الإلحاد في جزيرة العرب

دراسة بقلم عمر سليمان

العدد الرابع - صيف 2015 - الاثنين 03 / آب / أغسطس / 2015


Replacement_Image

خلاصة

بدأ الإلحاد مع نشوء "الدهرية" في عصر ما قبل الإسلام، وخلال العصور الأولى منه، واتخذ الإلحاد أشكالاً عدة غالباً ما كان يُعبَّر عنها بـ"الزندقة"، حيث لم يكن للإلحاد معناه المتطور اليوم، لكن في نهاية العصر العباسي، وصل الفكر الإلحادي إلى ذروته على يَدَي "أبو بكر الرازي". ومع انتشار الفكر السلفي في عهد محمد بن عبد الوهاب، الذي تحالف مع التيار السياسي في السعودية، أصبحت السلفية مصدراً للتشدد، وفرضت تعتيماً إعلامياً على وجود الملحدين في المملكة، إلى أن نشر تقرير معهد "غالوب" الألماني عام 2014 تقريراً يذكر أن نسبة الملحدين في السعودية تصل إلى 9% من مجموع السكان، ما شكل ضجة كبيرة في وسائل الإعلام والأوساط الثقافية والدينية.

الإلحاد قبل الإسلام:

لم يصلنا الكثير عن نشوء الإلحاد وتطوره في جزيرة العرب قبل الإسلام، من جانب آخر، تتعدد المصطلحات وتختلط في تفسير الإلحاد، فمصطلح "الزندقة" كان يُرمى به كل من أنكر إحدى تعاليم الديانات، وقد تطور هذا المصطلح في عصور الإسلام اللاحقة، وهو ما سنعود إليه في الجزء الثاني من هذه الدراسة.

لكن المصطلح الأكثر قرباً إلى الإلحاد بمفهومه الديني قبل الإسلام هو"الدهرية"، جاء في الحديث القدسي الصحيح )يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره(<1>، المقصودون بالحديث عموم العرب الذين كانوا يسبون الدهر في المصيبة، فهل كان الدهر بالنسبة إلى بعضهم هو الله؟، أم أنه إله آخر؟، أم أن هناك من كان ينكر الخالق متبنياً فكرة: المادة أصل الكون ولا فناء لها كما في الماركسية <2>.

يميل التفسير الإسلامي إلى الاعتقاد بأن الدهريين كانوا مقرين بوجود الخالق مع إنكارهم للبعث و/أو للرسل، ففي كتابه (نهاية الإقدام في علم الكلام) يقول "الشهرستاني"، "الدهرية قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة، تتحرك على غير استقامة، فاصطكت اتفافاً؛ فحصل العالم بشكله الذي تراه عليه، ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر وجود الصانع، بل هو يعترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البحث والاتفاق؛ احترازاً عن التعليل" <3>، يبدو الشهرستاني متناقضاً في رأيه حول الدهريين، فهم كما يقول يعتقدون بالصدفة "الاتفاق" والخالق معاً، مع أن الاعتراف بالخالق يستوجب الاعتراف بدقة الخلق، وقد جاء ذكر الدهريين في عدة مواضع من النص القرآني، أهمها (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علمٍ إن هم إلا يظنون) "سورة الجاثية، الآية 27"، نقرأ في تفسير "ابن كثير" للآية السابقة: (وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، ويعتقدون أن في كل ست وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى) <4>.

نجد تشابهاً بين تفسير ابن كثير ومقولة الشهرستاني، فـ"الدهر" بالنسبة إلى الدهريين رديف للزمن الذي يتحكم بالعالم، لا عن إرادة وقدرة بل عن سيرورة، والمقصود بـ"الدهريين" هنا المنكرين للخالق وليس عموم العرب الذين كانوا يُرجعون المصيبة إلى الدهر، لا كونه صانعاً، بل رمزاً لتغيرات الأحوال والظروف.

نجد للدهرية تواجداً في الشعر الجاهلي، فهي بمعناها الزمني تعني الاعتراف بالزمن الحالي الملموس وإنكارَ زَمني ما قبل الولادة وما بعد الموت، بهذا المعنى، تشترك مع الفلسفة الوجودية التي كان "طرفة بن العبد" أول من تبناها من العرب في معلقته، (ألا أيهذا اللائمي أن أحضرَ الوغى/ وأن أشهدَ اللَّذَّاتِ، هل أنتَ مُخلِدِيْ؟/ فإن كنتَ لا تسطيعُ دفعَ منيَّتي/ فدعني أبادرْها بما ملَكَتْ يديْ)، وبهذا المعنى أيضاً، والذي يتضمن التركيز على الحياة الآنية بصفتها المرجع الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يمارس سلطته ويستعمل عقله فيه، دون اعتراف بالغيبيات، نجد معنى الدهرية في "العَلمانية" الفرنسية "sécularisation " التي اشتُقت من كلمة "Siécle" (القَرن)، فهي تُعنى بالعالَم المَحسوس المجرد دون غيره، وكان من نتائجها ظهور "العِلمانية"، "" laïcité التي تعني فصل الدين عن الدولة، وعدم تدخل السلطة السياسية في العلاقة بين الإنسان وإلهه، ولعل ما ورد من تعريف للـ"الدهرية" في "موسوعة المعرفة" هو الأكثر دقة وجمعاً بينها وبين العَلمانية الأوروبية، فهي "فرقة نفوا الربوبية وجحدوا الصانع المدير القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه لا بصانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، وكذلك كان، وكذلك يكون أبداً"<5>.

 

السلفية والإلحاد:

وردت كلمة الإلحاد في عدة سور من القرآن، أكثرها شهرة قوله (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا، أفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة)"سورة فُصِّلَت، الآية40"، لكن الإلحاد الذي يُعرَّف لغوياً بأنه "الميل عن الطريق"، بقي إشكالياً في مختلف التفاسير الإسلامية للآية السابقة، فهو إما "التشكيك" في النص القرآني أو إنكار أن يكون كلاماً إلهياً، دون الاقتراب من فكرة "إنكار الخالق"، في حين أن مصطلح "الزندقة" غلب على مختلف العصور الإسلامية شاملاً كل من يشكك في النص الديني أو "يشرك" بالله أو ينكره، وقد كان حكمه القتل، فقد رُوي عن علي بن أبي طالب أنه أتِيَ بزنادقة فحرَّقَهم <6>، وفي العصر الأموي، عُرف "الجعد بن درهم" الذي قتله "هشام بن عبد الملك" بتهمة الزندقة <7>، أما العصر العباسي، فقد شهد انتشاراً واسعاً لهذه التهمة بسبب النشاط الفكري ودخول الفلسفات الشرقية وأهمها الفارسية إلى الثقافة الإسلامية، ذهب ضحية هذه التهمة مئات المفكرين والشعراء أشهرهم ابن المقفع وبشار بن برد والسهروردي والحلاج، ووصلت تهمة "الزندقة" إلى ذروتها خلال الصراع بين المعتزلة الذين رأوا أن القرآن مخلوق يحتكم للعقل وأحمد بن حنبل (780-855م) الذي قال بأنه صفة من صفات الله مكرساً مبدأ "النقل"، ثم أبو بكر الرازي (865-923م) الذي انقلب حتى على المعتزلة رافضاً تأويل الآيات وتحكيمها للعقل، ففصل بين المنطق والدين، وأنكر الوحي والنبوة، فكان أول من كرس للفكر الإلحادي بطريقة علمية، ومن ذلك مواجهته الصريحة للتحدي القرآني المتمثل في الآية الشهيرة "فإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله"(سورة البقرة، الآية23)، يقول الرازي: "فإن أردتم أن نأتي بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء وما هو أطلق منه ألفاظاً وأشدّ اختصاراً في المعاني وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعاً"<8>، ثم اختُتم العصر العباسي مع أبي العلاء المعري (973-1057م)، الذي كان أشهر من اتُّهم بالزندقة –سيما من قبل الحنابلة-بسبب فلسفته الشاكَّة بالنبوة والإله.

مع مجيء ابن تيمية(1263-1328) –مؤسس السلفية وتلميذ ابن حنبل- عاد الصراع إلى أوَجه، سيما حول صفات وأسماء الله، وتحديداً في تفسير الآية القرآنية "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون" (سورة الأعراف، الآية180)، فقد كفَّر ابن تيمية كافة الفرق التي أوَّلت النص القرآني "المعتزلة" و"الجهميَّة" و"القدريَّة" و"المعطِّلة" و"الشيعة"، يقول عن صفات الله وأسمائه (إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتاً في كل فطرة، فكيف ينكر ذلك كثير من النظار؛ نظار المسلمين وغيرهم، وهم يدَّعون أنهم يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الإلهية، فيقال لهم: أول من عُرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة – هم أهل الكلام؛ الذين اتفق السلف على ذمهم، من الجهمية، والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف) <9>، وفي قوله (الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي، لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال) <10>، فالتأويل ونقاش صفات الألوهية خارج عن قاموس ابن تيمية، فضلاً عن فكرة وجود الله.

تميز مذهب ابن تيمية بالتركيز والاجتزاء على بعض السلوكيات التي لم تكن ذات أولوية في العصر الأول من الإسلام، مكرراً رميَ أصحابها بالشرك والكفر والزندقة، أكثرها أهمية "زيارة القبور"، و"إقامة التماثيل"، مستدلاً ببعض الأحاديث على حساب أحاديث أخرى، بالإضافة إلى التفسير الحرفي للنص القرآني وعدم مراعاة أسباب النزول.

 

السلفية وآل سعود:

أما السلفية الجديدة، أو "الوهابية"، التي تُعد اجتزاء آخر لسلفية "ابن تيمية" على يدَي مؤسسها "محمد بن عبد الوهاب"، فقد كانت أكثر انغلاقاً وتعصباً، مع استثناء واحد: الطاعة العمياء لولاة الأمر، وذلك بعد أن أبرم مؤسس الدولة السعودية "محمد بن سعود" (توفي عام1765)  اتفاقه مع ابن عبد الوهاب، على أن يتولى الأول السلطة السياسية مقابل أن يرث أولاد الثاني السلطة الدينية، وبذلك ربط مصير دعوته بالحاكم، متبعاً منهج السلف، فالإسلام لم منذ عهد النبوة بعيداً عن السلطة، لكن وبعد مرور قرنين عن بدء هذا الاتفاق، ومع تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يدَي "عبد العزيز آل سعود" (1876-1953)، حُجِّمت سلطة آل الشيخ<11>، فقد عقد عبد العزيز صفقاته الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع المملكة المتحدة حماية لدولته من هجمات العثمانيين و"محمد علي" والي مصر، ثم مع الولايات المتحدة بعد اكتشاف البترول، ولم يكن أمام آل الشيخ إلا أن يرضخوا لهذه الاتفاقيات بالقوة مع مخالفتها الصريحة لعقيدتهم، مقابل أن يضمنوا انتشار "الوهابية" واستمرارها، من جانب آخر، أدى الازدهار الاقتصادي وقوة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى هجرة مئات الشباب من السعودية للدراسة في أميركا، ولن نتوقع أن يعود معظم هؤلاء مفضلين أن تكون أولوياتهم في الحياة "حكم لبس الساعة" على آخر المنجزات العلمية.

تتميز السلفية باهتمامها المفرط بالشكليات، على حساب الجوهر، وهو ما نراه اليوم في المملكة العربية السعودية، كالتطرف في تحريم إطالة الثوب، حلق اللحية، شرب الدخان، سماع الأغاني، وزيارة القبور، ونستطيع سوق أدلة على التفريط بهذا السلوك حد المرض، في مدينة الرياض، حيث يُجبَرُ التلاميذُ على تقصير أثوابهم وإطلاق لحاهم "وهم في سن المراهقة"، كما توزَّع عليهم آلاف الكتب وأشرطة الكاسيت التي تتضمن محاضرات لشيوخ عن المحرمات السابقة، ناهيك عن فرض الصلاة والصيام والفصل بين الجنسين بالقوة، وهو ما عاينته شخصياً خلال إقامتي في مدينة الرياض بين عامي 2000 و2004 وقد كنت في المرحلة المتوسطة، ويكفي الاطلاع على كتاب "التوحيد" لكافة المراحل الدراسية كي نتبيَّن المصادر التي اعتمدها الوهابيون، مقتصرين على "ابن تيمية" و"محمد بن عبد الوهاب"، معتمدين في بناء عقيدتهم برمتها على حديث واحد ورد في صحيح مسلم عن الصحابي عبد الله بن مسعود عن محمد قوله "إن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار"، فلفظة "بدعة" والتي تعني لغوياً الفعل الذي ليس له مرجع أو أصل، يستخدمها السلفيون لإبطال كل جديد في الحياة، وإلغاء مسألة "النقد" من التراث الإسلامي بكل الوسائل الممكنة، ومن ذلك كتاب "فتح الباري في صحيح البخاري"، ففي هذا الكتاب عرض"ابن حجر العسقلاني" لآراء خصوم البخاري وردَّ عليها، لكننا في مقدمة الطبعة الجديدة التي كتبها عبد العزيز بن باز (1910-1999)، وهي المُعتمدة في كافة الجامعات والمدارس السعودية، نقرأ "وقد وجدنا للشارح –ابن حجر- أخطاء لا يحسن السكوت عنها، فكتبنا تحتها تعليقات تتضمن تنبيه القارئ إلى الصواب وتحذيره من الخطأ"<12>، وهي عادة السلفيين بالنسبة إلى كافة الكتب التراثية الموثَّقة والمخالفة لمذهبهم.

 

الإلحاد السعودي المعاصر:

حتى أواخر القرن العشرين، بقيت مفردة "ملحدين" في المجتمع السعودي مقتصرة على معنى شديد السطحية، فهم مجموعة من شاربي الخمر والشاذين جنسياً وعملاء "الصهاينة"، فالسلفيون لا يقبلون أي نقاش حول فروع عقيدتهم فضلاً عن الإلحاد، لكن عودة الشباب السعودي من الخارج، والانفتاح التكنولوجي النسبي في المملكة، أوقعا الأجيال الجديدة في تناقض حاد بين ما نشأوا عليه من انغلاق وما يريدونه من انفتاح على الحياة.

في الظاهر، يثير ذكر كلمَتي "إلحاد" و"السعودية" شعوراً بالغرابة والتناقض، فكيف يمكن أن ينكر أحد الخالق في دولة قائمة على الإسلام؟، لكن ما يزيد من حدة هذه الغرابة التقرير الذي نشره معهد "غالوب" الألماني في شهر أبريل 2014، ومفاده أن نسبة الإلحاد في السعودية هي الأعلى عربياً، حيث تتراوح بين 5 إلى 9 من مجموع عدد السكان<13>.

منذ ذلك التاريخ يدور جدل واسع جداً حول حقيقة الأمر، علماً أن السلطات السعودية سبق وأن أغلقت بطلب من "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" 850 موقعاً إلحادياً من بينها "جمعية الملحدين السعوديين"، وطالبت الهيئة وزارة الداخلية السعودية بالقبض على أصحاب هذه المواقع<14>، مع ذلك، تنتشر حتى اليوم عشرات الصفحات الإلحادية على مواقع التواصل، من أشهرها صفحة "الملحدون السعوديون" والتي جاء في تعريفها ( التفكير ممنوع في مملكتنا لكنهم كما فشلوا سابقاً بإيقافنا فلن يوقفونا اليوم، وإن أغلقوا موقعاً لنا فتحنا عشرة)<15>.

غير أن هذه الصفحات لا تتضمن نقاشات فكرية جادة حول الدين والإلحاد، بل يغلب عليه الطابع التجميعي وردود الفعل العكسية على الفكر السلفي، كما تتميز بأن أصحابها يتكتمون بشكل كبير على شخصياتهم الحقيقية، بل يعلنون أنهم لا يستطيعون مناقشة الأمر واقعياً على الإطلاق، وهو أمر طبيعي في ظل الأحكام المتشددة التي تُمارَس عليهم، لذلك فإن هذه الصفحات لا تُعد قرائن كافية للاستدلال على كم انتشار الإلحاد في السعودية، غير أن ثمة قرائن أخرى نجدها في القوانين الجديدة والحوادث التي تكررت خلال السنوات الأخيرة ضد نشطاء سعوديين تعرضوا لتهم "الردة" أو "إهانة الإسلام" بسبب نشاطهم في المواقع والمدونات، منهم الناشط "رئيف بدوي" الذي حُكم عليه عام 2012 بالسجن عشر سنوات وبألف جلدة بدأت الجهات المختصة بتنفيذها يوم الجمعة  09/01/2015، وفي شهر شباط/ فبراير، أي بعد عامين من الحادثة، أصدرت الحكومة السعودية قانون "الإرهاب" الذي يشمل في مادته الأولى: "الدعوة للفكر الإلحادي بأي صورة كانت، أو التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي التي قامت عليها هذه البلاد"، أما العقوبة فإنها تتمثل في السجن ما بين 7 و20 عاماً<16>، وقد وردت العبارة السابقة في المادة الأولى من القانون، وكان أول من طُبِّقَت عليه المحامي "وليد أبو الخير" الذي اتهم بـ"السعي لنزع الولاية الشرعية"، وحُكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن التقرير الذي نشره معهد "غالوب" لم يعتمد على إحصائيات موثقة، بل على المواقع والصفحات الإلكترونية، مما ينزع عنه صفة الدقة، إلا أن الضجة التي أثارها سيما في "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، مؤشرٌ على حقيقة انتشار الإلحاد في السعودية، ويمكننا أن نستدل على ذلك من خلال مبادرة أطلقتها "الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان" بتاريخ 16-12-2014، ومهمتها "دحض شبهات الإلحاد عبر برامج وقائية متنوعة تخاطب الجميع، لمواجهة الفكر الإلحادي ومعالجة آثاره<17>، وبإطلاق هذه المبادرة تكون السلطات السعودية قد أعلنت بنفسها عن كم انتشار الإلحاد في المملكة، فهو لم يعد سلوكاً شائناً لبعض الأفراد كما كان يصرح السلفيون، بل أصبح "ظاهرة" تستوجب المكافحة، لذلك تبدو هذه المبادرة أكثر القرائن دقة <18>.

نخلص إلى أن الإلحاد في السعودية ليس ذا شكل واحد، ففي حين أن بعض الملحدين نهجوا هذا السبيل من باب القناعة العقلانية فإن بعضهم كان انتهجوه رد فعل على التشدد ورفضاً لاضطهاد الفرد في المجتمع، لكنه على كل حال ليس فكراً دخيلاً على المجتمع السعودي وباقي شعوب الجزيرة العربية، بل له أعلامه وتاريخه الممتد إلى ما قبل الإسلام، وهو يتنامى اليوم بسبب الانفتاح التكنولوجي الذي فرض نفسه على المملكة، ووصل الأجيال الجديدة بالمعارف البشرية وتالياً بتراثهم المغيَّب عن المناهج الدراسية اليوم، أما "السلفية" فقد شكلت منذ نشأتها تياراً صدامياً مع كافة التيارات العقلانية ومنها الإلحاد، لذلك فإن استمرارها سيؤدي إلى انفجار حتمي في المجتمع، إلا إذا اعترف رجال الدين السعوديون بالملحدين، وهو ما لا يؤمل تطبيقه في المدى المنظور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

1-      صحيح البخاري، الحديث الرقم 5714.

2-    "جزيرة العرب قبل الإسلام"، برهان الدين دلّو، الجزائر: منشورات آنيب، وبيروت: دار الفارابي، ص621-623.

3-    "نهاية الإقدام في علم الكلام"، الشهرستاني، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية – بيروت، 2004، ص123- 124.

4-    المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، صفي الرحمن المباركفوري وجماعة،  المكتبة الإسلامية، 2008.

5-    "الدهرية"، الموسوعة.كوم

http://alencyclopedia.com/2156/الدهرية/

6-    صحيح البخاري، حديث رقم 7008.

7-     جمهرة أنساب العرب لابن الكلبي، أبو المنذر هشام بن محمد أبي النضر ابن السائب ابن بشر الكلبي، المكتبة الإسلامية، ج1، ص7.

8-    من تاريخ الإلحاد في الإسلام، عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980، ص 250.

9-    مجموع الفتاوى، الجزء السادس عشر، ابن تيمية، جمعه عبد الرحمن بن محمد العاصي النجدي، وزارة الأوقاف السعودية، ص 431.

10-         بيان تلبيس الجهَمية في تأسيس بدعهم الكلامية، الجزء الخامس، ابن تيمية، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ص 473.

11-                       فقهاء النفط، راية الإسلام أم راية آل سعود؟، ص 16-17-18، صالح الورداني، نسخة إلكترونية.

12-                      فتح الباري في شرح صحيح البخاري، المطبعة السلفية، القاهرة الطبعة الأولى، 1960م، الجزء الأول، ص4.

13-         معهد "غالوب"، جزء من منظمة "غالوب" التي تُجري بانتظام استطلاعات الرأي والإحصائيات في أكثر من 149 دولة في العالم، وتنشر إحصائياتها بشكل يومي على الشبكة، وقد أخذت المنظمة اسمها من مؤسسها، الإحصائي الأميركي "جوروج غالوب"، أما الخبر السابق فقد ذكرته قناة "فرانس 24"، في موقعها الإلكتروني.

http://www.france24.com/ar/20140407-السعودية-ديانة-إلحاد-تويتر-فيس-بوك-تقرير/

14-         جريدة إيلاف الإلكترونية، مقال بعنوان "السعودية: إطلاق "يقين" لمكافحة الإلحاد في صفوف الشباب" حسن حاميدوي، الجمعة 19 ديسمبر، 2014.

http://elaph.com/Web/News/2014/12/966503.html

15-                      صفحة "الملحدون السعوديون"، موقع "فيس بوك"

https://www.facebook.com/pages/Saudi-Atheists-الملحدون-السعوديون/125124994181156?sk=info&tab=page_info

16-                      جريدة "الحياة" اللندنية، ٧ مارس/ آذار ٢٠١٤.

17-                      المصدر رقم 14

18-         سبق وأن نشرَت مجلة "دلتا نون" ريبورتاجاً مع شابين ملحِدَين من السعودية يمثلان التيارين الإلحاديَّين في المملكة، ويعرضان لكافة المشكلات التي تواجههما، وقد ذكر أحدهما هذه العبارة "في البداية أنكر الجميع وجود ملحدين في السعودية، لكني لمست تغيُّراً في الأسلوب والكلمات التي تُستعمل في مناقشتي أو مناقشة من هم مثلي، حيث كان يتم اتهامنا بالعلمانية أو الليبرالية، لكنهم اليوم يقولون يا ملحد!".

http://beta-deltan.c-tpa.org/?lang=AR&node=26938



تنويه: المواد المنشورة تعبر عن آراء وأفكار أصحابها ولا تعبر عن رأي المجلة والمركز




 
 
 
EN
AR