المادية وفلسفة العلم

مقالة بقلم رائد شيا

العدد الرابع - صيف 2015 - الخميس 23 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

خلاصة

كثيراً ما نسمع بعض الادِّعاءات الشائعة مثل "الروحانيات هي قمة العلم" أو أن "العلم والدين لا يتناقضان"، وأن الإنسان مكوَّن من بُعدين، ماديٍّ وروحي، وأن هناك أشخاصاً يتمتَّعون بقدراتٍ خارقةٍ من قراءة للأفكار إلى القدرة على التنبؤ بالمستقبل، إلى تحريك الأجسام ذهنياً أو غير ذلك من أمثال هذه الظواهر. إلَّا أنَّ الهدف من هذه المقالة هو تبيان أنَّ العكس هو الصحيح، وذلك عبر تسليط الضوء بصورة مختصرة جداً على فلسفة العلم وعلاقتها بالفلسفة المادية. هذا لا يدعونا إلى أخذ موقفٍ سلبيٍّ من العلم، بل على العكس من ذلك، فالعلم يمنحنا طريقة في التفكير لها انعكاساتها الإنسانية والأخلاقية والتي تجعل من عالمنا مكاناً أفضل بكلِّ المقاييس.

هل الإنسان مكوَّن فعلاً من بُعدين، ماديٍّ وروحي؟ وهل حقاً يوجد أشخاص يتمتَّعون بقدراتٍ خارقةٍ من قراءة للأفكار إلى القدرة على التنبؤ بالمستقبل، إلى تحريك الأجسام ذهنياً أو غير ذلك من أمثال هذه الظواهر؟ وهل هناك حقاً زياراتٌ للأرض لمخلوقات من خارج كوكبنا حصلت أو لازالت تحصل حتى اليوم؟ وأخيراً ما هو الرأي الذي يعطيه العلم بشأن كلِّ ما ذُكر؟ تحاول هذه المقالة الإجابة على هذه الأسئلة عبر تسليط الضوء بصورة مختصرة جداً على فلسفة العلم1 وعلاقتها بالفلسفة المادية2.

من النموذجي جداً في وقتنا الحالي أن نجد أشخاصاً يتحدَّثون عما يُدعى بالطاقة الروحية، وعلوم العلاج بها، كالتشي كونغ3 والعلاج بالطبِّ البديل، أو أشخاصاً يتحدَّثون عن الشاكرات4، والتأمُّل، والمعلمين الروحيين عبر التاريخ، والعلوم الخفية، والحضارات القديمة فائقة التقدُّم، والأجهزة المضادة للجاذبية، والمحركات دائمة الحركة، والكارما5، وعن زيارات الكائنات الفضائية للأرض، وعن رسائلها المفترضة المتروكة في دوائر الحصاد وعن التنجيم  وغيرها من العلوم الزائفة والادعاءات غير المثبتة.

قد يقول قائل: وكيف نعلم أنَّ ادعاءاً ما يمثِّل ادعاءاً علمياً أو إذا ما كان مجرَّد خرافة أو علم زائف؟ وما هو المقياس في الحكم؟ وكيف يمكن تبيان لماذا يُعدُّ كلَّ ما سبق من وجهة النظر العلمية مجرد ادَّعاءات؟

إنَّ الجواب هو في غاية البساطة. فالعلم، هو مقاربة الواقع باستخدام المنهج العلمي. أي: جمع بيانات عن ظاهرةٍ معينة من خلال تجارب قابلةٍ للتكرار ضمن نفس الظروف، من قبل أي أحد يودُّ القيام بذلك، ثمَّ وضع نظرية لتفسير هذه التجارب، ثم -وهي أهم خطوة- أن تكون هذه النظرية قادرةٌ على القيام بتنبؤات يمكن التحقُّق منها تجريبياً، فإن توافقت تنبُّؤاتها مع التجارب، نتبنى النظرية طالما لم توجد أيُّ تجاربٍ تناقضها. وإن لم توافق تنبؤاتها التجارب، نبحث عن تفسير بديل ونعيد الكرة. ويجب أن تحقِّق النظريات العلمية خاصية قابلية التخطيء، بمعنى أن تكون تنبؤاتها واضحة تماماً دون لبسٍ أو غموض، بحيث يكون بالإمكان من حيث المبدأ القيام بتجارب حاسمة تستطيع اكتشاف خطأ النظرية فيما لو كانت خاطئة، أو تؤيِّدها فيما لو كانت متوافقةً فعلاً مع الواقع. أمَّا العلم الزائف، فهو ما يدعي أصحابه كونه علماً، ولكنَّه لا يخضع للمنهج العلمي. وبالنسبة للادِّعاءات غير المثبتة، فإنَّ شهادات الأشخاص ورواياتهم، لا تعتبر دليلاً مقبولاً في العلم، لأنَّ الأشخاص يمكن أن يكذبوا أو يبالغوا أو يسيئوا تفسير ما يشاهدون.

ولكن، أليست هناك آلاف المقاطع على الإنترنت لمحركاتٍ دائمة الحركة وأجهزة مضادة للجاذبية وأشخاص يطيرون بوسائل خارقة للطبيعة أو لظواهر باراسايكولوجية كتحريك الأجسام ذهنياً؟

في الواقع، فإنَّ كلَّ ما تمَّ ذكره من الادعاءات السابقة قد تمَّ فحصها علمياً لآلاف ممن ادعوا وجودها وأنَّ لديهم أدلة عليها، ولقد تبين أنَّه بمعظمه خداع أو سوء تفسيرٍ للظاهرة قيد البحث، وحتى اليوم لا يوجد إثباتٌ علميٌّ واحد على وجود أيِّ ظاهرةٍ خارقةٍ للطبيعة. كما أنَّه لا يوجد أحد استطاع صناعة آلاتٍ دائمةٍ الحركة أو محرِّكاتٍ مضادةٍ للجاذبية. وكان الساحر المشهور جيمس راندي، قد طرح تحدياً منذ عام 1968 وقد أصبحت قيمته اليوم 1000000$ لأيِّ أحدٍ يستطيع الإتيان بدليلٍ واحدٍ على ظاهرةٍ خارقةٍ للطبيعة، شريطة أن يخضع للفحص العلمي الدقيق. وحتى اليوم لم يستطع أحد الإتيان بهكذا دليل6 وفي النهاية، فهذا لا يعني أنَّ الظواهر السابقة غير موجودة، إلا أنَّه وبغياب الدليل، وكونها تناقض نظريات علمية قد تمَّ التحقُّق من دقتها مراراً، فإنَّ وجودها بعيد الاحتمال. فكما قال الفيزيائي الأمريكي الشهير ريتشارد فاينمان، العلم لا يخبرنا ما هو الصحيح وما هو الخاطئ، بل يخبرنا أنَّ احتمال صحة أمرٍ ما أكبر بكثير من احتمال خطئه أو العكس. وأعود لأؤكد، أنَّه وبمجرد وجود دليل على هذه الظواهر، فيجب علينا القبول به حتماً، وسيكون بغاية الإثارة أن نُضطر لنسف الكثير من  نظرياتنا الحالية عن الكون، وبناء نظرياتٍ جديدةٍ من الصفر تقريباً.

ولكن، لننتظر لحظة! إنَّ العلم يتغير. وما يعتبر صحيحاً اليوم، قد يصبح خاطئاً غداً. وقد يثبت العلم وجود هذه الظواهر في المستقبل. أليس كذلك؟

في الواقع، هذا صحيح. ولكن علينا ألا ننسى أيضاً أنَّ العلم قد لا يثبت صحة هذه الظواهر في المستقبل، بل والأكثر من ذلك، فقد يثبت العلم أنَّها ليست موجودة. لذلك فإذا قلنا بأنَّ العلم قد يثبت وجودها مستقبلاً، فإنَّنا أيضاً نستطيع القول أنَّ العلم قد يثبت عدم وجودها مستقبلاً، فالمستقبل مفتوحٌ على كلِّ الاحتمالات، لذلك فهذه نقطة ليست في صالح أحد، ولا يستطيع أحدٌ استخدامها كدليلٍ على صحة كلامه. فلا أحد يعرف المستقبل. وبالنسبة لتغير العلم، فهذا صحيح، وهذه هي نقطة قوة العلم. ولكن علينا أن نتذكر بأنَّ النظريات العلمية لا تنسف ما قبلها من نظريات تماماً. فالعلم هو سلسلة تقريباتٍ متتالية للوصول إلى الحقيقة. وكلُّ نظريةٍ جديدة، هي أقوى وأقرب للواقع من سابقتها. فالنظرية الجديدة عليها أن تفسِّر كلَّ ما فسرته النظرية القديمة، بالإضافة لتفسيرها ظواهر جديدة، وشرح لماذا كانت النظرية القديمة تفسر بعض الظواهر. فمثلاً قديماً كانت لدينا نظرية تقول بأنَّ الأرض مسطحة. ولكن، عندما اكتُشفت نظرية كروية الأرض، فهذه النظرية لم تكتف بتفسير الظواهر التي لم تستطع النظرية الأولى تفسيرها فحسب، بل بيَّنت لماذا كانت نظرية الأرض المسطَّحة تفسِّر بعض المشاهدات. فقد تبيَّن أنَّ السبب هو كِبر نصف قطر الأرض مقارنةً بمقاييسنا. لذلك فالظواهر التي نشاهدها على مقاييسنا اليومية، على سبيل المثال ظهور سطح الأرض مستوياً، كانت تفسر تفسيراً معقولاً بافتراض أنَّ الأرض مسطَّحة. 

لذلك، وبسبب هذه البنية للعلم، فإنَّه من المستبعد جداً اكتشاف نظريةٍ تنسف كلَّ ما قبلها تماماً. فمثلاً احتمال اكتشاف نظرية تنسف نظرية كروية الأرض، وتعيدنا لنظرية الأرض المسطَّحة، هو احتمالٌ شبه معدوم. وبنفس الطريقة، فاكتشاف نظرياتٍ تثبت وجود الظواهر الباراسايكولوجية، هو أيضاً صغيرٌ جداً، وذلك لمخالفة هذه الظواهر لغالبية ما نعرفه من نظريات. ولذلك، فلسنا مضطرين لأخذ هذا الاحتمال بالحسبان، فالشخص المنطقي يسير على الاحتمال الأكبر. إذ وعلى الأرجح، فنحن لانستطيع معرفة أيِّ شيء بثقةٍ مطلقة. ولكن، ولأنَّ احتمال صحة أو خطأ شيءٍ ما لا يتساويان في الحالة العامة، فعلينا أن نسير على الاحتمال الأكبر. فأنا وعلى سبيل المثال، لا أستطيع أن أثبت أنَّني عندما أخرج من المنزل، فلن تدهسني سيارة، ولكنه احتمال صغير جداً لدرجة أنَّني أخرج وأنا مطمئن أنَّه لن يحدث. بنفس الطريقة، فإنَّ احتمال وجود الظواهر الخارقة للطبيعة صغيرٌ لدرجة أنَّه يمكننا العيش مطمئنين على فرضية عدم وجودها.

أخيراً، فما الذي يدفعنا للثقة بالعلم لهذه الدرجة بل واعتباره أكثر طريقٍ موثوقٍ يعرفها البشر للوصول إلى الحقيقة؟ فلماذا لا يكون المنهج العلمي هو إحدى طرق البحث عن الحقيقة والمكافئة لغيرها من الطرق؟ بل ما أدرانا أصلاً أنَّ المنهج العلمي هو طريقة صحيحة بالأساس للوصول إلى الحقيقة؟

إنَّ الجواب في غاية البساطة. إذ ماذا يعني عندما نصف ادِّعاءً ما حول الواقع بأنَّه صحيح؟ إنَّ ذلك يعني أنَّ الجانب من الواقع والذي يوصِّفه هذا الادِّعاء، يعمل فعلاً وفقاً لذلك الادّعاء. وكيف إذن يمكننا التحقُّق من صحة ادِّعاءٍ ما؟ إنَّ الجواب هو من خلال مقارنته بالواقع، أي من خلال التجربة. وبالتالي، بالتعريف فإنَّ الادِّعاء الصحيح هو الادِّعاء الذي يتوافق مع التجربة. وإنَّ أوثق طريقةٍ لمقاربة الحقيقة هي الطريقة التي تعتمد في بنائها على تبني الادِّعاءات التي تمَّ التحقُّق من صحتها أي التي تتوافق مع التجربة. وهذا هو جوهر المنهج العلمي. ولذلك فالعلم هو أوثق طريقةٍ نعرفها لمقاربة الحقيقة.

وكما رأينا فالعلم قائمٌ فقط على ما يمكن ملاحظته بالتجربة، وبالتالي فهو لا يعترف بالغيبيات التي لا يمكن التحقق من صحة وجودها. ونماذجنا العلمية ترسم لنا صورة عن العالم تتوافق تماماً مع ما تطرحه الفلسفة المادية، فكل ما هو موجود من ظواهر سببه المادة وتفاعلاتها، وليس سببه عوالم روحية مزعومة أو مصادر فوق طبيعية.

والآن يمكن قول ما يلي عن العلم. فبالإضافة لقيمته كأوثق طريقٍ نعرفها لمقاربة الحقيقة، فإنَّ له صفة أخرى تجعله يسمو على جميع منتجات العقل البشري الأخرى، وهذه الصفة هي الكونية. ويمكن شرح ذلك كما يلي: لنتصور كائنات عاقلة تطورت على كوكبٍ بعيدٍ مظلم، بحيث أنَّها لم تطوِّر عيوناً للرؤية، فهل سيكون للفنِّ التشكيلي قيمة أو حتى معنىً لديها؟ بالطبع لا. والآن تخيلوا كائنات عاقلة أخرى تطوَّرت على كوكبٍ آخر تهبُّ فيه عواصف دائمة عاتية بحيث لن يكون لحاسة السمع فائدة فيه ولذلك لا توجد هذه الحاسة لدى كائنات هذا الكوكب. فهل سيكون للموسيقى عندها معنىً لديها؟ بالطبع لا. وتصوروا على كوكبٍ ثالث تطورت كائنات لم تكن أسلافها تشبه الرئيسيات في شيء، وبالتالي طوَّرت أنظمة اجتماعية مختلفة تماماً عما لدينا هنا. فهل سيكون للأدب عندها معنىً؟ أيضاً لا. ولكن لدى جميع تلك الكائنات سيكون لقوانين الطبيعة معنىً، حتى لو عبَّرت عنها بلغاتٍ مختلفة، وبالتالي سيكون للعلم عندها معنىً، كما أنَّ له معنىً لدينا. فالعلم هو النشاط البشري الوحيد، الكوني بحق، والذي يتجاوز حدود بشريتنا الضيقة والمحدودة، بل والتافهة في هذا الكون. ولذلك فهو أرقى النشاطات البشرية دون منازع ولا يمكن وضع أيِّ نشاطٍ آخر على قدم المساواة معه.

وفي النهاية فأجمل ما في العلم هو أنَّنا لا نحتاج أن نؤمن به إيماناً أعمى بل نصدقه لأنَّه يعمل وبالأدلة القاطعة. أما الإيمان والذي يروَّج له على أنَّه فضيلة فهو بكلِّ بساطة يعني تصديق ادِّعاءٍ أو ادِّعاءاتٍ دون دليل. ولذلك وعند التفكير فيه ملياً يتبين أنَّه أبعد ما يكون عن الفضيلة.

فباسمه يخدع بعض البسطاء للقيام بفظائع لا يقبلها العقل أو الأخلاق. ولو فكَّر هؤلاء لوجدوا أنَّ ما يعتنقونه كإيمانٍ أعمى هو ليس أكثر من مجموعة ادِّعاءات حول الوجود، تمَّ تلقينهم إياها من آخرين. ولذلك فيجب أن تكون خاضعةً للفحص والتدقيق مثل غيرها من الادعاءات وليس لها أيُّ حقوق تميزها عن غيرها، والمنهج العلمي يمثِّل فنَّ كشف الادِّعاءات الخاطئة حول الطبيعة، وحتى لو قبل ادِّعاء ما مؤقتاً فهو يُرينا بأنَّه عرضة للتعديل مستقبلاً.

ولذلك فلو انتشرت الطريقة العلمية في التفكير بين عموم الناس لما وجدنا احتكاراً للرأي من أحد ولا اعتداءاً على الآخر نتيجة معتقداته من أحد، ولتركَّزت الجهود جلُّها باتجاه دفع مسيرة التقدم الحضاري للبشرية بدلاً من أن يضيع معظمها في اقتتالٍ بين الناس حول خرافة من هي الأصح.

 

الهوامش

(1)      : فلسفة العلم : هي فرع من الفلسفة يهتم بدراسة أسس وطرق ونتائج العلم, وما الذي يميزه عن مجالات المعرفة الأخرى. من أشهر فلاسفة العلم : كارل بوبر. https://en.wikipedia.org/wiki/Philosophy_of_science

(2)     الفلسفة المادية: هي فرع من الفلسفة يقوم على الاعتقاد بأن الطبيعة مبنية من المادة فقط, وأن الظواهر الطبيعية بما فيها الظواهر العقلية والوعي هي نتاج للمادة نفسها والعمليات التي تحصل ضمنها. من أشهر الفلاسفة الماديين: لودفيغ فيورباخ وكارل ماركس.  https://en.wikipedia.org/wiki/Materialism

(3)     التشي كونغ أو الكيغونغ : هي نوع من التدريبات الروحية الذي يهدف للوصول إلى انسجام بين الجسد والتنفس والعقل من أجل الحصول على فوائد صحية أو في التأمل أو في التدريب على الفنون القتالية. https://en.wikipedia.org/wiki/Qigong

        (4)    الشاكرات: وفقا لفلسفة اليوغا هي مراكز للطاقة موجودة في الجسد الأثيري (وهو أحد أجساد عدة غير مرئية يدعي اليوغيون وجودها إضافة للجسد المادي). http://www.chopra.com/ccl/what-is-a-chakra

        (5)    الكارما : تشير إلى المبدأ الروحي القائل بالسبب والنتيجة بمعنى أن نوايا وأفعال شخص ما (السبب) تؤثر على مستقبل هذا الشخص (النتيجة). https://en.wikipedia.org/wiki/Karma

         (6)   رابط تحدي راندي لمن يرغب : http://web.randi.org/the-million-dollar-challenge.html

 

تنويه وشكر: أشكر الصديقة شروق زيتون والتي لولاها لم يرَ هذا المقال النور، كما أشكر صديقي رشيد الأشقر لمساعدته في طباعة هذه المقاله.



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR