النازيون الجدد وفيديو إعدام الكساسبة

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم رهام الكوسى

الأربعاء 04 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

يخرج الملك الأردني الذي قطع زيارته للولايات المتحدة على التلفزيون الرسمي ليتوعد للشعب الأردني بالانتقام، فيما يبدو أن إعدام ساجدة كان رد الفعل الانتقامي الأسرع. يتحدث الجيش الاردني أيضاً بالمضمون ذاته، مع اشتعال الرأي العام الأردني بضرورة اتخاذ رد "حازم".

رهام الكوسى |

 

يخرج تنظيم الدولة الإسلامية عن صمته أخيراً بشأن مصير الطيار الأردني معاذ الكساسبة الذي أسقطت طائرته في 24 ديسمبر الماضي، تخرج داعش لتخبر الجميع، أنها أعدمت الطيار الشاب حرقاً، وبمقطع مصور امتد أربعة دقائق ونصف، توثق العملية للعالم كله.

يتطور التنظيم في إصداراته الرقمية لمقاطع الإعدام العلنية، هذه المرة يأخذ المقطع طابعاً يجمع بين "Video Game" وأفلام الإثارة الأميركية، دون أن تغيب الأناشيد الجهادية المرافقة للمقطع لكن مع اختيار الكلمات المنشدة بدقة، لتصرح فيها بكل وضوح أنها قد أعلنت الحرب على الجميع، وأن الدم هو اللغة الوحيدة.

يبدأ المقطع بتصوير لجنود ملثمين يرتدون زياً عسكرياً بنياً، يحمل أحدهم شعلة متوهجة، تتوقف الصورة لتعرف الجمهور بحامل الشعلة، هو أمير أحد المحافظات التي تقصقفها قوات التحالف، دون شرح أكثر، لتصور شخصاً يقف على قدميه بزي الرهائن البرتقالي، داخل قفص حديدي يصور من الأعلى، تقترب زاوية التصوير لتعود للشعلة، التي يخفضها الأمير أرضاً لتلامس خط البارود ومنه إلى الرهينة في القفص، يشتعل القفص ومن فيه، تحاول الرهينة أن تصمد للحظات دون أن تتحرك، يحاول أن يطفئ ذاته، ليجلس أخيراً على ركبتيه ممسكاً قضبان القفص الأسود، ترتمي الجثة للخلف بعد أن تفحمت، لتظهر فتوى لإبن تيمية مستندةً على حديثٍ نبوي مختلف على صحته وتأويله، أن التثميل بجثث "الكفار" جائز كي يتعظ الجميع. لوهلة، أقول لنفسي أن كل هذا كان تمثيلاً سينمائياً فقط، أرادوا به تهديد الأردن المماطل بصفقة الرهائن، لأدرك بعد لحظات أنهم أرادوا المعنى الآخر للفعل، وأنهم أحرقوه حقاً. تتسارع اللقطات حيث ترمي جرافة ركاماً فوق القفص.

تنتهي عملية الإعدام الوحشية بمنتهى الذهول، دون أن ينتهي المقطع المصوَّر، يضع التنظيم صوراً قديمة للضحية، ليبدأ إثرها بسرد أسماء وصور الطيارين الأردنيين المشاركين في حملة قوات التحالف، تذكر بالضبط مع صور لكل منهم، أسماءهم وأماكن سكنهم والكتيبة التي ينتمون إليها. تعلن داعش عن مكافأة بقيمة 1000 دينار أردني لرأس أحدهم، ويستمر الذهول في مقطع "الفيديو غيم" هذا موقعاً بـ "لوغو" الدولة الإسلامية المربعي الأزرق. تستمر كلمات الأنشودة الجهادية لتحمل كل مشاعر من شاركوا بعملية الإعدام، الجنون الوحشي، السادية والحقد اللاإنساني تجاه كل محارب للدولة الناشئة.

إذاً لا تبادل للأسرة بين الكساسبة والريشاوي التي أعدمت بعد ساعات من مقتل الأول فجر هذا اليوم، وليس الطيار الأردني بأغلى من جيمس فولي أو ستيفن سوتلوف، فالصحفيان الأميركيان كان النحر نهايتهما، وللكساسبة أعد التنظيم سيناريو آخر، يبرر كل هذا التأخر والغموض في الكشف عن مصير الرهينة الأردني.

رغم اعتياد مطالعي الأخبار مشاهد الذبح، والرجم والرمي من أبنية مرتفعة كوسائل تنهي داعش فيها حياة مسجونيها، إلا أنَّ الصدمة هذه المرة تجاوزت الجميع؛ تشتعل وسائل التواصل الاجتماعي بهاشتاغات مختلفة، أن داعش أحرقت الطيار الأردني. تختلف ردود الفعل بين المهاجمة لفعل التنظيم ووحشيته القياسية، وآخرين وجَّهوا اللوم الأول للطيار الذي اختار أن يكون ضمن كتيبة تهاجم أكبر تجمِّع للإرهاب في العالم، تستهدف المدنيين فيه فعلياً دون أن تتمكن من ضرب مواقع استراتيجية للتنظيم. يعود آخرون لأصل الحكاية وأن ما حدث هو بسبب النظام أو لأصل أصلها ومن أحرق ذاته في المقام الأول. يلعن آخرون النظام العالمي وكل الشعارات الإنسانية التي لم تستطع أن تحول دون المهزلة، مستنكرين ومتعاطفين مع عائلة الطيار الملكومين.

يخرج الملك الأردني الذي قطع زيارته للولايات المتحدة على التلفزيون الرسمي ليتوعد للشعب الأردني بالانتقام، فيما يبدو أن إعدام ساجدة كان رد الفعل الانتقامي الأسرع. يتحدث الجيش الاردني أيضاً بالمضمون ذاته، مع اشتعال الرأي العام الأردني بضرورة اتخاذ رد "حازم".

سورياً، تتعقد الحكاية أمام السوريين، يتعاطف البعض ويخفت البعض الآخر، يتجادلون في صحة توصيف "شهيد" على الرهينة المعدم، ليعودوا متخوّفين من توعدات زهران علوش لهم في دمشق. يستنكر معاذ الخطيب أحد أشهر زعماء المعارضة السورية عبر صفحته على فيسبوك، مخاطباً "المقاتلين السوريين بطرد كل المجرمين الأجانب الذين عاثوا في أرضنا فساداً" دون أن يذكر أين وكيف ومن هم هؤلاء المقاتلون السوريون.

شخصياً، كنت قد ذكرت سابقاً أني شعرت بالمهانة إزاء حملة قوات التحالف على سوريا. وقتها غضب البعض وحزن آخرون، اليوم أيضاً تتكرر الحكاية، فلم تكن هذه دعاية ترويجية للعبة فيديو للمراهقين، النازيون الجدد ليسوا في أوروبا فقط، بل على ضفاف الفرات في أرض السوريين.

*الآراء المنشورة في دلتا نون سوريا لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع





 
 
 
EN
AR