهي الفترة التي التقت بها المسيحية الأوروبية، مع الإسلام وحتى اليهودية. وخلاصة القول؛ تتمحور الأحداث حول أحجية الخواتم الثلاث التي يقصُّها ناتان اليهودي على صلاح الدين الأيوبي، الذي كان دائماً ما يقلقه سؤال فلسفي عن العقيدة، ويشغله معرفة أي دين هو الصحيح؟ ويصل بذلك إلى إثبات أنَّ تلك الخواتم، والتي ترمز إلى الأديان، كلها من صنع رجل واحد، وبالتالي كذلك الأديان كلها من صنع إله واحد، والمهم في الأمر هو الإخلاص في عمل الخير للرب، وليس التمحور حول معتقدٍ محدَّد، فهذا العمل الخيِّر هو مقياس الثواب عند الله. إذ في يوم من الأيام سوف يقف الجميع أمام ذلك الإله، ليُسأل عن فعل الخير بغضِّ النظر عن المعتقد، فالخير والحق وحتى الجمال هي الأهداف الأسمى للإله، والتي يتوجَّب على الإنسان أن يسعى له. وفي هذا السياق أودُّ أن أذكر  الأثر الإسلامي على ليسينغ في طرحه لتلك الأحجية، والتي تعود بالأساس إلى "الديكاميرون" لبيكاشيو (ت. 1375) في القرن الرابع عشر. فليسينغ يطرح تلك الأحجية، ولكن يتمِّمها من خلال مبدأ الثواب حسب المعتقد الإسلامي، أي ذلك الثواب القائم على الإخلاص لله والمحبة للآخرين، وهنا لو أردنا أن نبحث عن مصادر هذا التصور لوجدناه متطابقاً تماماً مع نص الآية 48 من سورة المائدة، وهو ما ليس موجوداً في الأصل الديكاميروني.

هذا التسامح نجده أيضاً على المستوى الفلسفي، فبالنسبة لهيغل (ت. 1831) فالشرق هو أساس الحضارة الغربية، وأنَّه لو أراد الغرب أن يبحث عن جذوره فعليه الذهاب إلى الشرق. حتى على المستوى الموسيقي نرى تأثر موتسارت (ت. 1791) بالشرق، ليس فقط شرق ألف ليلة وليلة المليء بالشعوذات والصور العجيبة، كما هي الحال في الناي السحري فحسب، وإنَّما أيضاً في موسيقى ألّا توركاalla turca ، حيث تأثَّر بالموسيقى التركية المفعمة بالحركة والمحفِّزة على الرقص، وخاصةً الرقص المثير الذي يميز الرقص الشرقي عن الغربي في ذلك العصر، ومن دون ابتذال حتى يومنا هذا، لكنَّ هذا التسامح يتبخَّر مع حديث المركزية الأوروبية وتمحورها حول مبدأ الذات.

فريدريش شيلر (ت. 1805)، وهو الشاعر الألماني الذي عايش الانتقال من عصر التنوير عبر عصر العاصفة والاندفاع، والذي كان ردُّ فعلٍ في المستوى الأدبي على أخلاقيات البرجوازية التنويرية، بالقرن الثامن عشر وحتى الربع الأول من القرن التاسع عشر، ومن كل ذلك إلى الكلاسيكية وكذلك الثورة الفرنسية. يرى شيلر شعوب الأرض على اختلاف أجناسهم، أنَّهم الأولاد المتراصون حول أبيهم لفهم ما يجري من أحداث، وأوروبا بذلك هي الأب اليافع والملمِّ بالوعي والفهم والبالغ العاقل، بالنسبة لشعوب الأرض المتخلفة وضيقة النظر، والتي تحتاج إلى من يمثِّلها[6]، فهؤلاء لا يستطيعون تمثيل أنفسهم (وهي جملة كتبها كارل ماركس عن الشرقيين في رسالة موجهة إلى لويس بونابرت[7] في منتصف القرن التاسع عشر). فهنا نرى أنَّ عصر التنوير وجمالية عصر التنوير في عرض الشرق والإسلام لم تدم طويلاً، وتداعت مع اتساع المركزية الأوروبية ونشأة عصر الاستعمار الذي حدَّد صورة الإسلام والشرق إلى يومنا هذا.  

إنَّ ما يميز التصورات الغربية عن الإسلام في القرن التاسع عشر، هو تأرجحها بين صورتين إحداهما تبدو إيجابية، ومستندة إلى حدٍّ قريب على تصورات عصر التنوير والرومانسية الغربية بشكلٍ عام، وهي لا تعدو أن تكون تصورات وهمية مصطنعة، أوجدت للشرق صورته الشرقية الكلاسيكية، وصورة أخرى عنصرية مستندة إلى التفوق الغربي نتيجة الاستعمار. في هذا الصدد تواجهنا أمثلةٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فليس هناك موضوع تمَّ الحديث عنه في الأدب الغربي بشكلٍ خاص، والفن بشكلٍ عام، كما تمَّ الحديث عن الشرق والإسلام. لذلك سوف نسعى لطرح أمثلةٍ تتميز بالوضوح في عرضها للموضوع الشرقي الإسلامي، وخاصةً فيما يتعلَّق بفكرة الأخروية والتصورات الوهمية Alterity and Imagination، اللتين تحدِّدان ملامح الشرق وتعرضانه بتلك الصورة في مختلف وسائل النقل المعرفي، القديمة منها ممثلة بالأدب والفن اللوحي، والحديثة ممثلة بالسينما والإعلام.

في بداية القرن التاسع عشر وخاصة مع نهاية الحملة الفرنسية على مصر، وما لحقها من اكتشافات وأعمال أكاديمية عن الشرق، أصبح الشرق الإسلامي حديث العصر، لا بل نوع من الموضة في الفنِّ اللوحي والموسيقي والشعري، وتطورت بذلك أسطورة الشرق على أنَّه مكان الشهوانية والانحطاط الخلقي. فكان تمثيل مشهد الحريم موضوعاً محورياً في الفن اللوحي الغربي خلال القرن التاسع عشر. ومن أشهر الأعمال المرتبطة بالموضوع، كان عمل الفنان الفرنسي ومدير الأكاديمية الفرنسية للفن الزيتي جان دومينيك انغريس 1867، والمسمَّى بالحمام التركي، والتي قام برسمها في عام 1863، واضعاً بذلك التصور الغربي عن الشرقيات العاريات المتراقصات والعازفات للموسيقى، ومكتنزات الصدور في حريم السلاطين العثمانيين، أمام أعين المتلقين الغربيين، مُدخلاً  بذلك في وعيهم صورة المرأة المسلمة. أمَّا على صعيد فنِّ العمارة فأصبح هناك نوعٌ من الشغف بالعمارة الإسلامية الشرقية في بناء المتاحف، ودور البلدية والمصانع كما في مصنع التبغ في دريسدن، والمطاعم والمقاهي كما في مقهى القهوة في لايبزج، وحتى المعابد اليهودية في برلين وباريس، وكذلك الفِلل والقصور ودور كبار الدولة، كلها تأثَّرت في نمطها المعماري بالنمط الإسلامي، حتى أنَّ الرائي يظنُّها للوهلة الأولى مساجد إسلامية في قصور أوروبا وهذا ما شعرت به عند رؤيتي لمصنع التبغ في دريسدن ولكن كنت على معرفة مسبقة بمحتوى هذا البناء، أو كما في قصر شفتسنغن Schwetzingen، حيث تتواجد في حديقته صرحاً معمارياً رائعاً، بُني على نمط مسجد دون أن يكون في يوم من الأيام دار عبادة للمسلمين. كذلك قصور ملك بافاريا لودفيغ الثاني، وهي القصور التي تتميز بصورتها الرومانسية وطابعها الخيالي، وخصوصاً قصر نوي شفانشتاين Neuschwanstein، وهو الملهم الأساسي لقصر سندريلا في أفلام الرسوم المتحركة، وهي أيضاً علامة ديزني.

ومن مظاهر الشغف الأخرى بالشرق، كان احتواء رجال وغلمان ملونين، يرتدون ثياب شرقية، ليكونوا مظهراً مهما في بلاطات ملوك أوروبا كتحفةٍ فنية. كما في حال سلمان، وهو طفل من السنغال عاش في البلاط النمساوي، مرتدياً الثوب العثماني، ووصل بذلك إلى مراتب عليا في البلاط، إلا أنَّه بوفاته قد فقد قيمته الشرقية، وبالتالي عاد إلى تصنيفه كأسود، أي ينتمي إلى منزلة الحيوانات المقتناة حسب التصورات المتبعة في ذاك الزمان، وعلى هذا تمَّ تحنيطه ووضعه في متحف فيينا للحيوانات العجيبة، حتى نشوب الحرب العالمية الأولى، وباحتراق المتحف انتهت قصة جسده ومنها أيضاً قصته.

أمَّا في الفن الموسيقي فكان للشرق مكاناً بارزاً. فإلى جانب أوبرا موتسارت "الخطف من دار الحريمEntführung aus dem Serail "، كان الشرق عنواناً مهماً للموسيقار الرومانسي الإيطالي فيردي (ت. 1901)، في أوبرا "عايدة" التي لحَّنها بمناسبة افتتاح قناة السويس 1869، بأمرٍ من خديوي مصر إسماعيل باشا. وكذلك بالنسبة لروبرت شومان (ت. 1856) في أوبرا "الفردوس ومحيطه" وهنا قاصداً الشرق. فالجنة حسب التصوُّر المسيحي توجد في الشرق بين دجلة والفرات، وغانغس في الهند، وبذلك أحيا شومان التصور المسيحي عن الفردوس، وعلى أنَّه مكون شرقي في عصر العقلانية الأوروبية، ومذكراً بسحر الشرق وأهميته بالنسبة للتراث الغربي المسيحي.

أمَّا على الصعيد الأدبي، فكان الشرق الإسلامي مكاناً للفرار من هموم الحياة الغربية الحديثة، وما نتج عنها من تشويه للطبيعة إثر انتشار الحداثة والمكننة. فهنا نرى الشاعر الألماني الشهير والأهم في تاريخ الأدب الألماني، والمسمَّى بالعبقرية العالمية فولفغانغ فون غوته (ت. 1832) يفرُّ من مآزق ألمانيا السياسية آنذاك، ويهرب روحياً إلى الشرق، ليتصادق مع الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، الذي سبقه بنحو خمسمائة عام. فعبَّر عن عشقه للشرق الإسلامي في ديوانه "الشرقي الغربي"، مستلهماً من حكايات ألف ليلة وليلة صورته الشرقية، ومستنداً أحياناً أخرى إلى قصص النبي، حتى أنَّه شبه هروبه من الواقع الألماني آنذاك بهجرة النبي محمَّد إلى المدينة.

أما بالنسبة للأدب اليهودي في ذاك العهد، ولأسبابٍ مرتبطةٍ بمعاداة السامية في أوروبا، كان للشرق الأندلسي مكاناً بارزاً وملاذاً روحياً آمناً، والتباكي على أيام قد خلت كان فيها اليهودي يعيش بأمان في ظلِّ الحكم الإسلامي. في عام 1821 قام الشاعر الألماني ذو الأصل اليهودي، والمعمَّد إلى المسيحية لأسبابٍ سياسية، هاينرش هاينه (ت. 1856)، بتأليف "تراجيديا المنصور"، وهو عمله الأدبي الأول الذي قاده إلى النجومية آنذاك، ملقياً بذلك الضوء على التسامح الإسلامي مع الآخرين، مبطناً بذلك نقد للتعسف المسيحي الكاثوليكي القروسطي والعنصرية القومية الغربية للقرن التاسع عشر، كونه عصر القوميات الأوروبية، ناعياً بذلك أياماً قد خلت. المسرحية تتحدث عن الفترة اللاحقة مباشرة لسقوط غرناطة، ويعرض بذلك الموقف الإسباني اتجاه من تبقى من السكان المسلمين (الموريسك)، حيث لم يعد يُسمح لهم بممارسة دينهم في عهد الملوك الكاثوليك. فهذه التراجيديا تحمل أيضاً تنبؤات لأحداث مستقبلية، فالشاعر استلهم من مسألة حرق الكتب العربية وخاصةً القرآن في إسبانيا، تخوفاته من حدوث مأساةٍ بشريةٍ تبدأ بحرق الكتب وتنتهي بحرق البشر، وهو ما حدث في المحرقة اليهودية بعد تلك التراجيديا بنحو مائة عام، إبَّان النازية الألمانية. حتى في تلك الفترة كان المعادون للسامية يسمون اليهود على أنَّهم مخلوقاتٍ شرقية، وشايلوك اليهودي في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير، كان دائماً ما يتمُّ تمثيله على خشبة المسرح الألماني حتى نهاية القرن التاسع عشر بثيابٍ شرقية لا بل إسلامية، فهو خبيث وحقود ومحب للمال، فهو ليس غربي فهو شرقي أي الأخر.

إنَّ الاستعمار الغربي للشرق الإسلامي، مهَّد الطريق لرغبةٍ أوروبيةٍ جامحة إلى رؤية ذلك الشرق العجيب، وما به من أساطير وملذَّات بالعين المجردة. وبالتالي اندفع العديد من الغربيين، وخاصةً الإنكليز، والفرنسيين وبعدهم من الناحية الزمنية الألمان، الذين جاؤوا بسفنهم لاكتشاف ذلك الشرق، ليصابوا بخيبة أمل لأنَّ شرقهم لم يكن موجوداً، بل كان هناك شرق آخر لا يوجد فيه بساط ريح ولا جن ولا عفاريت، ولا حتى أسواق حريم وغلمان وعبيد كما هو في لوحاتهم الفنية بل كان مجتمع له عاداته وتقاليده وله مشاكله وأزماته. فالشرق الاستشراقي لا يأخذ مكاناً في الواقع، لأنَّه مجرَّد تصورات غربية. إنَّ مسألة العبودية أو الرق في الإسلام وكذلك الحريم هي مسألة مهمة لدراسة. فمن ناحية لا يمكن أن نخفي حقيقة أن في التاريخ الإسلامي كانت العبودية موضوع ينتمي إلى بنية المجتمع شأنه في ذلك شأن معظم الحضارات القديمة ولكن عند دراسة تلك الظاهرة سوف نقع في مطب الاستشراق حيث معظم من كتب عن هذا الموضوع هم المستشرقون الذين درسوا أحوال المجتمع العربي. فهنا نحن أمام ثلاث خيارات، أما أن نرفض تلك الدراسات لما فيها من بقايا استعماريةٍ وانحيازٍ عنصريٍّ تجاه الثقافة العربية، وهذا ما لا يُقبل به، فالمنع هو سياسة فاشية بامتياز لا تتفق مع حرية الفكر، أو أما أن نقبل تلك الدراسات على علاتها وهنا سوف نكون كالببغاوات التي تكرِّر ما كتبه الاخرون عن ثقافتنا وينتهي بنا المطاف كتوابع لسادة المستشرقون، أو نتعامل مع هذا الموضوع مستندين على أسسٍ ديكارتيه بحته أي على مبدأ الشك بالمعرفة للوصول إلى "اليقين"، نأخذ من دراسات الاستشراق ونقارنها مع نصوص الأدب العربي. فالأدب هو الذي يحمل في طياته الوعي الجمعى وبذلك يعكس الحياة العامة في فترةٍ تاريخيةٍ ما، فالتاريخ يُكتب من خلال الأدب والجغرافية هي صنيعة الأدب، كلُّ شيءٍ يدور في فلك اللسانيات والبنى اللغوية، وهو ما ذهب إليه هايدن وايت في نظريته المتعلقة في كتابة التاريخ، فلو أردنا أن نعرف موضوع الحريم والغلمان في الإسلام  لماذا لا ندرس أدب أبي نواس مثلاً، فمن منا لا يعرف قصيدة طوق. بشكلٍ عام هناك الكثير الذي علينا دراسته في تاريخنا العربي، فدراسة التراث الإسلامي من منظورٍ جديد موضوع نحن بأمس الحاجه اليه.

غوستاف فلوبيير يُعد المستشرق الرومانسي الفرنسي الأهم في الفترة الاستعمارية، حيث قام بعد زيارته لتونس بكتابة روايته "سالامبو"، محققاً بذلك الشهرة في بلاده. أحداث الرواية تتمحور حول ثورة المرتزقة في قرطاجة بعد حروبها البونيقية الأولى[8] ضد روما، حيث فشلت الحكومة آنذاك بدفع تعهداتها تجاه المرتزقة، والذين أقدموا كردِّ فعلٍ على سرقة الوشاح المقدس لقرطاجة، مما دفع سالامبو ابنة قائد الجيش لدخول معسكر المرتزقة لاستعادة الوشاح، وانقاذ بلادها من غضب الآلهة. إنَّ النموذج الذي استند إليه فلوبيير في عرضه لشخصية سالامبو كان كشك هانم[9]، والتي كانت عشيقته وغانية تعرَّف عليها في وادي حلفاية في مصر قبل سفره إلى تونس، وكانت بالنسبة إليه نموذج الشرق نفسه بما فيه من متع ونزوات وتخيلات وأنوثة. فالشرق الإسلامي بالنسبة لفلوبيير كان ذلك المكوِّن الضعيف الذي يحتاج إلى من يساعده، وهو سلبي بينما الغرب يمثل الطاقة الخلاقة، وهو الإيجابي والذي يمتلك السيطرة على الأمور، لأنَّه يتميز بالعقلانية والمعرفة والذكورية، بينما الشرق يتميز بحبه للخرافات، لا بل هو عالم الخرافات بحدِّ ذاته، والتسلية وما فيه من أناس يندمجون ذاتاً مع الموضوع الشرقي، وبالتالي يصبح موضوع الشرق الإسلامي هو نفسه الذات الإسلامية، وكلَّها محددة بتصوراتٍ معينة تمنح ذلك الشرق حقيقته، في الوعي الغربي من الناحية المعرفية والوجودية.

هذه الصورة تطوَّرت على يد كارل ماي (ت. 1912) الألماني فيما بعد، بكل ما تحمله من عنصرية ودعوات إمبريالية كولونيالية، وكان ماي مشهور بكذبه واحتيالاته، التي تصل حتى إلى السرقات الأدبية وتحوم الشبهات حوله فيما يتعلق بلقبه الأكاديمي الذي أسبغه على نفسه، وإدعاءاته بأنَّه مترجم لعلم الجدل العربي والتركي والكردي والهندي، وهو لم يكن يوماً من الأيام في الشرق، إلا أنَّه رأى في الشرقيين أولئك الحمقى الذين لا يفقهون شيئاً، أما بطله الألماني في قصص الرحلات Reiseerzählungen )وهي مجموعة من القصص نشرها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتمَّ فلمنتها في ستينيات القرن الماضي حيث كانت تعرض على تلفاز ألمانيا الغربية في عطلة نهاية الأسبوع). كارا بن نمسي يتميز فإنه متعدِّد المواهب (كارل ماي ترجم الكلمة بنفسه على أنَّها تركية، وتعني كارل ابن الألمان، إلا أنَّنا نذهب إلى القول؛ إن الأصح هو ابن النمساويين). المهم بالأمر، أنَّ بطله كارا قام بزيارة الشرق الإسلامي من بغداد إلى إسطنبول، وعبر الصحراء إلى كردستان، ومنها إلى فارس أو كما أسماها بلاد المهدي. أمَّا تلك الشعوب فكانوا يعانون من الفقر المدقع، ومحكومين بقادة يتملَّكهم فقط الغضب، بلهاء ولهم عيون جاحظة وأوجه سوداء، يتقاتلون فيما بينهم بسيوفٍ معقوفة كالتي نشاهدها في أفلام ديزني، أضف إلى ذلك أنَّ الفرس خبثاء كالحيوانات الزاحفة، والأتراك كسالى، والأكراد يحبون اللصوصية، وهم مجرمون بالطبع، أمَّا العرب فحمقى وثرثارين، والأرمن لا حياء عندهم ولا عادات تحكمهم. وكل هذه التصورات تعتمد بشكلٍ غير مباشر على مبدأ الدروينينة، وما يستند إليها من تصنيف للأعراق وتبريرات للاستعمار، على اعتبار العرق الغربي متفوقاً بالطبيعة، وبالتالي يقع على عاتقه مهمة تطوير الأعراق الدونية ومنها الشرقية بالطبع.

 بهذه العقلية الاستعمارية دخلت البشرية في قرنها العشرين، وكذلك الشرق الإسلامي، حيث كان رازحاً من الناحية الجغرافية تحت هيمنة الاستعمار البريطاني والفرنسي، أمَّا الشرق الإسلامي من الناحية الخطابية لم يعد تصويره يعتمد فقط على المنتج الفكري الأوروبي، لا بل انتقل إلى العالم الجديد، مع انتقال الهيمنة الدولية إلى القارة الأمريكية. إذ أصبح لأميركا مصالح مختلفة عما كان لبريطانيا وفرنسا وحتى ألمانيا وإسبانيا، ولكنَّ هذا الخطاب بانتقاله جغرافياً وبسبب تراكميته الزمانية، والمحددة بعناصر تاريخية ومعرفية ووجودية تختلف من مناطق انطلاقها الأوروبية، عنها في مناطق الاستقبال الأميركية، ليتعرَّض عند هذه النقطة لنوع من الانكسار، و هو ما عرَّفه فوكوه فيلسوف الخطاب، على أنَّه هوة معرفية تصيب الخطاب ذاته في مرحلة نقل المعرفة من نقطة ألف إلى نقطة ب Transformation لذلك تشكيلات الخطاب وما يستند إليها من تصوُّرات وتحديدات للعنصر المتداول في الخطاب، هي ما يتوجب دراسته لكشف عناصر هذه الهوة ودمجها بمنابع الخطاب. فخطاب الغرب الأميركي عن الإسلام يتحدَّد بتشكيلاتٍ وتعميمات عامة تشبه عناصر منبعها الأوروبي. ففي الخطاب الأميركي عن الشرق الإسلامي تراجعت الصورة الخيالية عن الشرق، فلم يعد الشرق مكان الملذات الحسية، وليس هناك أسواق للحريم والغلمان وإنَّما إمَّا لأسبابٍ مرتبطة بأزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، وما نتج عنها من شعورٍ بالتهديد للمصالح الأميركية، أصبح الشرق الإسلامي يُحدَّد بشيوخ العرب الأثرياء والمبذِّرين، أو بسبب المقاومة الفلسطينية فكان الشرق الإسلامي يُختصر بصورة العرب الإرهابيين، أو بسبب الثورة الإيرانية وما لحقها من صدمةٍ في الوعي الغربي تجاه العالم الثالث وخاصةً الإسلامي، الذي استعاض بمكوناته الإسلامية عن الغربية الدخيلة لإتمام حداثته، وما نتج عن هذه الثورة من أزمةٍ للرهائن التي أصابت الغرب الأمريكي، فأصبح الشرق يدور حول صورة تلك النساء الإيرانيات المتسربلات بثيابهنَّ السوداء. فالشرق الإسلامي حسب التصور الأميركي يندمج ذاتاً وموضوعاً مع شخصياتٍ مقيتة في أعين الغرب، كصدَّام حسين والخميني ومعمَّر القذافي وأسامة بن لادن، وكذلك العرب الإرهابيين العنيفين مثيري الشغب، وبالتالي أصبح الإسلام نفسه مصدر قلق وخوف، لا بل رعب في الوعي الغربي.

 

الخاتمة

هنا نبدأ بجرد الأفكار؛ صراعُ الحضارات هو تصورٌ جدلي، لا بل هو معضلةٌ خلقها صُنَّاع السياسة بعلاقاتهم بالمؤسَّسات الأكاديمية، التي وظيفتها الأساسية تقديم النصائح، على اعتبارها مالكة الحقيقة وحاملة الخطاب، وهي بالوقت ذاته جزءٌ من آلياته المصدِّرة للمعرفة والمنتجة بالتالي للسلطة. فدراسة الاستشراق من ناحية النصوص، تقودنا فيما بعد إلى دراسة الاستشراق من الناحية المؤسَّساتية، أو إلى دراسته في الفن كالسينما، وهو موضوعٌ يطول الحديث عنه بسبب أزمة الخطاب هنا وتعدُّد الانكسارات. هذا التصور القائم على صراعٍ ما، بين الحضارات، يعتمد على عناصر وهمية مرتبطة ببُنى مصطنعة تسمى الشرق والغرب. في الواقع لا يمكننا أن ننطلق عند الحديث عن صراعٍ ما، من مبدأ الحضارات، فهي ليست بُنى مغلقة ومتوحدة، وإنَّما هي –أي الحضارة- عمليةٌ إنتاجيةٌ ناجمةٌ عن تراكميةٍ تاريخيةٍ ومعرفيةٍ مكتسبة تتداخل بها عناصر مختلفة، فكلُّ حضارةٍ في نشأتها تعتمد على ما سبقها، إذ أنَّ الحضارة عملٌ إنسانيٌّ جماعي، وليست بُنى فردية. هناك أزمات بالتأكيد بين الثقافات المختلفة وسوءٌ للفهم، ولكنَّ الحوار هو الحلُّ الوحيد والمثالي لتجاوز تلك العقبات، وإلَّا لما كتب الكثيرون عن موضوع المثاقفة. نحن نعيش في عصر الفضاءات، ولا يمكن لأحد أن يتحجَّر على نفسه وعلى ثقافته، وسياسة الانفتاح على الآخرين هو ما يجب أن يكون هدفنا، وليس دعوات الصراع التي يريدها السَّادة في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية أو الشيوخ في تورا بورا.

الأزمة في فكرة صراع الحضارات تكمن في مشكلة الغرب، الذي يسعى دون توقف إلى البحث عن هويته والسؤال من نحن ومن هم الآخرون؟ الآخر في التصوُّر الغربي كان الشرق الإسلامي، الذي نتيجة لعوامل متعددة خضع للغرب القوي المهيمن، وبالتالي أصبح مسلوب الإرادة في التعبير عن نفسه. وبذلك نجد العلاقة بينهما تقوم على مبدأ المعرفة أي معرفة الغرب بالشرق ومبدأ السلطة أي سلطة الغرب. ونتيجة لذلك كان اختراع الإسلام كبنيةٍ محددة بعناصر وتصورات وهمية ضرورة ملحة. فأصبح الإسلام محدداً بصورةٍ ماجنةٍ ومليئةٍ بالملذَّات الحسية كما في "ألف ليلة وليلة"، أو من خلال جماعات عنيفة وقبيحة وأناس أغبياء، ومنمَّط بأنَّه مكان لأحكام الشريعة الإسلامية والجهاديين والقرآن. ولقد صُوِّر ذاك الشرق الإسلامي على أنَّه ذاك الغول الذي سوف يلتهم الغرب، سواء في وسائل الإعلام المكتوبة أو السمعية أو البصرية، مرتكزاً بذلك إلى التشكيلات الخطابية. وكل هذه النماذج الموحدة يتمُّ تحديدها في المختبر الاستشراقي أي في المؤسَّسات الأكاديمية. هذه الصورة أوجدت للإسلام جوهراً وجودياً ومعرفياً مصطنعاً في الوعي الغربي، حيث تندمج الذات الشرقية مع الموضوع، وكلُّها تتحدَّد ببنية مهمتها أن تكون الآخر بالنسبة للغرب. هذه الصورة هي معضلة كارثية في عصر العولمة. فليس هناك شرقيون وإنَّما أناس أسماهم الغرب بالشرقيين، وألبسهم حِلَّة الشرق الإسلامي، كي يكونوا شرقيين.

 

المصادر والمراجع

إدوارد سعيد. الاستشراق. 1978

إدوارد سعيد. تغطية الاسلام. 1981

برتراند رسل. تاريخ الفلسفة الغربية. 2010.

برنارد لويس. اكتشاف المسلمين لأوروبا. 1996.

عبدالعزيز العيادي. ميشال فوكو. المعرفة و السلطة. 1994.

صادق جلال العظم. ذهنية التحريم. 1997

ميشل فوكوه. الكلمات و الاشياء. 1966

ميشيل فوكوه. حفريات المعرفة. 1972

هومي بابا. موقع الثقافة. 2004

 

La Chanson de Roland

Wolfram von Eschenbach. Parzival

Lessing. Nathan der Weise. 1987.

Heinrich Heine. Almansor. 1900.

Michel Foucault: Die Ordnung der Dinge. 1971.

Michel Foucault. Die Archäologie des Wissens. 2011.

Francis Fukuyama. The End of History?. The National Interest. 1989.

Samuel Huntington. Der Kampf der Kulturen. 1997.

Andreas Pflitsch: Mythos Orient. 2003.

Andrea Polaschegg: Der andere orientalismus. 2005.

Michael Rouff: Foucault-lexikon.2009.

 


[1] ان ترجمة المصطلحات الفوكويه تعتبر مسالة معقدة لذلك نرى في ترجمة مؤلفاته هناك تعريب للكلمات اكثر منه ترجمة و لذلك التزمت بذكر المصطلحات حسب ورودها في كتب الفلسفة و عملت على ايجاد ترجمة لها كما على شرح الكلمات لعلها نفيد القارئ في فهم المقصود من العبارات. فوكوه يربط في نظريته عن الخطاب بين مصطلحين اساسيين هما اركيولوجيا المعرفة و جبنالوجيا السلطة. في اركيولوجيا المعرفة أي علم دراسة تاريخ المعرفة يدرس فوكوه مصادر المعرفة المؤسساتية و التي تعتمد  على الخطاب و اللاغية بالوقت ذاته للفرد أما جينالوجيا السلطة فهي تعني السلطة الممتدة نتيجة لتراكم المعرفة. إن مصطلح الجينالوجيا تم استخدامه للمرة الاولي لدى ليفي شتراوس في دراسته لبنى الأسر في المجتمعات البدائية في الأمازون. إن المصطلح عينه اخذه فوكوه و قام بتطويره  و اسقاطه على نظرية الخطاب  في دراسته لتاريخ العلوم الانسانية . ان الخطاب يحمل في مضامينه نوع من المعرفة المتراكمة التي تنتج السلطة والسلطة بحد ذاتها هي مُنتجة للمعرفة . فكلاهما مرتبطتان ببعضهما ومن أراد الحديث عن الخطاب فعليه أن يبحث في علاقات المعرفة والسلطة. لمزيد عن الموضوع ينصح بقراءة كتاب عبدالعزيز العيادي. ميشال فوكو. المعرفة و السلطة . 1994.

 [2]يعد معهد الينسباخ للمسح الديموغرافي الأهم والأقدم في جمهورية ألمانيا الاتحادية حيث تم تأسيسه عام 1947 على يد البروفيسور إليزابيت نويلي- نويمان. من مهامة إنشاء دراسات و استطلاعات الرأي لدى الجمهور الألماني بأمور معينة ومرتبطة بحد كبير بصنع السياسة، كما يعمل على إجراء استطلاعات لراي قبل الانتخابات البرلمانية.يأخذ المركز من مدينة الينسباخ  في ولاية بادن فورتيمبيرغ مركز له.

[3]إبستومولوجيا هو مجال عمل فلسفي يبحث في مصادر المعرفة. فهناك من يرى أن الشك والعقلانية هي مصدر للمعرفة كما في حال ديكارت، أو قائمة على التجرية وهي قناعة لوك، أو هي مثالية كما أراد لها إيمانويل كانط. أما لدى البنيويين في عصرنا الحالي فالمعرفة تشكل لدى فوكوه بنية تراكمية اجتماعية مؤسساتيه تهيمن على الوعي الجمعى للأفراد لما تمتلكه من وسائل.

[4]هومي بابا. موقع الثقافة. ص 94

[5]الآخرون هم الجحيم،  l'enfer, c'est les autres وهي جملة قالها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في روايته مالكوم اكس

[6] Andreas Pflitsch: Mythos orient. 2003.

[7]المصدر باللغة الأصلية الألمانية هو  Karl Marx/Friedrich Engels - Werke, Band 8, "Der achtzehnte Brumaire des Louis Bonaparte", S. 194-207، عام 1853. عن هذه الرسالة كتب إدوارد سعيد في الاستشراق معلقاً على دور وأثر المؤسسات الاستشراقية على ماركس في تحديد صور الشرقيين. Orientalisim 21 صادق جلال العظم انتقد في كتابه ذهنية التحريم تفسير سعيد لهذه العبارة،  ورأى بأن دراسات ماركس حول الشرق كانت تدور حول الدور البريطاني في تدمير بنى الإنتاج الهندية الريعية وإحلال محلها بنى الإنتاج الحديثة، موجدةً بذلك طبقة مثقفة جديدة في الهند. وذهب في دراسته –ماركس- إلى أن بريطانيا تحفر بذلك قبرها بيدها لأن تلك الطبقة سوف تعمل يوماً ما على مقاومة الهيمنة البريطانية وهو ما تم بالفعل. راجع كتاب ذهنية التحريم للدكتور العظم.

[8] الحروب البونيقية بين روما وقرطاج كانت نتيجة للتنافس في السيطرة على غرب البحر المتوسط. بدأت هذه الحروب عام 288 قبل الميلاد على ثلاث فترات وانتهت عام 146 قبل الميلاد بسقوط قرطاج. من أهم احداثها عبور هانيبال لجبال الألب الى روما.

[9]إدوارد سعيد اهتم كثيرا بتلك العلاقة وربطها بموضوع الاستشراق.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR