عن اللعب في مكب للقمامة

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم مسعد أسعد

الأحد 01 / شباط / فبراير / 2015


Replacement_Image

يختار المخرج عدسة عريضة لتصوير مقابلاته، تتيح له كشف المكان الذي لابد أن يعلق بالذاكرة، صورة الأبنية الحديثة البعيدة حاضرة في خلفية الكادر دوماً،

مسعد أسعد |

 

نحن في حلب الآن، مجموعة من الأطفال العاملين في جمع القمامة يحتلّون مقدمة الكادر العريض، بينما يظهر في عمقه جسر حديدي ضخم وخلفه بقايا مدينة على وشك الإندثار. هذه الصورة يقدمها الفيلم الوثائقي القصير "لعب"، والذي نُشر مؤخراً على الشبكة تحت رعاية موقع سمارت، ودون أي معلومات عن صُنَّاع هذه الوثيقة.

موضوع الفيلم يبدو تقليدي محبَّب لصُنَّاع ومنتجي الأفلام الوثائقية، تشرّد وعمالة أطفال وقمامة ومدينة مقسَّمة تعاني ويلات حربٍ راهنة، هذه عناصر كافية لتقديم شريط سينمائي يدرُّ الكثير من الإستعطاف على هذا الوضع المزري والمثير للشفقة.
لكن الفيلم لا يكتفي بقدرة هذه العناصر على جذب المشاهد، بل يقدم ومنذ البداية صورة مختلفة عن الصورة النمطية التي يحب المجتمع تشكيلها عن هكذا ظواهر، فهؤلاء الأطفال هم مشاريع مجرمين ومثيرون للإشمئزاز عند كثر، في أحسن الأحوال هم فئة مستضعفة تثير الشفقة، يسهل الندب على مأساتها أمام العدسات طلباً لمعونة أصحاب السلطات والحسابات المصرفية.

نبدأ من ضحك أحد الأطفال أثناء سؤاله عما يفعل من قبل المصور الذي لا يظهر سوى صوته على طول الفيلم، الطفل يضحك ويتلعثم وهو يحاول القول أنه يعمل في لم القمامة من المكب، ننتقل بعدها بسلاسة بين وجوه الأطفال على خلفية مكان لا يتغير، ثياب متسخة، وبرد، ووجوه شاحبة تخلط الضحك بالعمل باللعب؛ صورة شخصيات الكرتون التي يحملها أحدهم طالباً من المصور تصويرها تقف مقابل صورة الطفل المتسخ، تتناقض معها وتعرِّيها، الصور تُنسَج على أساس التناقض على طول الفيلم، التناقض بين فعل اللعب الذي يصدِّره الفيلم كعنوان، ويؤكد عليه في الصورة من خلال إيقاع حركة الأطفال أثناء عملهم، وبين فضاء العمل القاسي والبشع.

Play Movie2

يختار المخرج عدسة عريضة لتصوير مقابلاته، تتيح له كشف المكان الذي لابد أن يعلق بالذاكرة، صورة الأبنية الحديثة البعيدة حاضرة في خلفية الكادر دوماً، لا يعرِّف الفيلم مكانه بتلك الطريقة التقليدية المعتمدة عادةً رَوياً أو كتابةً، بل يترك الصورة الغنية تعبِّر لوحدها، لهجة الأطفال ستخبرنا بالمكان، وصورة المدينة النصف مدمرة ستخبرنا بالحدث، لسنا بحاجة لتعليق أو كتابة أو أي معلوماتٍ إضافيةٍ أخرى، حتى ما يقوله الأطفال رداً على أسئلة المصور لا يهم كثيراً أمام وضوح اللقطة.

اللقطات واضحة ومشغولةٌ بعناية، الكاميرا لاتهتز ولا تختبئ في أي مكان محاولةً صنع الإثارة التي استهلكتها كثافة الوثائق البصرية الرديئة تقنياً التي تبثُّ من سوريا يومياً في كل مكان منذ أربع سنوات وحتى اللحظة، نحن أمام عمل يحترم الصورة كمكون أساسي للسينما ويؤمن بها دون تكلف.

الأطفال يثيرون الشفقة حقاً، لكن هذا تحصيل حاصل لا يكفي لصناعة فيلم مؤثر، المؤثِّر هنا هو قدرة الكاميرا على التقاط اللحظات العفوية لشخصياتها ووضعها أمام المشاهد مباشرةً دون تعليق أو مقدمات شعرية، هناك من يمزج اللعب مع العمل والضحك محاولاً تخطي حالته الإنسانية السيّئة ولو للحظات، لا أحد يتسوَّل ويطلب المعونة، الجميع يعمل بجد حتى أثناء الحديث إلى الكاميرا، تبقى الغصَّة في وجه أحدهم وهو يشرح طريقة تجنبة للبرميل إذا ما نزل، أو فقدان آخر القدرة على الكلام ونزعه المايكروفون المعلق على سترته، لحظات يُصِرُّ المخرج المجهول على تصديرها لنا، محاولاً إظهار إنسانية هؤلاء الأطفال ومعاناتهم بلا استغلال أو تعاطف وإستعلاء.

"لعب" هو تجربة سينمائية بسيطة ولكنها مميزة، لا تكتفي بالبعد السياسي المستهلك للوثيقة البصرية الصادرة من سوريا، بل تحمل بعداً جمالياً أكثرَ تأثيراً وصدقاً، ربما يكون ظهورها بعد هذا الكمِّ الكبير من التجارب على مدى أعوامٍ ثلاثةٍ مضت مؤشِّراً لتطور الفيلم الوثائقي السوري القصير والذي يُعَدُّ الآن أحدَ أكثر الأشكال الفنية الجديدة رواجاً في سوريا بعد سنوات طويلة من التهميش والمنع.

[embed]https://www.youtube.com/watch?x-yt-ts=1422579428&v=e-VR_LGHfBA&x-yt-cl=85114404[/embed]





 
 
 
EN
AR