تدمر.. يا حبالتي

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم شيرين علي

الجمعة 29 / أيار / مايو / 2015


Replacement_Image

تَحَارْ وأنت ترى نشطاء الفيسبوك ينهروك للطمِكَ على تدمر:" تبكون الحجر والناس تموت!!" ولم لا يمكنني البكاء على هذا الحجر المعبّق بـ" أرواح من سبقوا" هذا الحجر الذي يثبت أننا كنا يوماً هنا، وكنا نَفعل ولا يُفعل بنا، وكنا أصحاب السَبق بالعلمانية وبحلم السيادة.

شيرين علي |

 

تَحَارْ وأنت ترى نشطاء الفيسبوك ينهروك للطمِكَ على تدمر:" تبكون الحجر والناس تموت!!" ولم لا يمكنني البكاء على هذا الحجر المعبّق بـ" أرواح من سبقوا" هذا الحجر الذي يثبت أننا كنا يوماً هنا، وكنا نَفعل ولا يُفعل بنا، وكنا أصحاب السَبق بالعلمانية وبحلم السيادة.

كيف لا ألطم وأنا المشرقية التي منذ آلاف السنين ألطم مقتل أدونيس وهبوطه للعالم السفلي، وأنا التي اعتدت البكاء على أمجاد الماضي كوننا كنا بلا حاضر وأصبحنا في هذه الحرب العدمية بلا مستقبل.

تدمر لم تكن واحة في وسط الصحراء ومركزاً عالمياً للتجارة فقط، بل كانت محجّاً وحاضنة لمختلف الأديان والاتجاهات الفلسفية ذاك الوقت، واستطاعت هذه المدينة-المملكة أن تحقق مبدأ فصل الدين عن الدولة وتضمن ولاء مواطنيها لها، فرغم وجود 60 إله (عشرون منهم عربي)،خَلَتْ نصوص وكتابات تدمر المكتشفة من أي ذكر لصراعات دينية ومعتقدية.

ناصرت علمانية تدمر المسيحيين وديانتهم الحديثة، فمنع ملك تدمر أذينة (ملك الملوك ومجدّد الشرق كلّه) اضطهاد وتعصب الوثنيين ضدهم، كما منحَ كل طائفة حريّتها في ممارسة شعائر دينها.

في حين قامت زوجة أذينة زنوبيا (ابنة العطاء) بدعم أسقف أنطاكيا بولس السميساطي الذي اعتبرته كنيسة روما مهرطقاً لقوله أن المخلّص يسوع المسيح إنسان ونبي من الأنبياء، وحصل الأسقف في فترة حكمها على وظيفة نائب عام ومثّل مصالح فقراء المسيحيين، وعندما صدَرَ قرار كنسيّ بخلعه، لم يستطيعوا إليه سبيلاً لأن زنوبيا كانت تحميه.

زنوبيا الطامحة لحُكْمِ العالم والتي أعدّتْ لنفسها عربة إمبراطورية لتدخل بها روما، سَعَتْ لإحاطة نفسها بالعلماء والمشاهير وفي مقدمتهم الفيلسوف لونجين أحد أتباع المدرسة الأفلاطونية الحديثة ومدير أكاديمية أثينا، وفعلاً لبّى الفيلسوف الدعوة وحضر ليعلّم الملكة أصول اللغة الإغريقية وليكون مستشاراً سياسياً لها وكبير وزرائها.

وفي رمز حضاري مُميّز لتدمر وعند مدخل معبد الرّبّة اللّات( وهي إلهة عربية) تجد تمثالاً لأسد وهو يحتضن غزالاً مع نقش مكتوب بالآرامية:" طوبى لمن يلوذ بالمعبد ولم تلوّث يده بالدماء، فهو آمن".

أما بالنسبة لليهود فرغم كراهيتهم لتدمر ورجائهم من الله أن يُطيل في أعمارهم ليروا نهاية تدمر(كما جاء في التلمود)كون التدمريين شاركوا مع الرومان في الهجوم على القدس مرتين إلا أن ذلك لم يثنيهم ولشدّة جمال هذه المدينة عن نَسْبِ بنائها للملك سليمان رغم الفارق الزمني الذي يصل ل 1000 عام بين سليمان والعصر الذهبي لتدمر، على المقلب الآخر فقد حَوَتْ دورا أوروبوس (قلعة تدمر العسكرية لحماية تجارتها على الفرات) في القرن الثالث الميلادي على كنيس وجالية يهودية ولم تَقْرَبهم تدمر.

التدمريون الذين كان لهم معبدهم الخاص في روما في حيّ الشرقييّن، كانت حكومتهم تُشرِك الفقراء في بعض أرباح القوافل وتكرِّم كلّ من يقدّم عملاّ جليلاّ للمدينة بوضع تمثال له يًعلّق على الأعمدة في ميدان المدينة، جاء في نقش تدمري" بقرار من المجلس والشعب تقيم العشائر

التدمرية الأربع نصباً على شرف عقيل بن مكي بن عقيل بن سيفور عرفاناً له بالخدمات التي أدّاها إبان حملته ضد البدو الرّحل وذلك لقاء تأمينه حماية للقوافل على نفقته الخاصة".

امتد نفوذ المملكة في عهد أذينة وزنوبيا لتشمل الشام والرافدين وجزء من الجزيرة العربية والأناضول ومصر، سقطت عام 272م بعد حصار طويل ووقوع زنوبيا في أسر الإمبراطور الروماني، وحين ثارت تدمر في ربيع 273 على الحامية التي تركها أورليان أضربت البتراء وقام سكانها بتدمير المعبد الرئيسي الذي أصبح مركزا لعبادة الإمبراطور،في حين قام الزعيم المصري فيرموس بتشكيل جيش تمكّن من خلاله الاستيلاء على الاسكندرية وأخذ يتفاوض مع التدمريين لتوحيد الخطط والعمل لتقويض نفوذ الإمبراطورية الرومانية في الشرق.

رغم الدمار والنهب والتشويه الذي لحق بنسبة كبيرة من المواقع الأثرية السورية إلا أنه من النادر أن يتم تداولها في الإعلام بالاهتمام الذي تمّ تداول تدمر به, فترى قلق وتنديد الفرقاء المختلفين بما فيهم الأزهر من وقوع تدمر في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية، ولا عجب في أن تنال هذا الاهتمام، أليست هي المدينة الأعجوبة التي أثارت حسد الرومان فقام مارك أنطونيو زوج كليوباترا بإرسال فرسانه لنهبها عام 41 ق.م لكن الحملة باءت بالفشل بعد أن أخلى أهل تدمر مدينتهم وعبروا الفرات.

في ظلّ غياب المصادر الموثوقة، ومنها للأسف مصادر التنظيم الإعلامية المتصالح مع ما ترتكب يداه فلا يجد نفسه مضطراً لنفاق الإعلام والدول. أنا أيضاً أندّد وأقلق وأستغرب قول السلطة السورية مُطمئِنةً إِيّانا أنها أخلَتْ تدمر من ساكنيها لتعلن فيما بعد أن داعش قتل 400 تدمري! وأعجب كيف لم يُكرّر التاريخ نفسه فلم ينجدهم أحد ليُخلوا مدينتهم.

تدمر الآن تحتاج من يهبّ لنجدتها ولكوني عاجزة، كما كل المجتمع الدولي الذي أتقن دور المتفرج السعيد على الهباء السوري، فسأكتفي بما كان يكتبه التدمريون على شواهد قبورهم (حبل = أسف): يا حبالتي.





 
 
 
EN
AR