حوارات في نقد أدونيس والثورة

ريبورتاج بقلم شيرين علي

العدد الرابع - صيف 2015 - الأحد 05 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

نسعى في هذا الريبورتاج إلى استطلاع آراء عدد من الشباب الناشطين في الشأن العام السوري في أدونيس، بخاصة في ضوء المقابلة الأخيرة التي أجرتها معه صحيفة السفير اللبنانية. بغضِّ النظر عن أدونيس أو غيره من المفكِّرين، وبغضِّ النظر إن أصاب في أفكاره أم أخطأ، فإنَّ عدائية السوريين لا تقتصر عليه فقط. إذ يبدو السوريون الآن أقرب للقبائل المتناحرة، ويكفي أن نتصفَّح الفيسبوك السوري مرةً واحدةً لنراه وقد تحوَّل لمسرحٍ لاستعراض الكراهية، وبؤرةٍ للشتيمة والتحريض على العنف والتعذيب بحقِّ السوريين الآخرين، في ظلِّ غياب أيِّ قانونٍ أو إجراءاتٍ رادعةٍ تحاسب دعاة ومناصري جرائم الكراهية الافتراضية هذه. السوريون الآن بلا رموزٍ تجمعهم ولا نُخب تقودهم، وبلا تصوُّرٍ موحَّدٍ لسوريا المستقبل، ويبقى شعار "لا تصالح" الشعار الجامع الموحِّد.

مقدمة

ليست المرَّة الأولى التي ينتقد فيها أدونيس حركات التغيير في الوطن العربي ويتهمها بمحاولة العودة إلى الأصول الدينية التي خانوها سابقاً، مؤكداً على افتقارها لنهج التغيير المجتمعي الثقافي رغم وقوفه إلى جانبها في البدايات. لا يتوانى أدونيس عن وصف العرب بالأمة الكسولة المنقرضة التي إن مات أبناؤها جميعاً لما شعرت البشرية بغيابهم، ويصف الإسلام بالدين الذي لا يمكن إصلاحه فإمَّا أن تكون مؤمناً أو غير مؤمن، ويتَّهم الثورة بتبعيَّتها للخارج، وليس الشعب الذي يتحدَّث عنه ويتمنَّى أن يثور هو من ثار، فالهدف لم يكن تغيير النظام بل تدمير البلاد على حسب قوله.

أدونيس في كافة مقالاته منذ بدء التحوُّلات في المنطقة العربية 2011 أبى أن يقدِّم طرحاً يُرضي الجماهير العريضة، بل على العكس كان الأبرز في الساحة الثقافية بتفنيده لأغلب طروحاتهم. بالمقابل فإنَّ هذه الجماهير أيضاً لم تستسغ كلام أدونيس ولم تتقبَّله، وكان هجومها عليه عنيفاً بطريقةٍ مثيرةٍ للانتباه. الأغلبية -التي لم تقرأ كتاباً واحداً له- ابتعدت عن الموضوعية واستسهلت اتَّهامه بالطائفية، أو بهوسه بالحصول على جائزة نوبل، أو حتى محاكمته على مواقف اتَّخذها قبل عقودٍ طويلة، وكأنَّ مواقف الإنسان تبقى ثابتة لا تتغير، وكأنَّ الثورة فاقدة للثقة بنفسها لتصرخ بحدَّة في وجه من يرفضها. في حين التزمت قلَّةٌ بالموضوعية وكانت لها آراءٌ مختلفةٌ تراوحت بين اليقين المطلق بطروحات أدونيس وبين الشعور بالإهانة من فوقية وحقائق أدونيس المزوَّرة.

في هذا التقرير نعرض لكم آراءاً مختلفة أقرب للمساحة الحرَّة لعدد من الناشطين السوريين الشباب في الساحة السورية عن طروحات أدونيس الأخيرة، هل فعلاً كان يمكن للثورة أن تكون أفضل؟ وهل نقد أدونيس مؤشرٌ على الديمقراطية؟ أو على "غوغائية العامة" غير المطلعة على النخب الثقافية؟

 

فرزند عمر

عندما يغيب أدونيس من الطبيعي أن نجد داعش طافية على السطح، هذا ما كان على مثقفي الثورة إدراكه منذ البداية، مهما كان موقف أدونيس من الثورة.

الحفاظ على أدونيس كأحد الرموز المشكِّلة لسوريا لا يعني إطلاقاً الوقوف مع أو ضد آرائه، بل هو الحفاظ على العقل السوري الجمعي الذي يشكِّل أدونيس أحد ركائزه بكل تأكيد، شخصياً أرى أنَّ الحضارة ومنتجاتها الإنسانوية في حدِّها الأدنى عملية تصالح الذات الجمعية مع العقل الجمعي، إذ أنَّ العقل البشري كما أشار برنارد راسل -أحد أهم مؤسِّسي العقل الحضاري الغربي- أنَّ الكون لم يشهد كارثةً أكبر من العقل، وأنَّ أولى درجات الحضارة هو الاستسلام لهذه الكارثة.

أن يُختَصر أدونيس إلى مجرَّد شخص ينتمي لطائفةٍ معينةٍ هي الحماقة بعينها، حتى لو كان أدونيس أحد مُنظِّري هذه الطائفة أو أحد مشايخها، فكثيرون في العالم الغربي الذي يحتلُّ بوصلة الحضارة في الوقت الراهن تعرَّفوا على سوريا من خلال أدونيس وهذا يعني أنَّ تحطيم هذه القناة الاستكشافية تعني بلا شك تحطيم سوريا في أحد جوانبها.

لكن ما هو السر أنَّ الثورة السورية نهجت هذا العداء من شخص أدونيس، هل فعلاً هو عداء أدونيس للثورة؟ هل فعلاً كما يقال عن طائفية أدونيس المبطنة؟ هل هي مبرَّرة بأنَّ كلَّ ثورةٍ لا بدَّ وأن تأكل عقلاءها كما كانت الثورة الفرنسية؟

الثورات العربية عموماً والسورية خصوصاً لم تأتِ نتيجة تراكم معرفيٍّ ثقافي، بل كانت نتيجة رد فعل جماهيري غاضب ومقلِّد توَّاق للحرية بشكلها اللامعرفي البدائي، وهذا ما أدَّى إلى استغلال هذا التوق من قبل الإسلام السياسي المتمثِّل في جماعة الإخوان المسلمين مع شرذمات المثقَّفين، أولئك الذين تعرَّضوا للاضطهاد من دكتاتورية الحقبة الأسدية، والذين اضطروا للتظلُّل بمظلَّة الإسلام السياسي نتيجة ضعفهم الشديد على المستوى التنظيمي الخارجي وضعفهم الداخلي نتيجة الإحساس العميق بالهزيمة إثر تفوُّق اللحظة على أدائهم الذي تهشَّم على يد الديكتاتورية، وتفاجئهم بتخطي الوعي الجماهيري لتنظيراتهم. هذا الذهول في الوسط الثقافي المعارض مع الانبهار باللحظة اجتمعت مع الحنكة السياسية للإخوان المسلمين لتلعب الدور الأساس في رسم معالم المعارضة التي نصَّبت نفسها الراعي الرسمي للثورة.

ضمن هذه العقلية رُسِمت الخطوط العريضة لأداء الثورة ما أدى إلى تحطيم كلَّ رمزٍ سوريٍّ نتيجة الأجندات الإسلاموية المتعارضة أساساً مع الوجود السياسي والجغرافي للدولة السورية، هذه الرموز على قلَّتها تمَّ تحطيمها وتهشيمها حتى بات بعض الأشخاص يطلقون على هؤلاء السوريين بأنَّهم يشكِّلون حالياً الأقلية الأكثر اضطهاداً ضمن الثورة السورية.

أدونيس كان أحد تلك الرموز الجامعة كما كان قبلها العلم السوري، وكما هي كلُّ الذاكرة السورية الجامعة وذلك تمهيداً لمشروع الإسلام السياسي الذي في باطنه يستند إلى تجربة الخلافة الإسلامية.

انحشار الثورة في أتون حرب أهلية طاحنة حتَّم على القسم الأكبر من المثقَّفين السوريين الاعتكاف أو اللجوء إلى تحطيم الذات انتقاماً من أنفسهم نتيجة الإحساس العميق بالهزيمة، وهذا ما ولَّد لدى قسمٍ من المجموع الثقافي الرغبة بالانتقام من أيِّ حالةٍ ثقافيةٍ أو عقلانيةٍ وإدخالها في محرقة التكفير؛ على أساس لا صوتَ يعلو فوق صوت الثورة.

أدونيس ليس نبياً بكلِّ تأكيد إلَّا أنَّه أحد ركائز العقل السوري الجمعي وهذا لا يختلف عليه اثنان نظراً لنتاجه المعرفي المرتبط بالهوية السورية المهشَّمة أساساً، وإن لم يكن صائباً في آرائه السياسية فهذا ليس بالكفر على الإطلاق لمثقَّفٍ بحجم أدونيس.

 

جلال الحمد

أدونيس يزوِّر الحقيقة. حقيقة أنَّ الثورة بدأت سلمية تنادي بدولةٍ مدنيةٍ وبعقدٍ اجتماعيٍّ يفصل الديني عن السياسي. الشعارات التي رُفعت كانت في مضمونها تطالب بدولة حيادية تقف على مسافةٍ واحدةٍ من جميع المواطنين وجميع المكوِّنات، الدولة التي تقوم على دستور يحترم الحقوق الفردية، الدولة التي لا يلحق بها أيَّ صفة؛ إسلامية، عربية، إلخ. تجاهل أدونيس تماماً أنَّ إجرام السلطة لعب دوراً أساسياً فيما وصلت إليه الأحداث في الوطن السوري، كما يُخفي أدونيس على ما يبدو الكثير من الطائفية المغلَّفة بغلاف العلمانية، وهذا ينسحب على العديد من الشخصيات والأحزاب الموالية للسلطة السورية.

هل التقى أدونيس بالناشطين العلمانيين المطالبين بالتغيير الديمقراطي؟ ليست المرة الأولى التي يُهاجم فيها أدونيس المطالبين بالتغيير ويزوِّر فيها الحقائق. ولم أستطع أن أجد مبرراً مقنعاً للموقف السلبي لشخصٍ بمقام أدونيس. نحن خرجنا من المساجد لأنَّه كان بإمكاننا التجمع فيها، آلاف الشبان الذين خرجوا من المساجد لم يؤدوا في حياتهم فرضاً دينياً واحداً، وبعد فترة بدأنا نتظاهر في الحارات وفي جامعة دير الزور.

نعم الثورة فاقدة القدرة على الإقناع، فالثورة التي لا تستطيع أن تراجع أداءها بعد حصار خمس سنوات، أعتقد أنَّ استمرارها مشكلة كبيرة. الثورة متوقِّفة حتى إجراء مراجعة شاملة تحدِّد مساراً جديداً ناجعاً قادراً على حفظ الدولة السورية وكرامة الإنسان السوري.

لستُ معجباً بكتابات أدونيس بشكلٍ عام، وأنا هنا لستُ في وارد التقييم، لكن في الردِّ عليه أو على غيره لا بدَّ من التعامل بهدوء واعتماد الحوار الهادئ القائم على المنطق. في سلوك الكثير من المعارضين والمعارضات نسخةٌ عن سلوك النظام والأمثلة كثيرة على ذلك، وتصريحات أدونيس ليست هي من أظهر هذا العطب.

أُحمِّل أدونيس وغيره من الكتَّاب والمفكرين المسؤولية في هجوم عامة الشعب عليهم فهم يُفترض أن يكونوا قدوةً لا أن يقوموا بتسخيف دماء السوريين وتبرير القتل بدعوى الإرهاب وتزوير الحقائق الواضحة، فتبرير القتل مشاركة فيه، طبعاً لا يعني كلامي أن تُساير النخبة عامة الشعب في كلِّ ما تريد.

بالنسبة لانتماء أدونيس المذهبي فليس هو السبب في الهجوم عليه بشكلٍ عام، إذ هُوجم فنانون ومثقَّفون سوريون وغير سوريين من الطوائف الأخرى بشدَّة على مواقفهم السلبية، ولكن من الطبيعي أن يستغلَّ التيار المتطرِّف هذه التصريحات من شخصيات كهذه لخدمة أهدافه.

 

محمد شيخاني

انتقاد أدونيس عادةً هو تقليعة عامة، فالسخرية والهزلية وهي الحالة العامة للتداول على وسائل التواصل الاجتماعي هي ردود الفعل الأكثر شيوعاً عليه، يُضاف له الكلام الطائفي الموجَّه ضدَّه بالعموم نتيجة انتمائه المذهبي ومعارضته لحركات التغيير، ما يجعله مادةً للتداول والهجوم بشكلٍ مضاعف.

لكن أرغب بالنظر في نقاطٍ محددة طرحها أدونيس في مقابلته ضدَّ تدخلات القوى الأجنبية. هل التدخلات الخارجية –الرجعية- مقتصرةٌ على تلك التي دعمت الثورات؟ أو أنها تشمل تلك التي سعت لقمع حركات التغيير وإجهاضها؟ وهل التدخلات الأجنبية التي دافعت عن الأنظمة الاستبدادية هي تدخلاتٌ مقبولةٌ باعتبارها تقف بأيِّ طريقٍ في وجه معارضي النظام السوري؟ التبسيط هذا لا يستحقُّ عناء الرد، هل التدخلات فقط هي من ممالك النفط لإسقاط الكيان السوري؟ وماذا عن باقي الجنسيات التي لا تعدُّ ولا تحصى على التربة السورية؟

ما قاله عن "أصل المشكلة والتأسِّيس العنفي للإسلام" هو حديثٌ غير مبنيٍّ على أيِّ أساسٍ معرفي، ويدركه أدنى مُطَّلع على تاريخ المنطقة. كلامٌ يفتقر الى أيِّ معرفة، ولا يقال عنه إلَّا أنَّه كلام أيديولوجي غير موضوعي، لا في النظر في تاريخ الإسلام ولا في بناء الدول والحركات السياسية العسكرية عبر التاريخ الإسلامي الطويل الشائك والمتناقض. هذه العموميات التي يُستنتج منها الحتمية التاريخية بأنَّ الإسلام هو باعثٌ للعنف في أيِّ جماعةٍ بشريةٍ وفي أيِّ مكانٍ وزمان، وتحت أيِّ ظرف؛ هو كلامٌ مرفوض بالظاهر والمضمون، عدا أنَّ معارضته لحركات الاحتجاج والانتفاضات العربية يكشف المسافة الهائلة التي تفصله عن الناس ومعاناتهم ومآسيهم. السؤال: هل يجب البحث عن عنف الإسلام الجهادي في نصوص وتاريخ الإسلام فقط؟ أو علينا أن نبحث في ظروفٍ اجتماعية وسياسية تدفع بشراً -فقراء ومهمَّشين اجتماعياً وسياسياً وجغرافياً وشبَّاناً وجماعات مهمشة ومضطهدة وجموع من العاطلين عن العمل وغيرهم– إلى اختيار هذا الشكل العنفي والمتفجّر من الإسلام؟

 

حسن حميدوش

شخصياً ليس لديَّ علاقة بأدونيس، صدفته متأخراً ولم يجذبني أدبه، وبالنسبة لي لا توجد رموز سوريّة على الأقل في الوقت الحاضر، يحقُّ لي أن أنتقده وأن أسأله، وهو مُلزمٌ بالإجابة كونه وضع نفسه في هذا الموقع. والاختلاف مع أدونيس أمرٌ بنَّاء لأنَّه سيدفعني للإحاطة أكثر بما يطرحه.

أعتقد أنَّ هجوم الكثير من الشباب عليه لأنَّهم معجبون ضمنياً به، ويعتبرونه في قرارة أنفسهم شخصاً مهماً، هذا الأمر إيجابي ومهم. لكن يزعجني استسهال البعض اتهامه بالطائفية لأنَّه سينهي أي نقاش، فعلى كل من وُلد علويّاً أن يَحسب أيَّ كلمة يتلفظها كي لا يُتَّهم بالطائفية، في حين يستطيع أيُّ شخصٍ آخر أن يقول كلاماً أكثر مما قاله أدونيس ولا يُتَّهم بذلك. بالنسبة للطائفية لا يمكنني أن أتَّهم بها أحداً بناءً على النوايا، فما يظهر لي أنَّ الرجل بتاريخه ومسيرته علماني، لقد هرب من أقليته فكيف سيفكِّر بهاجس حمايتها؟ ومن لديه شعورٌ بالتهديد لا يُهاجِم بل يُهادِن كوليد جنبلاط مثلاً الذي يُهادن خشيةً على طائفته.

تعاطفتُ مع أدونيس عندما قال أنَّ المفكِّر لا يستطيع أن يكون حراً، أنا أريد أن أختلف معه وأسأله ولا أريد تخويفه، قطعاً هو الآن يخاف أن يأتي إلى سوريا أو أن يمشي في ضواحي معينة في باريس، إذا كان المفكِّر غير حرٍّ فهذه كارثة.

يُهيأ لي أنَّ الصيغة التي تكلَّم بها أدونيس مقصودة، فهو كما أغلبنا وصل لمرحلة اللاعودة أو المواربة في قضية العلمانية. فهو يتكلَّم بقطعيةٍ وحدِّية بأنَّ الدين لا يمكن إصلاحه: إما أن تؤمن أو لا تؤمن. لكنَّ تجربتي الشخصية تُثبت عكس ذلك فكثير ممن أعرفهم مؤمنين بالإسلام ويصومون شهر رمضان ويصلُّون الجمعة؛ لكن يمكن أن يشاركوا أصدقاءهم شرب الكحول ولديهم صديقاتهم وحياتهم الطبيعية شأنهم شأن أي "لا ملتزمٍ" آخر، الكثير من المؤمنين يرفضون قتل الآخر المختلف رغم النص الديني وبرفضهم له يرفضون جزءاً من الدين، هناك هامش كبير بين الإيمان واللا إيمان وليست القضية نظام ثنائي، مؤمنٌ بحت أو ملحدٌ بحت.

بالتالي نعم اختلف مع أدونيس بأنَّ الدين غير قابل للإصلاح، وما إصلاحه إلَّا خطوة مهمة باتجاه فصله عن الدولة، بل والخلاص منه، لكن كيف سنحقِّق ذلك في ظلِّ هذا الإيمان كله؟ الدين قابل للإصلاح وفي أوروبا سبقت البروتستانتية -التي كانت محاولة لإصلاح الدين- العلمانية. هناك فرصةٌ كبيرةٌ الآن فالناس يصطدمون بتطبيق النص الحرفي لدينهم وبالممارسات التي يرونها، هؤلاء أنفسهم لديهم صراع داخلي إن كان هذا هو الدين الحقيقي أم لا، هنا تأتي الفرصة للمصلحين، بالنسبة لي عمل رجال دين كمحمد حبش ومحمد شحرور وجودت سعيد أهمُّ من عمل كلِّ الجهات العلمانية. أنا أعيش في دمشق والمكانة التي اكتسبها رجال الدين فيها يعود للكاريزما الخاصة بهم وليس بسبب تشدُّدهم، وهؤلاء هم اللَبِنة التي يجب أن يجترح العلمانيون المصالحة التاريخية معهم.

أدونيس في مقابلته يحلِّل وأنا لا يحقُّ لي أن أمنعه من التحليل، أستطيع أن أقتنع بكلامه أو أرفضه فقط. لا أختلف معه بالتحليل لكن ما هي آليات العمل؟ نحن لا نعاني حالياً من الفوقية بل من التحتية، المفكِّرون محاصرون بسلطة الغوغاء ومحكومون بالدونية. من الجيد ألا نرى استعلاء، لكن النخبة اليوم تعاني من الاستدناء، وقد انصاعت هذه النخبة لذلك بسبب ظروفها السيئة وقلة ثقتها بنفسها. تُحسب لأدونيس أنَّه لم يستسلم لتلك السلطة مخالفاً مصلحته، إذ لو أنَّه انصاع كأغلب المثقفين السوريين لكان أصبح ملكاً متوّجاً ولنال حينها جائزة نوبل للآداب والسلام وربما الفيزياء.

هناك خطأ مألوف فبعضنا يقول مولانا طارق بن زياد وهو ليس بصحابيٍّ أو تابعي، لكن هل يتخيّل أحدنا أن يسمع عبارة مولانا ابن النفيس أو جابر بن حيَّان؟ رموزنا هم قادة المعارك والحروب.

هو يقول أنَّ الشعب الذي يجب أن يثور لم يثرْ، من هو هذا الشعب؟ طلاب الجامعات شاركوا بفاعلية كبيرة في الحراك وبعضهم دخل صفوف القتال. الإشكال عند أدونيس اعتقاده الجاهز بأنَّ الثورة يمكن أن تكون أفضل، لا يمكن للثورة أن تكون أفضل، فهذه هي سوريا وهذا هو الشعب السوري بموالاته ومعارضته وصامتيه، الواقع كان مرَّاً لذا فالشعب الذي يتحدَّث عنه أدونيس غير موجود، وهنا لا يمكن إهمال عامل أنَّ أدونيس منذ عقود كان خارج سوريا ولسنواتٍ طويلةٍ مُنع من دخول البلد، وعليه فإن تقييمه الاجتماعي حتماً قاصر ويفتقر للمشاهدة. لذا أنا معه أن يحلِّل بالنظرية أكثر من استناده للممارسات، لكن لا قيمة لأيِّ نظرية ما لم تكن قابلة للتطبيق، وما لم تُجرب بالتنفيذ، وتغير بناء على ذلك، فليتقدم أدونيس وليشمِّر عن ساعديه، أعتقد أنَّه هناك كثراَ ما زالوا ينتظرونه.

 

مرام داؤد

لا أتفق مع أدونيس بأنَّ الثورة الثقافية تسبق الثورة السياسية فالأساس دوماً هو تغيير السلطة السياسية إلى بديل يستطيع تحقيق تغيير مجتمعي. فالحرية تُقدَّم للشخص "غصباً عنه" لكن باعتقادي أنَّه يقصد أنَّ الثورة السورية لم تقدِّم بديلاً أو برنامجاً سياسياً وثقافياً، وذلك مردُّه لضعف النخب السورية وهروبها تماماً كالوصف الذي طرحه، وهذا ما ترك الثورة السورية مفتوحة أمام الخارج لغياب كثير من عناصرها وترْكِها أمام مقولة بعد سقوط النظام يأتي البديل الأفضل.

أدونيس لا ينادي بالعلمانية انطلاقاً من انتمائه الأقلوي، بل يركِّز على العلمانية لأنَّها تفتح الطريق أمام بناء مراكز الأبحاث والجامعات التي هي أساس الحضارة بالمفهوم الفرنسي والتي فعلاً عجزنا عن بناء جامعة واحدة مهمة كما قال، هو أيضاً يستشهد بآياتٍ قرآنية، وكثيراً ما يركِّز على النص الأول أي "القرآن" باعتباره الأصل وليس التفسير، لأنَّه يرغب بمحاكمة القرآن بالعقل وليس النقل عن التفسير.

رغم مجاهرته بدعم الثورة السورية منذ بدايتها إلا أنَّه قُوبل بالهجوم على بعض مما قاله مع أنَّه اليوم يُثبت كثيراً منه. ربما لو كان من غير طائفة سيكون الهجوم عليه أقل، فهم ينتظرون من أدونيس لعْن الأرواح أو أن يُطالب برحيل الأسد ثمَّ فليقل ما يشاء.

طبعاً الثورة لا تُختصر في من يهاجم أدونيس، فأصوات الرصاص والضجيج تشوِّش على صوت العقل، واليوم لا يوجد ثورة فقط، فهناك خليط من ثورة وحرب بالوكالة وبذور حرب أهلية يمكن اختصارها كلُّها بمُسمى حدث. يجب الآن بداية تحقيق تغيير سياسي يقود نحو تغيير مجتمعي، تغيير باتجاه دولة القانون والمواطنة لتُشعر الناس جميعاً أنَّها مُمَثَّلة في هذه السلطة ومن ثمَّ يتمُّ محاربة الإرهاب والتدخل الخارجي.

بكل تأكيد كان بالإمكان أن تكون الثورة أفضل لو خرجت من الجامعات لأنَّ الصوت كان هنا للطلاب وأساتذتهم. رغم أنَّ الكثير منهم خرج في المظاهرات في كلياتهم وأقام الاعتصامات لكنَّ الإعلام ركَّز فقط على مظاهرات الجُمع التي كان مكان التجمُّع فيها هو الجوامع.

ختاماً أنا مع ترجمة لغة الشاعر إلى لغةٍ سياسية، لكنَّ ما فعلَته النخب كان الهجوم على الشارع ومطالبه، أو اللحاق به غوغائياً. وعلى اعتبار المثقَّف الشرق أوسطي لديه ردُّ فعلٍ على عدم استقلالية الفرد فأضحى بشكلٍ أو آخر هو نفسه فرداً مستقلاً أشبه بدولة، ومن هنا فإنَّ النخب بحاجةٍ لأن تراجع نفسها وتقدِّم مشروعاً ينقذ البلاد.

 

شادي صعب

أتَّفق مع أدونيس بما جاء على لسانه حول أرشيف الذاكرة التاريخية للإنسان الشرقي، وبلا شك هو كإنسانٍ أكاديمي يستند إلى التحليل العلمي لمجريات التاريخ، ولا أتَّفق مع من اتَّهمه بأنَّه استند إلى موروثه الطائفي وعدائه التاريخي للإسلام، لكني أرفض التعدي على مقدَّسات الغير والمساس بموروثهم التاريخي.

فيما يخصُّ عامة الشعب أشعر بالغضب عندما يتناولون أشخاص بقامة أدونيس أو برهان غليون أو زياد الرحباني بهذا المنطق السوقي، فهم ينطلقون من موروثٍ عاطفي لا عقلاني؛ يستند إلى قاموسٍ من الشتائم والقدح والذم يعبِّرون فيه عن اختلافهم مع الآخر عندما يخالفهم التوجه أو يمسُّ بمعتقداتهم ويقترب من تابواتهم. وللأسف هذا يُنذر بمستقبل ضبابي لسوريتنا.

ولا أتَّفق مع الطرح الذي يقول أنَّ مهاجمة أدونيس نابعةٌ من خلفية مذهبية، لأنَّ هؤلاء الرَّعاع هاجموا كلَّ من اختلف معهم بالرأي ولم يناصر قضيتهم سواءٌ من الأكثرية أو من الأقليات، ألم يهاجموا برهان غليون وهيثم مناع وهم معارضون ومن الأكثرية فقط لأنَّهم لم يتَّفقوا معهم بآليات الثورة؟ فكيف لا يهاجمون أدونيس الذي يُعتبر في الضفة الأخرى لقضيتهم؟

للأسف الشارع منذ أعوام هو من يقود الثورة التي لا تمتلك الرأس المدبِّر، وهذه أزمةٌ تاريخيةٌ للمشهد السوري لأنَّ مجموعة يافعين من الدهماء يديرون المشهد من وراء شاشات أجهزة الحاسوب ويحاكمون الآخرين وفق أفقهم الضيق، وبمرجعيةٍ عاطفيةٍ لا تمتلك أدنى مقومات المنطق وبالتالي يوجِّهون سواد الشعب نحو قضايا هامشية للتهجُّم على مفكِّر أو شتم فنان يختلف معنا بالمبدأ، ونحو آخرين محسوبين على المعارضة يتَّفقون معهم بالرؤية لكنَّهم يختلفون بالإستراتيجية. وهذه مأساة الثورة السورية غير القادرة على تحمُّل النقد وتسليط الضوء على العيوب.

 

خاتمة

رغم اختلاف الناشطين الذين أجرينا معهم المقابلات مع بعض أو كلِّ مما قدَّمه أدونيس، إلا أنَّهم اتفقوا جميعاً على رفض أن تقوم عامة الشعب بتهشيم الرموز واضطهاد النخب الثقافية بهذه الطريقة.

تجدر الإشارة إلى أنَّ الآراء الواردة أعلاه لا تقدِّم رؤيةً شاملة، لكنَّها محاولةٌ بسيطةٌ لإظهار صورةٍ أخرى لسوريين لا يتَّفقون مع نخبهم، لكنَّهم يفنِّدون طروحاتهم بالحوار بعيداً عن التهديد والوعيد. نأسف لغياب العنصر النسائي عن هذه الحوارات، لكوننا لم نجد خلال فترة إعداد هذا الريبورتاج ناشطات مجتمعيات ذوات رأي واضح في الجدل الدائر حول أدونيس والردود عليه، ونُفضِّل أن نعزو الأمر لتقصيرٍ في البحث، وليس لغياب العنصر النسائي الفاعل عن كل ما يمثِّل الثابت والمتحوِّل في الحالة السورية.

بغضِّ النظر عن أدونيس أو غيره من المفكِّرين، وبغضِّ النظر إن أصاب في طروحاته أم أخطأ، فإنَّ عدائية السوريين لا تقتصر عليهم فقط. يبدو أنَّ السوريين الآن أقرب للقبائل المتناحرة، ويكفيك أن تتصفح الفيسبوك السوري مرةً واحدة لتراه وقد تحوَّل مسرحاً لاستعراض الكراهية التي كنا نخبئها، ونستحي إظهارها علناً وبؤرة للشتيمة والتحريض على العنف والتعذيب بحق السوريين الآخرين، في ظلِّ غياب أيِّ قانون أو إجراءاتٍ رادعةٍ تحاسب دعاة ومناصري جرائم الكراهية الافتراضية هذه، ومهما تحصَّنت بوسائل وخدع الوقاية النفسية ستُصاب بالهلع من خطاب السوريين المتفاخرين بعصبياتهم الأولى.

السوريون الآن لا رمز يجمعهم ولا نُخب تقودهم ولا تصور موحد لسوريا المستقبل، ويبقى شعار "لا تصالح" شعارهم الجامع الموحد.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR