الجولان في قلب الحدث: عدوى الفوضى على الحدود السورية الإسرائيلية

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم شاهر جوهر

الثلاثاء 14 / تموز / يوليو / 2015


Replacement_Image

رسمياً تعد سوريا وإسرائيل دولاً في حالة عداء، وفي حالة حرب مستمرة منذ عام 1967، أي منذ إقدام إسرائيل على احتلال 1200 كيلومتر مربع من هضبة الجولان السوري (من أصل 1800 كيلومتر مربع المساحة الإجمالية للجولان)، ﻭضمها إليها بقرار لم يتم الاعتراف به من قبل المجتمع الدولي إلى اليوم.

شاهر جوهر | 

 

رسمياً تعد سوريا وإسرائيل دولاً في حالة عداء، وفي حالة حرب مستمرة منذ عام 1967، أي منذ إقدام إسرائيل على احتلال 1200 كيلومتر مربع من هضبة الجولان السوري (من أصل 1800 كيلومتر مربع المساحة الإجمالية للجولان)، ﻭضمها إليها بقرار لم يتم الاعتراف به من قبل المجتمع الدولي إلى اليوم.

ومنذ انطلقت الانتفاضة في القنيطرة آخذةً شكل الاحتجاجات السلمية في نيسان2012  للمطالبة برحيل النظام وحزب البعث، وقبل أن يرتفع فيها صوت الرصاص بمدة وجيزة، وعت إسرائيل جيداً أن حدودها التي حمى عروشها النظام السوري، والتي سادتها روح المقابر طوال حكم الأسد الأب والابن، لم تعد محميةً اليوم.
لهذا اتبعت الحكومة الإسرائيلية عدة إجراءات لضمان أمن حدودها في الجبهة الغربية مع الجولان السوري، وذلك لمنع الفوضى العاصفة في البلاد من ضرب حدودها.

فسعت منذ البداية إلى اتباع "المودة" لاستمالة أبناء القنيطرة بفتح الحدود لهم أمام ضربات النظام، كما حاولت إقامة مخيمات لإيواء النازحين من أبناء المحافظة. لكن هذ المحاولات الخبيثة كانت قد رُفضت شعبياً ولم تأتِ بنتيجة. ويعزز هذا الرفض لدى أبناء القنيطرة وجود الأردن كبلد شقيق على الحدود الجنوبية، حيث لا يزال يستقبل اللاجئين ويقدم لهم الدعم.

لكن في الأيام الأخيرة من عمر السيطرة العسكرية للنظام السوري على الحدود مع الجولان المحتل، لمست إسرائيل أن مسار السياسة القمعية التي انتهجها الأسد تجاه أبناء القنيطرة لن تنتهِ على خير، إذ بان واضحاً لها أن تلك السياسة ستُفضي إلى فوضى في الهضبة تدفع إلى تسللها بسهولة إلى الداخل الإسرائيلي.

لذا قامت القوات الإسرائيلية بتوسيع المنطقة المعزولة السلاح وخط وقف إطلاق النار، وذلك بالاستحواذ على المرتفعات والمناطق الإستراتيجية الهامة الملازمة للجانب الواقع ضمن السيطرة السورية. ولعل أهم المناطق الإستراتيجية الهامة التي استحوذت عليها القوات الإسرائيلية "مرتفع الجلع"، وهو مرتفعٌ إستراتيجيٌّ هام يقع جنوب شرق تل الفرس، ويخضع للسيطرة السورية. وقد قامت الجرافات الإسرائيلية -نهاية العام 2012- تؤازرها وحداتٌ من الجيش الإسرائيلي بضمِّ المرتفع إلى السيطرة الإسرائيلية أمام نظر ومسمع القوات السورية المشغولة بقمع الاحتجاجات السلمية في كل من قرى وبلدات القنيطرة. ويعتبر هذا العدوان الإسرائيلي خرقاً واضحاً لاتفاقية ﻓﻚ الاشتباك ﺑﻴﻦ الطرفين الموقعة ﻓﻲ 31 أيار/ﻣﺎﻳﻮ1974 ﺑﻴﻦ ﺳﻮﺭﻳﺎ ﻭﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ في ﺠﻨﻴﻒ، حيث نصّت الاتفاقية على أن "ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻭﺳﻮﺭﻳﺎ ﺳﺘﺮﺍﻋﻴﺎﻥ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﻗﻒ إﻃﻼق النار وﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﻓﻮﺭ ﺗﻮﻗﻴﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﺛﻴﻘﺔ".

وبالتوازي مع هذه التطورات تمت إعادة صيانة الحدود بتكلفةٍ ماليةٍ ضخمة، إذ قامت القوات الإسرائيلية أمام نظر قوات النظام السوري بزرع الألغام الآلية والفردية في القسم السوري منزوع السلاح المتفق عليه بين الطرفين، ثم تلا ذلك بناء جدار مكهرب من الأسلاك الشائكة بارتفاع يزيد على ثلاثة أمتار على طول الحدود.

لكن ما أن تلاشت سيطرة النظام بفعل ظهور  المعارضة المسلحة حتى أدركت إسرائيل ضرورة وجود فصيل عسكري يحمي حدودها كبديلٍ عن القوات النظامية، دون ان يسبب هذا البديل أي تهديد مباشر لها. ولهذا راهنت إسرائيل على بعض فصائل المعارضة المسلحة الصغيرة، وسعتْ إلى تقديم الدعم والسلاح اللازم لها بصورة غير مباشرة عبر حكومة الأردن وقطر، لكنها مراهناتٌ خاسرة إذ نبذها الشارع ولم تستمر طويلاً.

بقيت إسرائيل طوال تلك المدة تتعامل مع جبهتها الشرقية بهدوء ودون تدخل مباشر في الصراع، إذ كانت تراقب بعين الحذر ما يجري في الجولان لما يدور من اشتباكات ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ والثوار بالقرب من ﺧﻂ ﺍﻟﻔﺼﻞ بين الطرفين .
وحاولت إسرائيل طوال تلك المدة أن تغض الطرف عن أمور كثيرة يقوم بها الطرفان المتصارعان من تساقط للقذائف ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﺘﻠﻪ إسرائيل ﻣﻦ ﻫﻀﺒﺔ ﺍﻟﺠﻮﻻﻥ، ولما يقوم به الطيران السوري من تحليق على الجبهة الشرقية وقصف المدنيين والثوار بالبراميل المتفجرة، وذلك في انقلاب واضح لاتفاقات 1974 التي تمنع تحليق الطيران الحربي السوري في الجبهة الشرقية.

لكن ذاك الترقب سرعان ما تحول إلى حراك عسكري واضح إثر دخول حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني بصورة مباشرة في المعارك الدائرة في جبهة الجولان إلى جانب النظام، فجاءت حادثة "مزارع الأمل في القنيطرة" لتفجر الموقف وتكاد تشعل المنطقة بلهيب حرب جديدة. فقد شنّت إسرائيل غارةً جويةً نفذتها ﻣﺮﻭﺣﻴﺔٌ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻴﺔٌ ﻗﺮﺏ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻘﻨﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺮﺑﺔٍ ﻣﻦ ﺧﻂ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻣﻦ ﻫﻀﺒﺔ ﺍﻟﺠﻮﻻﻥ ﻭﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﺘﻠﻪ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ في الثامن عشر من ﻛﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ/يناير 2014. وقد تسبب هذا العدوان ﺑﻤﻘﺘﻞ 6 أشخاص بينهم ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﺍﻟﺒﺎﺭﺯ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﻴﺴﻰ، ﺃﺣﺪ ﻣﺴﺆﻭﻟﻲ ﻣﻠﻔﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻭﺳﻮﺭﻳﺎ، ﻭﺟﻬﺎﺩ مغنية ﻧﺠﻞ ﻋﻤﺎﺩ مغنية، وﺍﻟﺠﻨﺮﺍﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺱ ﺍﻟﺜﻮﺭﻱ ﺍﻹﻳﺮﺍﻧﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﺩﺍﺩﻱ.

وبعد هذه الحادثة أعلنت إسرائيل حالة التأهب القصوى، إثر تهديدات إيران وحزب الله بالرد على الحادث، في ظل ترقبٍ وخشيةٍ دوليةٍ من أن يشعل الرد المنطقة بلهيب حربٍ إقليميةٍ لن تبقي ولن تذر. لكن وضع المنطقة وتعقيدات الصراع فيها دفعت الطرفين إلى لملمة القضية والاكتفاء بالسماح لحزب الله بالاعتداء على دوريةٍ إسرائيليةٍ في الجنوب اللبناني.

لم تكن إسرائيل بعيدة عن الحدث السوري، وربما تشهد الفترة القادمة استمراراً للتدخلات الإسرائيلية السافرة في ظل التوتر التي تشهده سوريا عموماً، وفي جبهتها الجنوبية على وجه الخصوص.





 
 
 
EN
AR