رمل اليقين لأحمد دلباني

مراجعة كتاب بقلم عبد الكريم قادري

العدد الرابع - صيف 2015 - الثلاثاء 21 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

هذه المادة مراجعة لكتاب "رمل اليقين" الصادر عن "دار التكوين" عام 2015 للباحث الجزائري أحمد دلباني. تشير هذه المادة إلى أن الكتاب قد وضع الواقع العربي في الميزان، ونقل هذا الواقع دون مساحيق، ليكون هذا الـمُنجز الفكري بمثابة خارطة طريق لإنقاذ ما تبقى لنا، وإعادة تدوير لعقولنا التي لم تعد تنتج فكراً ومعرفة. تأتي أهمية الكتاب من تحليل ما حدث في العديد من الدول العربية التي قامت فيها الثورات. فمع غياب الفعل التنويري فشلت معظم الثورات في تحقيق أهدافها في التحرر ومحاربة الاستبداد، بل أكثر من هذا فقد خلقت على هامشها التطرُّف، الذي يقتل العقل ويبيده، لأنَّه لا يستند في فعله سوى على توجهٍ واحد ذي مرجعيات متعدَّدة. من هنا كان الكتاب بمثابة بوصلة يمكن من خلالها البحث عن صناعة للعقل النقدي وسط صحراء لا تؤمن به.

يرى الباحث الجزائري أحمد دلباني[1] في كتابه الصادر حديثاً عن "دار التكوين" السورية (2015)، والمعنوَن بـ "رمل اليقين" والمتبوع بعنوانٍ ثانوي "المجتمع العربي وأسئلة الثورة والديمقراطية" بأنَّ مظاهر الشلل التاريخي للعرب وأزماتهم لا يمكن في حالٍ من الأحوال حصرها في السياسة وألاعيبها فقط، بل هي متعددة الأوجه، ويذهب إلى أكثر من هذا حين يعتبر بأنَّها أزمة ذات أساس ثقافي، تمتد جذورها إلى قرون مضت، ارتبطت حسب تعبيره بالمجتمع الأبوي، الذي يعكس بشكل أو بآخر التقاليد المتوارثة، وما يُصاحبها من مفاهيم الفحولة التي يتمُّ من خلالها إخضاع المرأة، نتيجة بنيات يصفها الباحث بـ "سوسيو-ثقافية"، أفرزت الكثير من الأزمات والمظاهر، من بينها الاستبداد السياسي والعنف الذي تحوَّل عبر محطات متعدِّدة لعلامة تميِّز المجتمع العربي-الإسلامي.

 يُباشر الباحث كتابه بطرح جملةٍ من الأسئلة التي تُعبِّر عن جوهر الأزمة العربية-الإسلامية، وما تعانيه هذه الرقعة الجغرافية من نكسات متتالية، بقوله: ((ما الذي يشلُّ العالم العربي-الإسلامي إلى هذا الحد؟ ما هي الكوابح؟ لماذا كل هذا التحنُّط خارج التاريخ وبعيداً عن مغامرات الإنسان في أنسنة العالم وتغييره؟ ما هذا الزمن الثقافي-العقلي الراكد؟ ما هذا السِّحرُ الذي يُمثِّله الماضي عندنا، ولماذا لا تنتفضُ الثقافة العربية-الإسلامية السَّائدة إلا باعتبارها قوة إعادة إنتاج للماضي بصورة استيهامية وغير نقدية؟)). وكي يجيب عن هذه الأسئلة يُعيد طرحها بشكلٍ مُغاير أو بقوالب مختلفة، لتكون نافذة أخرى تمكن العالم العربي-الإسلامي من رؤية أناه المضطربة والهرمة، أو من خلال المرايا العاكسة التي وضعها أمامهم ليُشاهدوا كواهلهم المثقلة بالوجع والصمت والخوف والانتظار، وعلى الأٌقل يُميزون حجم ما يحملون، بعدما أسلموا عقولهم لليقين، وهو "قرار بعدم الحاجة إلى المعرفة" حسب استشهاد الباحث بمقولة أدونيس من خلال فهمه لليقين، وعليه فإنَّه يحصر كل هذا في جملة من العناوين، التي يبدؤها برمل اليقين، الذي تتفرَّع عنه ثلاث محاور رئيسية وهي "الإسلام السياسي- المجتمع البطريركي- محنة الحداثة".

ومن هنا نطلق رحلة البحث التي بدأها بالأسئلة المذكورة آنفا، حيث ركَّز فيها عن الأسباب الحقيقية التي جعلت من المجتمع مجتمعاً "ذكوريا" بامتياز، قمع المرأة، وجعل وجودها غير محسوس، وهذا ما يُرجعه الكثيرون إلى الدين، ولكن الباحث يختلف معهم ولو جزئيا حسب تعبيره الدقيق، إذ يرى من ناحيته بأنَّ: ((الدين لوحده لا يكفي لتفسير هيمنة الأبوية في مجتمعاتنا، وسيادة القهر والعنف الاجتماعي ضدَّ المرأة وضدَّ استقلالية الفرد وتطلُّعاته المشروعة إلى الحرية بالمعنى الكياني الشامل))، لكنَّه يرى بالمقابل بأنَّ الدين يمنح الشرعية للوضع القائم، وحسب تعبيره دائماً فإنَّ الدين تحوَّل إلى (غطاءٌ إيديولوجي يُخفي إرادة قهر ترتبط ببنيات سوسيولوجية بطريركية–بدويّة لم يتراجع تأثيرها في حياتنا إلى اليوم)، بعدها يواصل دلباني في نفس هذا المحور إطلاق فقرات وجمل مرقَّمة، كلُّ واحدةٍ فيها منفصلة عن الأخرى، لكنَّها تجتمع في الحكمة والرزانة، ومُشبعة بالرؤى وإسقاطات الراهن، وكلُّ واحدةٍ فيها تصلح كي تكون بحثاً منفصلاً، لكن ربما تعمَّد الباحث تركها هكذا، بعد أن دقَّ الباب وانصرف، إذ لا يهمه من فتح الباب أو يفتحه، بقدر ما يُسعده أن يكون الباب مفتوحاً على المعرفة، كي يتشارك الكل في رؤية الأنوار وصناعتها، كي تطرح الأسئلة الصحيحة، مثل -واعظ بائسٌ: ظل يسقي الشجرة الملعونة التي طلعت على يَبابنا ويلعنُ ثمرتها- أو -مُفكر طائفي: مُقاتل بالولادة في كتيبة أعلنت الحربَ الأبديَّة على الآخر- وفي موضع آخر يقول: ((يبدو لي أحياناً، أنَّ التحدي الأعظم أمام الإسلام اليوم يكمنُ في ضرورة تخلُّصه من أشكال حضوره التاريخية باعتبارها تجاربَ استُنفدت وشرارة خمدت. على الإسلام أن يخلعَ أسمالهُ الثقافية ويدخل مفازة العالم المُعاصر عارياً من تاريخه الخاص كروحانية تتوثَّبُ من أجل إعادة التفكير في الغائية من مُنطلق غير مذهبيٍّ وغير دوغماتي)).

ويواصل أحمد النحت في صخر المعرفة وعلى هذه الشاكلة، ربما ليخرج لنا نبيَّا على شاكلة نبي جبران، فمرَّة  يستدرج الشاعر أبو العلاء ليخبره مدى تفهُّم حيرته البصيرة، وأخرى يؤكِّد فيها أسبقية أبو تمام في قراءته "الكاماسوطرا"، وهكذا يفعل مع مارد الريح العاتية أبو الطيب، ليسافر إلى مدونةٍ ثقافيةٍ أخرى، حيث رامبو الساحر الذي أيقظ كوكب هذيان العالم النائم في رماد الأبجدية، وكذلك يفعل مع بودلير ودريدا ونيتشه، يحاول من خلال هذه المُساءلة الثقافية-الفكرية إحياء أصوات هؤلاء جميعاً، وإعطاء بُعدٍ آخر لنظرتهم إلى الوجود والأشياء، ليسأل عن الصحيح-الخطأ، عن السياسة، الإسلام، الحداثة..

بعدها يحطُّ يده مرةً أخرى على الجروح العربية-الإسلامية، في عنوانٍ ثانٍ "عن الثورة والديمقراطية" ويُطعِّمه بعنوان ثانوي، "فولتير أولاً، أم قطع رأس الملك؟"، وقد تناول في هذه المبحث الانتفاضات العربية، التي كانت حلما بالتغيير ووعداً بالتحرير، كانت يوتوبيا انعتاق واحتضان للتاريخ، وقد أصبحت سردية بوَّأت بروميثيوس عرش التدبير مكان الآلهة الآفلة تاريخياً بفعل الحداثة واحتجاجاتها. ومن جهةٍ أخرى عاتب الباحث العقل النقدي العربي، الذي لم يواكب حسب تعبيره الانتفاضات العربية وانجازاتها السياسية، وتطلُّعاتها التي يرى بأنَّها مشروعة، وعليه كان لزاماً على هذا العقل النقدي أن يُراجع مسيرته ونظام فهمه للواقع والتاريخ، وفي المقابل يرى بأنَّه كان من المفروض أن تسبق الثورات العربية مخاضاً من النضالات المعرفية، لتكون الولادة طبيعة وغير مؤذية، لأنَّها ستكون حتماً مُشبعة من كلِّ جهة، وهذا على غرار الثورة الفرنسية 1789، التي جاءت كنتيجةٍ حتميةٍ للفتوحات الفكرية التي شكَّلتها مجموعةٌ من الوجوه، من بينهم فولتير الذي سبق بنضاله الثوار الفرنسيين، ليخرج بنتيجة هي أنَّ الأنوار سبقت الثورة السياسية، ليعيد مساءلة الواقع العربي ((هل كانت ثوراتنا أيضاً، تتويجاً لمسارٍ نضاليٍّ وتقدُّمٍ معرفيٍّ ورغبةٍ في النقد الذاتي لمجتمعٍ لم يعد مؤسَّسة تكفل لأبنائها جميعاً الحياة الكريمة الحُرة؟ هل كانت ثوراتنا، فعلاً، تشدُّنا للديمقراطية بوصفها نظام عمل مجتمع يقوم على مركزية الإنسان والمُساواة الحقوقية بين الأفراد بعيداً عن أشكال العصبيات والانتماءات الطائفية والمذهبية السائدة))، ليخرج بنتيجةٍ تفيد بأنَّ الثورة يجب أن تكون ثقافيةً وفكرية، من خلال نقد الموروث، والذات، وأن تضرب موعداً مع التاريخ وتسائله.

والمشكلة حسب الباحث أحمد دلباني هي أنَّ العقل العربي لم يُؤَنْسِنْ الديمقراطية، ليواصل الباحث رحلته الفكرية في هذا الكتاب، بعناوين أخرى تسبر عمق الأزمة العربية-الإسلامية، وتفصِّلها بمقاساتٍ معرفية، مروراً بـ "العقل الإسلامي والديمقراطية" بعدها يقدِّم قراءة معرفية لـ "كونشيرتو القدس" لأدونيس، خاصةً وأنَّ هذا الأخير من أبرز العقول النقدية في العالم العربي، ثمَّ بحث آخر يحمل حفرية فكرية واسعة معنونة بـ "المنحنى البروميثوسي في الثقافة العربية، أدونيس ناقداً ثقافياً"، لتنتهي هذه العُصارة الفكرية التي تتجدَّد كلَّ مرةٍ بمحاورتين مهمتين مع الباحث. اهتمَّ الكاتب طوال مسيرته الفكرية بالنقد الثقافي، ما جعله يدخل في متاهات الأسئلة الوجودية، وتتبع العقول النقدية العربية بالتحديد، بعد أن أسقط عليها تجارب الغرب الفكرية والفلسفية، مُتماهياً مع الواقع العربي وما يحدث فيه، فقد سبق له وأن نشر العديد من الكتب التي نحت هذا النحو، مثل "سِفر الخروج" ، و"قداس السقوط–كتابات ومراجعات على هامش الربيع العربي"، ليأتي هذا الكتاب "رمل اليقين–المجتمع العربي وأسئلة الثورة والديمقراطية"، ويُضاف إلى سجله الفكري، ويُغني به رفوف المكتبة العربية العطشى لمثل هذه البحوث.

كما تناول العديد من المواضيع والمفاهيم السياسية والفكرية التي تشغل العقل العربي-الإسلامي، وحاول التطرُّق إلى عمقها، بالتحليل والنقاش، مثل "الإسلام السياسي، المجتمع البطريركي، محنة الحداثة، الثورة والديمقراطية، العقل الإسلامي، المصالحة المؤجلة، المنحنى البروميثوسي في الثقافة العربية، إلخ ..." وغيرها من المفاهيم الأخرى التي أشار إليها في قلب المتن.

 كما يخرج بخلاصة، تفيد بأنَّ المجتمع العربي-الإسلامي لديه خوف كبير من العقل والنقد، ولا ينفتح على أسئلة المعنى خارج مرجعية الأسلاف، الذين لم يكن بمقدورهم أن يفكِّروا لزماننا، كما أنَّه مجتمع لا يثق في الإنسان وبقدراته متى توفَّرت الحرية، بل يذهب الباحث أكثر من هذا حين يقول بأنَّه يُنصت -أي المجتمع العربي- إلى مرجعياتٍ أصبحت حاجزاً أمام فاعلية الإنسان، وهذا ما غيَّب حسب تعبيره الدقيق ((الإنسان من كل خطاباتنا وقراراتنا السياسية وغير السياسية)).

أرى بأنَّ المؤلف استطاع من خلال هذه الكتاب أن يضع العقل العربي في الميزان، بعد أن طوع الرؤى المعرفية وسكبها على واقعنا الـمُعاش، ما نتج عنه رؤية وجوهنا المشوّهة في مرآة صافية سليمة، أي أنَّه نقل هذا الواقع دون مساحيق، ليكون هذا الـمُنجز الفكري الذي أغنى به رفوف المكتبة العربية، بمثابة خارطة طريق لإنقاذ ما تبقى لنا، وإعادة تدوير لعقولنا التي لم تعد تنتج فكراً ومعرفة، لتمشي في خطٍّ موازٍ مع الفطرة وتقويها. وقد انعكست مُقاربته الفكرية والفلسفية حقاً في العديد من الدول العربية التي قامت فيها الثورة، ولأنَّ الفعل التنويري غائب، والوعي العام بدور العقل قاصر، فشلت معظم هذه الثورات في فعلها التحرير ومحاربة الاستبداد، بل أكثر من هذا خلقت على هامشها التطرُّف، الذي يقتل العقل ويبيده، لأنَّه لا يستند في فعله سوى على توجهٍ واحد ذي مرجعيات متعدَّدة، من هنا كان الكتاب بمثابة بوصلة يمكن من خلالها البحث عن صناعة للعقل النقدي وسط صحراء لا تؤمن به.

 


[1]  أحمد دلباني 1968، كاتبٌ وباحثٌ جزائري مُنشغلٌ بقضايا الراهن الفكري والثقافي والحضاري، وأسئلة العقل العربي من منظورٍ نقدي-ثقافي. نشر العديد من الأعمال الفكرية والنقدية في الجزائر وسوريا، من أهمِّها: "السمفونية التي لم تكتمل"، منشورات "أرتيستيك"، الجزائر 2007، "فجيعة التروبادور" (حول الشاعر عبد الله بوخالفة)، منشورات "البيت"، الجزائر 2010، "مقام التحوُّل" (هوامش حفرية على المتن الأدونيسي)، "دار التكوين"، دمشق، سوريا 2009، "سِفرُ الخروج"، نشر "دار التكوين"، دمشق، سوريا 2010. و"قُدَّاس السقوط"، أيضاً من "دار التكوين"، دمشق سوريا 2012. وله مُساهماتٌ فكريةٌ في عددٍ من الجرائد الوطنية والعربية.

 



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR