الإقصاء الإعلاميّ في سوريا... إلى متى؟

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم رامي كوسى

الأحد 08 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

الحديث المستمر عن رغبة القيمين على المشهد الإعلامي السوري في الانفتاح على الآخر يبدو أشبه بالنَّفخ في قربةٍ فارغة، والوعود الشعارتيَّة القديمة الجديدة لم يعد يعوَّل عليها، فالانتقال من حيِّز التنظير إلى حيِّز العملانية يحتاج بعض بوادرِ حسن النية التي بات ينتظرها الصديق قبل الخصم.

رامي كوسى |

 

يبدو أنَّ الأسئلة العتيقة التي تبحث في مكيانيزم اتخاذ القرار ضمن المؤسَّسة الإعلامية السورية سوف تظلُّ عالقة دون إجابة، هذا ما تثبته بعض المظاهر التي طفت مجدداً على سطح التساؤل.

في تاريخ 11/11/2014 أصدرت وزارة الإعلام قراراً بتوقيف مراسل قناة الميادين في حمص طارق علي عن النشاط ضمن الجغرافية السورية بحجة ((عدم التنسيق المباشر مع الإدارة السياسية)) وذلك أثناء قيامه بتغطية نهايات الاشتباك التي سبقت تحرير حقل الشاعر الواقع على بعد 230 كيلومتراً عن مدينة حمص، قبل أن يتمَّ التراجع عن القرار بتاريخ 27/12 من العام ذاته.

واقعة توقيف علي لم تكن يتيمة، فقد سبقها إصدار قرارٍ رسمي بتاريخ 21/3/2014 بإغلاق مكتب قناة الميادين في دمشق، الأمر الذي استوجب عودة مديرته ديما ناصيف للعمل في المكتب المركزي ضمن العاصمة اللبنانية بيروت، وظلَّ القرار نافذاً حتى صباح اليوم الأول من شهر أيار للعام ذاته، يومها تعددت التأويلات التي حاولت تفنيد سلوك الوزارة والبحث في أسبابه، خاصةً أنَّ الميادين شكَّلت رافعةً إعلامية دعمت صمود الدولة السورية على امتداد سنوات الحرب.

هذا التقييد غير المفهوم، يُشكِّل وجهاً ثانياً لحجبٍ ممنهجٍ وَسَمَ أداء المؤسسة الإعلامية السورية منذ عقود، ضمن هذا السياق جاء قرار منع فضائيات الجزيرة والعربية وشقيقاتها من العمل في سورية، وأغلقت مكاتب القنوات سابقة الذكر على خلفية انقسامات سياسية بعد أن اتهمت دمشق الإعلام الخليجي بعامة، والسعودي والقطري منه بخاصة، بتسخير منابره للتحريض على النظام السوري والسعي وراء إسقاطه.

وإذا كان إقصاء الخصوم من قبل وزارة الإعلام السورية أمراً مبرراً في زمن الحرب، فإنَّ إقصاء الأصدقاء الواقفين في خندقها يبعث على الاستغراب، ونستطيع الإشارة هنا، على سبيل المثال لا الحصر، إلا أنَّ صحيفتي الأخبار والسفير اللبنانيتين قد مُنِعتا من التداول الورقي في سورية، دون أن يلتفت كلٌّ من مُصدِّر قرار المنع والمصادقين عليه، إلا أنَّ هاتين الجريدتين، وناهيك عن علانية نهجهما القومي المتقاطع نسبياً، مع نظريَّات البعث الحاكم، تُشكِّلان مصدر رزقٍ لصحفيين سوريين كثر يعتاشون وأسرهم من عائدات عملهم كمراسلين ومُستكتِبين لهذين المنبرَين.

يقول طارق العبد الصحفي السوري المُشتغل في جريدة السّفير اللبنانية: ((بعض الصحف العربية تُمنَع من التداول في سورية، إلَّا أنَّها مقروءةٌ جداً من قبل أصحاب القرار في سورية، وهم يعلمون حدَّ اليقين أنَّها لعبت دوراً مفصلياً في مجابهة حرب المعنويات التي مورست ضدَّ المواطن السوري، وعلى الرغم من ذلك فلا مشكلة لدى القيمين على المشهد الإعلامي في تحييد هذه الصحف وإقصائها)). ويضيف العبد: ((أتساءل عن مصير الصحفيين السوريين العاملين في هذه المنابر فيما لو قرَّر أصحابها الإستغناء عن خدماتِ مراسليهم في دمشق التي حرمتهم من سوق تصريفها بقرارٍ جائر، وأتساءل أيضاً عن حجم الفقد الذي سوف يعانيه القارئ لو انصرفت هذه المنابر عن تغطية الأحداث والتفاصيل المتعلِّقة بالشَّأن السوري)).

ولا يبدو واقع الإعلام الإلكتروني أفضل حالاً، فتعذَّر الوصول إلى مواقع ومدوَّنات كثيرة ليس مستغرباً بالنسبة لمتصفحي الإنترنت عبر مخدِّمات الجمعية المعلوماتية التي يشتغل غربالها على حجب مواقع ومدوَّنات كثيرة بصورةٍ أقل ما يُقال عنها أنها كرتونية تحاكي صناعة نمرٍ من ورق، فكلُّ محجوبٍ على إنترنت الحكومة مباحٌ ومتاحٌ على شبكتيّ "سيرياتيل" و"MTN" على حدٍّ سواء، كما أنَّ استخدام برامج كسر البروكسي المتوافرة بكثافة على الشبكة العنكبوتية صار متاحاً ويسهِّل على مستخدمه تجاوز ممنوعات وزارتي الإعلام والاتصالات والوصول إلى جميع المواقع والمدوَّنات المحجوبة في سورية.

الحديث المستمر عن رغبة القيمين على المشهد الإعلامي السوري في الانفتاح على الآخر يبدو أشبه بالنَّفخ في قربةٍ فارغة، والوعود الشعارتيَّة القديمة الجديدة لم يعد يعوَّل عليها، فالانتقال من حيِّز التنظير إلى حيِّز العملانية يحتاج بعض بوادرِ حسن النية التي بات ينتظرها الصديق قبل الخصم.

*الآراء المنشورة في دلتا نون سوريا لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع





 
 
 
EN
AR