تشارلي إيبدو ومجزرة الصحافة البديلة

دلتا نون سوريا - مقالة بقلم عمّار ديّوب

الجمعة 30 / كانون الثاني / يناير / 2015


Replacement_Image

يتاقش الكاتب في هذا المقال حادثة تشارلي إيبدو

عمّار ديّوب |

 

ضاق الجهاديون في سوريا ذرعاً بالصحافة البديلة، وبكل مظاهر الثورة التي رافقتها منذ عام 2011، فأُلغيت بأكملها؛ ومن لم يصمت من صُنَّاعها وإعلاميِّيها سُجن أو قُتل أو هُجِّر؛ ولم يتبق إلا البعض وما يحميها سمعتها العالمية، ومع ذلك تتم مراقبتها والضغط عليها لتتحول إلى ناطقة إعلام جهادي، حيث تمَّ الهجوم في 17/1/2015 على المكاتب الإعلامية في بلدة كفر نبل من قبل عناصر لجبهة النصرة، وتحديداً على مركز "راديو فْرِش" والإعتداء على طاقم الراديو.

وفي هذا تمَّ الإعتداء على الإعلامي هادي العبد الله الشهير في تغطياته للأوضاع الميدانية في كثير من مناطق سوريا، وتم الإعتداء كذلك على مركز "مزايا" النسائي وضُربت بعض النساء، وهو مركز متخصص بتعليم السيدات الكثير من المهن وهُدِّدت النساء بقطع رؤوسهنَّ إن عادوا للعمل فيه، والسبب في كل هذه الإعتداءات اعتقاد عناصر النصرة أنَّ صحف الشبكة السورية للإعلام المطبوع "صدى الشام، سوريتنا، تمدن ، عنب بلدي، وكلنا سوريون" تطبع أعدادها في أحد المركزين.

قبل ذلك مُنعت أعداد الجرائد "صدى الشام، تمدن، سورينا، عنب بلدي، وكلنا سوريون" من التوزيع في ريف حلب وصودرت كثير من الأعداد وسُجن موزع الجرائد في ريف اللاذقية. ومؤخراً استفادت حركة أحرار الشام من حادثة مجزرة شارلي إيبدو لتمنع نهائياً دخول الجرائد الأربعة إلى الأراضي الجهادية أي التي يسيطر عليها الجهاديون بقوة السلاح وبذريعة الدفاع عن الله والنبي والإسلام. وقد صودرت الأعداد الأخيرة للجرائد، وهي عادة توزَّع وتطبع في تركيا وتُنقل إلى سوريا، وتوزَّع بشكل مشترك في المناطق المحررة في إطار "الشبكة السورية للإعلام المطبوع".

الآن أُطلق حكم الإعدام على هذه الجرائد بل ومُنع تداولها وقراءتُها بشكل قاطع ونهائي وإلَّا سيكون هناك حساب عسير ومحكمة شرعية؛ ما يذكِّر بكل أساليب النظام في منع أية حريات صحفية ومنذ أكثر من أربعة عقود؛ وإذا استخدمت ذريعة الإعدام، بسبب تأييدها للصحفية الفرنسية والهجوم على النبي العربي، فإن القضية أعقد من ذلك، فالجرائد المذكورة تتبنى رؤيةً صحفية منفتحة على كافة تيارات السياسة والفكر، ولا تقدم نفسها معادية للدين، بل تنتقد وبلا هوادة الإسلام السياسي، وتعتبر الحركات الجهادية مجرد أدواتٍ سياسية لدول خارجية وضد الثورة وتخدم النظام، وليست من الثورة بشيء.

الموقف الدقيق هذا، وهو صحيح، هو ما دفع التنظيمات الجهادية إلى ممارسة كل أشكال التضييق والمنع للجرائد من التوزيع، إلى أن استغلوا حادثة تشارلي لإطلاق رصاصة الرحمة عليها نهائياً، وفعلاً تم جمع الصحف الخمسة، وإشعال الحريق فيها، وهو مما يذكرنا بكتب ابن رشد حينما جمعت كتبه وأشعلت فيها النيران.

يشار أن صحيفة "سوريتنا" كانت قد نشرت صوراً من صور الجريدة الفرنسية، ولكن ليس من باب التشهير والإساءة للأديان، بل من باب التضامن مع حرية الصحافة؛ وقد كتبت الجرائد الخمسة بياناً توضح فيه كل ما يتعلق بالسخرية من الأديان ورفضِ ذلك بالكامل إذ ورد في البيان: ((نؤكد في الشبكة السورية للإعلام المطبوع إدانة ما أقدمت عليه الصحيفة بأشد العبارات، ونعلن دعمنا الكامل للمظاهرات التي عمَّت العالم الإسلامي مندِّدة بتلك الرسوم، والتزامانا كصحف مطبوعة بدورنا الإعلامي في مواجهة هذه الأفعال)). ومن ثم أكدت هذه الصحف: ((وإذ نرفض في الشبكة السورية للإعلام المطبوع الرد على تلك الإساءات بأي أسلوب عنيف، وندعو إلى الالتزام بأخلاق الدين الإسلامي و نبي الرحمة، -وإنك على خلق عظيم-)) هذه الفكرة الرافضة للقتل، التي تنتهجها الصحف بما يؤدي إلى احترام الحريات الصحفية؛ ربما دفعت حركة أحرار الشام لجمع وحرق أعداد الجرائد الخمسة، ومنع توزيعها والتوعُّد لكلّ من يوزعها أو حتى يقرأها؛ وبذلك تكرِّس استبداداً جهادياً وتدخلاً شمولياً في كل مناحي الحياة بالعموم.
ثم إنَ جريدةً واحدةً فقط نشرت بضع الرسوم المنشورة في الصحيفة الفرنسية، فلماذا تُمنع كافة الصحف من التوزيع؟! ما يؤكد أن نيَّة إعدام الصحف كانت محسومةً من قبل، وجاءت حادثة تشارلي لتغطي على ذلك.

النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام يسيرون على خطى داعش في إغلاق كل أشكال الحياة ومنها الحريات الصحفية. وليس هذا بالمفاجئ لأحد، فهي تنظيمات أصولية وجهادية تكفِّر المجتمع بكليته وتعتبره جاهلياً ومرتداً، وتمنع حرية ممارسة الدين ما لم يكن وفق تأويلهم للدين، وهم يفرضون سلطة جهادية كاملة على كافة نشاطات الأفراد والمجتمع كذلك.
إنَّ إلغاء دخول هذه الجرائد إلى سوريا، يتطلب حملات إعلامية مكثفة للتشهير بالإستبداد الديني والذي يماثل ويفوق ممارسات النظام السوري في إقصاء الآراء الأخرى؛ وبذلك تكون الجهاديات مكمِّلةً لممارسات النظام في قمع الثورة وتشويهها وكمِّ الأفواه وليست مناقضة له.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دلتا نون سوريا.





 
 
 
EN
AR