براميل الموت في الشهر الكريم: رسالة إلى شعب معذب

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم محمد متين الميهني

الأحد 28 / حزيران / يونيو / 2015


Replacement_Image

يتحذث الكاتب عن تعرض مدينة حلب للقصف اليومي من قبل قوات النظام السوري بالبراميل المتفجرة وارتكابها مجازر بشعة بحق المدنيين في الشهر الفضيل.

محمد متين الميهني |

 

أفطروا في المسجد وأقاموا صلاة التراويح في السماء، هذا هو حال السوريين في مدينة حلب التي باتت في مشهدٍ يوميٍّ من البراميل المتفجِّرة التي ترميها قوات سلطة الاستبداد. مدينة حلب المشهورة بسخائها وعطائها وكرم شعبها، تعيش معاناة وتغريبة أليمة، حتى صنَّفتها الأمم المتحدة بأنَّها المدينة الأكثر دماراً منذ الحرب العالمية الثانية، والأخطر على الحياة في العالم، بعد أن كانت على لائحة التراث العالمي والمدينة المأهولة الأقدم في العالم وعاصمة الثقافة الإسلامية.

لكن قصة الموت هذه ليست جديدة، ففي آب/أغسطس 2012 كانت سوريا على موعدٍ مع أول برميلٍ متفجِّر ترميه مروحيةٌ مقاتلةٌ تابعة للقوات الموالية للأسد حسب التنسيقيات المحلية وناشطين حقوقيين ومدنيين، آخذةً الفكرة من الاتحاد السوفييتي السابق والتي كان يستخدمها في حروبه على القاعدة في افغانستان. وهذه البراميل المتفجرة، التي يصل وزنها إلى 300-500 كغ، تحتوي على مواد شديدة الانفجار، وقطعٍ حادةٍ من الحديد والخردوات التي تُصنع منها قطع السيارات، وفي بعض الحالات تجد المواد الكيماوية المحرمة دولياً، كالفوسفور أو الكلور، مقعداً في أحد براميل الموت هذه.

وبغضِّ النظر عن تسمية براميل الموت التي تتبنَّاها مبادئ حقوق الإنسان، أو البراميل المقدَّسة التي يهلِّل لها المؤيِّدون المتطرِّفون، فالنتيجة واحدة وهي أنَّ الضحايا هم من المدنيين. فحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فإنَّ أكثر من 11000 مدني ذهب ضحية هذه البراميل في سوريا منذ عام 2012، وما يربو على 3000 منهم في حلب فقط.

لم يعترف النظام في سوريا بمقتل أيِّ مدنيٍّ بهذه الهجمات، لا بل ذهب رأس النظام القابع في دمشق للقول: ((لم أسمع عن جيشٍ يستخدم البراميل وأواني الضغط المنزلي))، مضيفاً بكل صفاقة بأنَّ جيشه يستخدم القنابل والصواريخ والرصاص، وذلك من خلال حديثه في مقابلة مع الصحفي البريطاني جيرمي بوين من شبكة BBC البريطانية.

وبتناقض معهود، وبعد فترةٍ لا تتجاوز الشهرين، يتعهَّد بشار الأسد لمبعوث الأمم المتحدة في سوريا ستيفان دي ميستورا بإجراءاتٍ متعلقةٍ بإيقاف البراميل المتفجِّرة وإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة وإجراء انتخاباتٍ مبكرة، وذلك بعد أن عبَّر دي ميستورا عن استنكاره وغضبه من البراميل المتفجِّرة، وحمَّل الأسد ونظامه المسؤولية في حماية المدنيين تحت أيِّ ظرف كان في بيان صادر عن مكتب الأمم المتحدة في جنيف، حسب ما نقلته جريدة النهار اللبنانية.

إحدى وسبعون دولة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميريكية، بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، واللوكسمبورغ، وقَّعت على عريضةٍ تندِّد بالاستخدام الممنهج للبراميل المتفجِّرة التي ترميها القوات النظامية الموالية للأسد على المدنيين في سوريا، وأكَّدت على ضرورة إصدار قرارٍ يمنع فيه قوات الأسد من استخدامها، كما تمَّ منع استحدام الأسلحة الكيماوية من قبلها.

ومنذ يومين، وبتاريخ 23/6/2015، صدر تقريرٌ جديدٌ للأمم المتحدة حول سوريا يدين استخدام البراميل المتفجِّرة بعنوان: "يواصل طيران النظام السوري إلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين العزل"، حيث أدان محققو الأمم المتحدة حول سوريا استمرار الطيران السوري في إلقاء البراميل المتفجرة على حلب بصورةٍ شبه يومية هذا العام، على نحوٍ يصل إلى حدِّ جريمة حرب تستهدف المدنيين.

يبقى السؤال: ماذا يبتغي النظام السوري من هذه التصرُّفات الإجرامية الخرقاء تجاه المدنيين؟ ماذا استفاد من استهداف صائمين في مسجد؟ ومن ارتكاب مجزرةٍ بحقِّهم؟ هل قضى على الإرهابيين؟ ومتى كان المدنيون إرهابيون؟ هل سيسلِّم الأسد البلاد خاويةً على عروشها؟ أو أنَّ هناك خطة مقصودةٌ لدفع الناس نحو التطرف؟ أو إعادةٌ لتشكيل ديموغرافيةٍ جديدةٍ على الأرض السوريَّة؟

كلُّ هذه الأسئلة وغيرها التي يمكن أن يطرحها أيُّ سائل، قد تقودنا إلى أجوبةٍ تتفاوت في مدى صحتها، ولكنَّ الذي لا يمكن أن ننكره، أنَّ النظام السوري أثبت بعد كلِّ هذا السنوات من الحرب في سوريا بأنَّه نظامٌ فاشل في كل شيء، إلا في إثبات نفسه بأنَّه أحد أعتى الأنظمة الاستبدادية وأكثرها وحشيةً ودمويةً على الإطلاق، وإن أنكرنا ذلك فنكون قد أنكرنا بقايا الإنسانية الهزيلة التي ما زال يتغنى بها هذا العالم.





 
 
 
EN
AR