سوريا تتحاور، كيف يستغل الإعلام الرسمي جمهوره

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم وليد بركسية

السبت 07 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

لم تكن الحلقة التي بثتها الفضائية السورية مؤخراً في برنامج "سوريا تتحاور" عن منطقة ببيلا، وجهود المصالحة فيها مقنعة على الإطلاق، بل أتت باهتة ومصطنعة وأقرب للتمثيليات الدرامية المعدة مسبقاً، وأفرزت عدة أسئلة حول جدوى الإعلام التصالحي في هذا الوقت من عمر الأزمة السياسية في البلاد.

وليد بركسية |

 

لم تكن الحلقة التي بثتها الفضائية السورية مؤخراً في برنامج "سوريا تتحاور" عن منطقة ببيلا، وجهود المصالحة فيها مقنعة على الإطلاق، بل أتت باهتة ومصطنعة وأقرب للتمثيليات الدرامية المعدة مسبقاً، وأفرزت عدة أسئلة حول جدوى الإعلام التصالحي في هذا الوقت من عمر الأزمة السياسية في البلاد.

توجهت المذيعة كنانة حويجة بغطاء على الرأس ونظارات شمسية سوداء كبيرة إلى ببيلا الساخنة نسبياً، ليس تنكراً بقدر ما هو مراعاة للجو المحافظ في المنطقة كما يصور البرنامج، وبدت حويجة أقرب إلى شيرلوك هولمز هزلي وهي تتحاور مع حشد من المدنيين البائسين لتحاول معرفة المشكلات المعيشية اليومية التي يعانون منها، ظاهرياً على الأقل، حيث تحول البرنامج مع مرور الوقت من انطلاقته كباحث عن حل توافقي إلى منبر استغِلَّت فيه كلُّ كلمةٍ قيلت على الهواء لتثبيت رؤية النظام السوري حول المصالحات وحول الأزمة السياسية والمعيشية ككل، وبالتالي كانت أفكار المدنيين مجرد وسيلة لعرض ما يريد النظام قوله على لسان مواطنيه.

أوجدت حويجة ببرود مبرراً أمنياً لكلِّ المشاكل التي طُرِحَت أمامها بدءاً من توفر المازوت والخبز وصولاً إلى أزمة الاعتقال التعسفي والحصار الذي يطال أبناء المنطقة من قبل الحواجز المنتشرة هناك، ((فمن حق الدولة أن تحمي نفسها من أي خطر إرهابي، وببيلا حاضنة شعبية لتلك الأفكار)) كما برَّرت حويجة، ولم يعد معروفاً حتى هذه اللحظة إن كان البرنامج يركِّز على مشاكل الناس في جوٍ حواريٍّ من أجل بناء سوريا أفضل، أم أنه استعراضٌ لعضلات التلفزيون السوري في الدفاع عن الحكومة لا أكثر؟

لم تكتف حويجة بلقاء المدنيين، بل التقت مجموعة من المسلحين في ببيلا في مشهد شديد الطوباوية وأقرب للدراما منه إلى الواقع، وبغض النظر عن صدقية اللقاء من أساسه، كان الحوار بين حويجة وحاملي السلاح أقرب للإدانة واللَّوم منه إلى الحوار والمصالحة، ويصدر عبر الشاشة الرسمية صورة المسلحين المنهكين من الحرب بمشاعر كبيرة من الذنب تدفعهم للعودة إلى حضن الوطن بخيبة أمل واسعة واعتراف بالغلط.10959401_1045147318835599_9098725166209721169_n

في الاستوديو، تستضيف حويجة اثنين من رجال الدين في ببيلا، لا فعاليات أهلية ولا مدنية ولا ناشطين محليين ولا رؤى شبابية مستقبلية، رجال دين فقط لتكريس مزيد من الجوالمحافظ عتيق الطراز على المشهد العام، وقد يكون ذلك مبرراً من وجهة نظرٍ واقعية، فمع انهيار السلطة في مناطق متفرقة من البلاد بما فيها ببيلا ازدادت سطوة رجال الدين وهيمنتهم على تفاصيل الحياة اليومية، وشكَّل رجُلا الدين في البرنامج نوعاً من وسيط حواري بين الإعلام والمواطنين أو بين المواطنين والحكومة السورية.

10954561_1045147205502277_5809307241374032144_n

آراء أهالي ببيلا ظهرت على الشاشة السورية الرسمية بشكل مغاير لما اعتاده الجمهور بعيداً عن التلقين المعتاد، الحديث المباشر عن الحواجز والاعتقال والحصار وإلقاء اللوم في ذلك على النظام بشكلٍ مباشر على شاشته كان جديداً، وهو توجُّه عام في كثير من برامج التلفزيون السوري في الآونة الأخيرة، توجُّهٌ ليس كافياً بحدِّ ذاته في حال استمرارية الإعلام الرسمي في تقديم المبررات الجاهزة أمام الأفكار التي تعارضه وترفع صوتها أمامه، والتي يحافظ من خلالها الإعلام الرسمي ليس على جموده الفكري فقطـ وإنما على الإستعلاء الذي يتلمسه المشاهد آتياً من ذلك الإعلام.

((كلُّنا سوريون)) تصر حويجة على ذلك في وقت متأخر جداً بعد سنواتٍ طويلة من الإنكار الإعلامي للأزمة السورية وربطها بمتغيراتٍ خارجيةٍ فقط، كلنا سوريون ويجب أن نتصالح، هي الرؤية الجديدة التي يركِّز عليها الإعلام السوري اليوم والتي كان الأجدى أن تتواجد بهذا الزخم قبل أربعة سنوات، قبل انتشار التنظيمات التكفيرية في البلاد وتحوُّل الثورة من العسكرة إلى الأسلمة على الأقل.

[embed]https://www.youtube.com/watch?v=5GYLMyb9A4E[/embed]





 
 
 
EN
AR